مجدى أحمد نصار - سكن السحاب

فتحت عينى بصعوبة كعادتى حين أصحو من النوم ..

فى أول الأمر ظننتنى فاقدا تركيزي..ثم بدأ القلق يسيطر عليَ حين لم أجد اللون الأبيض لسقف غرفتى ولا الأحمر الفاتح لحوائطها، لم أر سوى الأزرق يغطى كل شيء , حتى اعتقدتُ أنى بتُ على سطح منزلنا، وهذا ما لم يحدث مطلقا لكنه احتمال , هببت جالسا لأكتشف أننى أعلو سحابة بيضاء وعن يسارى الشمس بأشعة بسيطة تليق بوقت الصباح..كدت أطير من الفرح , فقد كنت أحدث أبى بالأمس عن شيء قريب من الحياة على السحاب أو فى السماء، ويبدو أن الله قد استجاب لأمنيتى حين رآنى صادقاً فيما أطلب و لأنه يحبنى ولا يحب حزني..ثم قررت أن أقف بعدما تغلبت على خوف فى أول الأمر، و وجدت الأمر صعباً حتى استطعت الوقوف أخيراً باتزان فى حركات اعتدتها من أخى الصغير حين يريد الوقوف على قدميه..

خشيت ألا تحتملنى السحابة، لكن العجيب أنها كانت قوية كالأرض , هشة كالإسفنج..

كان السير فوقها يشبه إلى حد ما السير فوق سريرى المحشو بالريش , كان إحساساً جميلاً وجزء من السحابة يعلو قدمّى ويداعبهما مداعبة استسلمت بعدها للضحك الهيستيرى حتى كاد قلبى يتوقف من الضحك، ثم بعد فترة سيطرت على نفسى وقمت أكمل استكشافي..

بينما أسير كانت السحابة أيضا تتحرك بحريتها، إلى أن وصلت إلى أولها فرقدت على بطنى ونظر إلى الأسفل..

كنت مذعورا من الارتفاع الشاهق، ثم شردت فى المساحات الخضراء الخلابة , والشلالات التى كانت قريبة منى للغاية، وجبال مررت بجوارها فزادتنى اطمئناناً إلى أننى لست بعيداً عن الأرض كثيرا( أو هكذا خيل إليَ).

كنت فى غاية الاستمتاع حتى علت الشمس أكثر فأكثر وأصبح الجو أكثر حرارة وأشعتها أصبحت أشدَ، لولا ذلك الرذاذ البارد اللطيف على السحابة..

جلست متعبا، شاردا، لكن مستمتعا بكل شيء، وفجأة دهمنى دخانٌ أسودٌ قاتم , وظللت أسعل وأسعل وتدمع عيناي. فى لحظات ظننتُ ألا نهاية لهذا الدخان وأنها نهاية رحلتى ونهايتى أنا شخصيا، لكننا عبرناه أخيرا ..

التقطت أنفاسى ثم ركضت إلى الجانب الأيمن من السحابة لأرى ما كان سبب الدخان وليتنى لم أركض، ولم أرَ..بل ليتنى لم أنجُ منه حتى ..

فقد رأيته نابعا من وسط بيوت متلاصقة.. ظننت لبرهة أنه حريق هائل , لكننى رأيت ..رأيت وعن قرب.. سواد..

سواد ينتحل صورة طائرات سريعة صغيرة مقارنة بما شاهدتُ فى التلفاز..

رأيتها تلقى بأجسام أكثر سوادا لها صوت مدو مزعج وما أن تسقط حتى تلد شريطاً طويلا لا نهاية له من الدخان الذى كان من الطبيعى والمشروع له أن يتخذ اللون ذاته لتلك الأجسام والطائرات التى أنجبته..

ظللت راقدا على بطنى حزينا مفكرا، فيما رأيت حتى مررنا بمجرى مائى صغير ارتاحت له نفسى و شعرت بالاطمئنان يداوى جروح الهلع داخلى لكن ما ان بدأ قلبى يهدأ حتى رأيت مجرى آخر أوضح أطول وأكبر لكنه مجرى أحمر اللون.. نعم دماء..كانت دماء كثيفة، قاتمة وغزيرة.. حولها كانوا كالنمل على الجانبين..لكن جانبا واحدا كانت تظهر فيه إضاءات ربما أو قطرات صفراء بصورة متتابعة، غير منتظمة.. لم أكن أعلم أنها النيران..لكن منظر الدماء ذكرنى بما رأيته على التلفاز مرارا مع أبي..تلك المناظر والصور المتشابهة من أطفال، نساء ورجال يحتمون ببعضهم من قوم آخرين كانوا يضربونهم بأسلحة، وحين كنت أسأل أبى عن السبب، كان يمتعض ويجيبنى أنهم يعاقبونهم أو شيئا كهذا.. ولما سألته علام يعاقبونهم؟! بدَل المحطة وأتى بفيلم كارتوني..

لم أستطع منع بكائى بعدما مررت بنهر الدماء القاتمة، رغم أن والدى أخبرنى مرارا بأن البكاء للنساء فقط، و تمنيت أنى لم أسكن السحاب يوما ولم أفكر بذلك قط..

دمعت ..ودمعت السحابة معي..حتى أفقت..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى