نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

جورج سلوم - الساعة البيولوجية

نشر: جورج سلوم · ‏7/6/18 ·
  1. في سن الخمسين يبدأ البعض بالنظر إلى النصف الثاني من العمر بطريقة انسحابية .. وكأنّ المخطط البياني للعمر وصل إلى ذروته وبدأ بالانحدار .. وقفةٌ عابرة أمام المرآة تجعلكَ تستشعرِ الفرق .. وكأنّ شيئاً ما بدأ بالانسلال من بين أصابعك .. إنه العمر الذي يزداد تفاقماً وبقاياه التي تتناقص انسحاباً..

    أين إكسير الحياة الذي يُصلِح ما أفسده الدهر؟

    وأين يُباع ؟.. وكم ثمنه ؟

    وعجز السابقون من العلماء عن الوصول إليه .. وتعمّقوا في درس أسباب الشيخوخة ووصلوا إلى الكثير من مؤهّباتها .. ونصحوا بأساليب الوقاية التي قد تؤخّرها فقط .. لكنهم شاخوا وماتوا بين مختبراتهم وتجاربهم على الفئران .. وماتت فئرانهم معهم !

    وضعوا قائمة بمعجّلات الوفاة لمَن كان مستعجلاً .. وكان أهمّها الشدة النفسية والاكتئاب .. ثم الملوّثات التدخينية والإشعاعية والبيئية.. ثم الأطعمة النجسة !!

    تلك الأطعمة التي اقترحوا على رجال الدين إضافتها إلى فتاواهم كأشباه المحرّمات..

    وقد سمعتُ خطبة من طبيبٍ متفقّه أو فقيه متطبّب .. (وقد كثروا في الآونة الأخيرة.. إذ أنّ الأمرَ سهلٌ بمكان .. ولا يستدعي إلا إرخاءَ ذقنٍ فوق مريلة الطب البيضاء ).. ويُفتي قائلاً .. اللهم قِنا شرّ الكولسترول وصانعه ومُجالسه كما فعلت بالكحول .. وهكذا أصبحت الدُّسُم المُشبَعة نجسة فاجتنبوها

    والأوراق كثيرة تلك التي قرأها طبيبنا باحثاً عن سبيلٍ لإطالة العمر .. واللقاءات مع المهتمّين بالأمر كأطباء وفلاسفة ورجال دين ومراكز بحثية متخصّصة أفضت إلى نتائج متناقضة .. وكأنّ نهاية الحياة أمرٌ حتميّ مُتّفقٌ عليه .. تأجيلُه ممكن قليلاً كمن يتأخّر عن موعدٍ مضروب .. ولكنه سيلتزم بالحضور في النهاية طائعاً .. وإن تهرّب فسيصلون إليه ويأتون به مصفداً بالحديد بعد أن يثخنوه ضرباً

    أحد الفلاسفة اعتبر الإنسانَ محكومٌ بالإعدام منذ ولادته .. ولذلك قد يولد بعض المواليد أمواتاً .. ولو كُتبت له بعض الحياة فهو ينفّذ حكماً بالأشغال الشاقة ويَجهَد عسى أن يُؤجَّل الإعدامُ تأجيلاً .. وقد تكون الأشغال الشاقة مُضنية جداً فيتمنى الموت .. فيعرِض نفسه على الجلاد قائلاً:

    -لا تنسَني في زحمة أعمالك .. إني هنا وأنتظر .. تذكّرني بين الأرواح التي تأخذها يومياً ..

    لكن الجلاد يريد استطالة عذابه قليلاً .. قليلاً .. ليس بالكثير

    رجالُ الدين .. يعتبرون الحياة وقفة على السبورة أمام الأستاذ الذي أعطاهم درساً .. وكتاباً مقرّراً يحفظونه .. وعندهم اختبارات ومِحَن شفهية وكتابية ..فمن نجح ترفّع إلى صفٍّ أعلى .. ومن تفوّق أعطاه المعلم مرحى .. ومن رسب يُطرح خارجاً وعندها تبدأ العقوبات ... أما الحياة الدنيا عندهم فهي فترة تدريبٍ فقط وامتحاناتٍ متكررة .. وهناك معدّل مطلوب للقبول في الجامعة .. ومن أراد الحصول على (الشهادة ) مباشرة فهناك سبلٌ مطروحة لها ويسمى (شهيداً)!.. ومن تعثر وكانت علاماته على (الحد) .. فهناك وسطاء يشفعون له قليلاً .. هم الأنبياء والأولياء والقديسون..

    المراكز الطبية تعتبر الإنسان مُبرمَجاً بالشيفرة الوراثية الخلوية .. بشكل فائق الدقة .. وتوصلوا إلى بعض مفاتيحها السرية .. وتلاعبوا بها قليلاً .. وتوقفت محاولاتهم بسبب شيخوخة الخلايا .. كسيارة عتيقة داخلها الصدأ.. لن تقوى على السير كما كانت ولو استبدلْتَ المحرّك والدواليب .. فالهيكل هرم من الداخل ولو دهنته ولوّنته..

    فلو أطالوا الحياة سيحصلون على أجساد ضعيفة الوظيفة .. هرمة وغير فعّالة .. مريضة متآكلة متهالكة .. عالة على غيرها .. مكلفة جداً.. وبالتالي لا طائل وراءها

    وأصبحت المجتمعات المتقدمة مؤلفة من بقايا مسنين .. وفاقت نسبتهم نسب الشباب .. فكانوا بحاجة دوماً للدماء الجديدة يضخّونها كعمال ومستخدمين وصاروا يستقدمونهم من بلاد الفقراء .. منبع الشباب الدائم!

    فلو بقي أديسون حياً إلى اليوم .. ما كان ليخترع شيئاً جديداً .. أو يجترح معجزة .. كان فقط جثة على كرسيٍّ متحرك وبحاجة إلى من يخدمه ويعيله .. وقس على ذلك..

    صار الهاجس عند علماء اليوم محاربة الشيخوخة .. باختصاص طبي جديد اسمه (أنتي إيجينك ميديسن ) .. بدراسة التحاليل الدموية في منتصف العمر .. ومحاولة إصلاح التبدلات الهورمونية والخلوية التي تطرأ على البدن .. ولم يفلحوا حتى الآن .. إذ تبين أن التطور الزمني نحو فناء الخلية الحية أمر لابدّ منه .. كالساعة تجري ولا تلوي على شيء

    إن هورمون (الدي هيدرو إيبي أندروستيرون) يؤخّر الشيخوخة .. و(الأدرينالين ) يسرّعها .. ولذلك أضف إلى صلواتك كما قال فقيهنا .. اللهمّ ارفع نسبة الأول في تحاليلنا وخفّض الثاني يا قدير

    نحن إذن بحاجة ليس لإطالة العمر فوق الثمانين والتسعين .. لسنا بحاجة لإطالة أرذل العمر .. نحن بحاجة للمحافظة على الشباب .. وإيقاف سنيّ الحياة المتسارعة في أربعينيات الحياة .. حيث يكون المرء ناضجاً منتجاً قوياً .. شاباً ويزداد شباباً

    كمن يوقف عقارب الساعة العُمْرية ..فيتوقف الزمن عندها

    أو يبطئ سير تلك الساعة المبرمجة .. السائرة حكماً نحو رنين المنبه فيرن ..ويقولون جاءت ساعتُك .. هيا بنا نلعب .. لعبة الموت !

    أين تقع تلك الساعة في أجسادنا ؟.. وكيف يمكن ضبط إيقاعاتها ؟.. بحيث نسرّعها لمن استعجل الموت أو نفرملها لمن استأخر واستلذّ البقاء ..

    تكلّم الكثيرون عن الساعة البيولوجية التي توقظنا من النوم .. إذ أنّ النومَ موتٌ ظاهريّ مؤقت وإجباري .. والنوم اليومي عرفه الإنسان قبل أن يفهم كلمة اليوم كزمن ..

    اليوم الزمني مرتبط بالشمس ودوران الأرض .. ولا سبيل للتلاعب بحركات الكواكب .. والساعة أجزاء يومية ومجرّد أرقامٍ تقسيمية اصطلاحية .. ومنها الدقائق والثواني وأجزاء الثواني ..

    إنّ إطالة يومك نوعٌ من إطالة العمر .. وتأخير النوم المفروض علينا بالسهر مثلاً يجعل يومك حافلاً أكثر .. فما أطال النوم عمراً ولا قصّر بالأعمار طول السهر..

    ولو وصل الإنسان نهاره بليله على طريقة حذف النوم .. أو تأجيله ما أمكن سيجد الزمن أطول .. وسيخرج من دائرة شروق الشمس وصياح الديك .. ويتحرّر من كلمة (صباح الخير) وما أصعبها .. إنها شتيمة .. إنها تقول لك بمعنى آخر لقد كبرت ..وخسرت يوماً

    وما قبل صباح الخير يسمى البارحة أو الفائتة .. وما فات مات ..

    وما بعد صباح الخير .. يومٌ جديد .. مجهولُ الهوية والتفاصيل .. وقد يكون الأخير في عمرنا

    فيروز تجلدني بغنائها الصباحي ..لقد خسرتُ يوماً .. لماذا تصرّون على إذاعتها صباحاً .. وأغنياتها تنتهي بسرعة بمعنى .. اشرب قهوتك وانطلق .. فاليوم قد بدأ واحتدم الصراع .. ولقاؤنا معاً مع أم كلثوم بعد منتصف الليل بأغنياتٍ طويلة تهدهدك وتسلمك لفراش النوم .. أو الموت اليومي

    وتشكر الله إذا أمسيت ..

    وتشكر الله إن أصبحت .. فالبعض يُمسي ولا يُصبح !

    إحدى العرّافات سألتُها عن المستقبل .. لفّت ودارت في إجابتها .. قرأت الكف ورمت الودع .. وتحدّثت عن الحبيبة التي تهجرني .. قاطعتها وقلت:

    -ومتى أموت ؟

    نظرت عندها إلى جبيني..وقالت :

    -كله مكتوب هنا .. فالمكتوب على الجبين ستراه العين !

    هل الساعة البيولوجية مرسومة على الجبين ؟.. أرني جبينك وانظر جبيني .. تعال نتناطح عسى أن نخرّب ساعاتنا البيولوجية .. فتتوقف عن العمل ولا نصلحها

    تعال ندقُّ رؤوسنا بالحائط الصلد .. حتى نرسمَ عليه ارتساماتٍ دموية.. فيخرج زيت تلك الساعة اللعينة وتتعطل

    إنّ ارتجاجَ الدماغ يفقِد الوعي للمريض مؤقتاً .. ثم يصحو ناسياً ما حدث .. لقد خَلْخلْتَ عمل تلك الساعة مؤقتاً

    هل السجود .. ودق الجبين بالأرض .. نوعٌ من إيقاف الساعة البيولوجية ؟.. أو الترجّي بإيقافها أو اللطف من جبروتها

    هل تعتبر تلك الهالات السوداء عند من يكثرون الصلاة دلائل على إمكانية تغيير ساعتهم .. أو تأجيلها ؟.. فينظر إليهم ملائكة القيامة ويستحسنون جباههم التي أكثرت الطرْق والإطراق!

    هل يرسم الهنود نقاطاً سوداء على الجبين لتغيير برمجة الساعة شكلياً؟

    اخترع العلماء الروس (خوذة التجميد ).. أي تبريد الفعاليات الاستقلابية في الدماغ دون الوصول إلى التخثير بالبرودة .. أي بما يشبه السبات الشتوي عند ذوات الدم البارد .. فتتوقف الساعة البيولوجية مؤقتاً

    والتاريخ الديني يخبرنا عن تجربة (أهل الكهف ).. حيث تم فصلهم عن الزمن الجاري.. وعندما عادوا للحياة كان كل شيء مختلفاً.. إن قصة أهل الكهف جديرة بالتجربة .. فنغمض عيناً على زمن صعب ثم نفتحها على زمن أكثر سهولة

    بالنتيجة .. بقيت الساعات تدور رغماً عنا .. وكانت عقاربها مؤلمة اللدغات .. لذا استبدلوها بالساعات الرقمية .. وبقيت الساعة البيولوجية عصية على الجميع..

    كانوا يظنونها في القلب النابض

    فأوسعوه درساً حتى غدا تافهاً (طبياً ).. وإن حافظ على مكانته (عشقياً)

    أما عن القلب ... فله نظمٌ يسمى جيبياً منتظماً بآلية ذاتية .. فلو استأصلت قلباً ووضعته في مصلٍ فيزيولوجيّ .. سينبض مستقلاً عن البدن .. وعندما يضطرب النظم عند المريض يزرعون بالقلب قطعة معدنية تبرمج نبضاته ويسمونها (ناظم الخطى) .. وبطاريتها بحاجة لإعادة الشحن .. وهكذا يمكن برمجة القلب وتسريعه وإبطاؤه .. كحصانٍ تجلده ليُسرع .. ولكن لا تجلد الحصان المُتعَب!

    هذه هي الفكرة .. زرع شريحة سيليكونية وتتحكم بالساعة البيولوجية .. ويعاد شحنها!

    الخلايا الجذعية هي الأمل المعقود بناصية العمر .. وهي خلايا جنينية قابلة للانقسام والتطور .. هي خلايا شابة بمعنى آخر .. زرعوها في مفصلٍ متآكل فاستحيا .. وفي قلب مُحتشٍ جزئياً فانفرجت أساريره

    تعالي إليّ أحقنها في جبينك يا حبيبتي .. بدلاً عن (البوتوكس) الذي يشلّ خلايا جبينكِ فتزول تجاعيده مؤقتاً..

    والنسوة اللواتي يرغبن بالحقن كثيرات .. وموافقات بل ويدفعن لك الكثير .. مهما حقنت في نواصيهنّ من الأدوية .. بدون أن يعرفن ماذا يحقنون في جلداتهن .. وهنا بدأت التجربة ليس على الفئران الآن وإنما على الإنسان كفأرٍ للتجربة !



    د. جورج سلوم

    ****************

    عن الكاتب

    مواليد1965
    طبيب مختص بالجراحة العامة وجراحة الأوعية
    كتاب منشور (أحضان فارغة)..عن دار نينوى
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..