نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبد القادر وساط - صفحات مختارة من كتاب ( فتق الهيمان )

نشر: نقوس المهدي · ‏9/6/18 ·
  1. ومن وزراء نجدان الشيخ أبو الفضل الدنانيري، الملقب بظلّ الرمح، وكان يتولى وزارة البديع. وإنما لُقّبَ بظل الرمح لطول قامته. وهو القائل في مدح الطاغية:
    سليلُ الطغاة و رأسُ الدهاةِ = و سَيّدُ نجدانَ عبْر العُصورْ
    يَجُوبُ القفارَ و يَصْلى الحروب = و يَنْفرُ منْ سَهَرات القصورْ
    و يَبني السجونَ لخلانه = إذا لمْ يَرَوا رأيَهُ في البُحورْ
    ومن وزراء نجدان كذلك الشيخ أبو الحسن الأحمدي الصدراني، الملقب برَغيف الحَوْلاء. وكان يتولى وزارة السجون و السجناء. وقد لُقب برغيف الحولاء لشؤمه. والحولاء هذه امرأةٌ خبّازة، كانت في بني سعْد بن تميم. ويحكي صاحب " الدرة الفاخرة " أنها مرّتْ يوما بخبزها على رأسها، فتناولَ رجلٌ منه رغيفاً، فقالت له: " والله مالكَ عليّ حقّ، ولا استطْعَمْتَني، فبمَ أخذتَ رغيفي؟" وسمع قومها استغاثتها فثاروا، وشبّتْ بسبب ذلك معركة، قُتل فيها ألفُ إنسان!
    يقول مؤلف ( الفتق):
    ولما غضبَ صاحبُ نجدان على الوزير الشيخ الصدراني، أمرَ بوضعه في سجن الكثيب، فبقي فيه سنوات طويلة. وكان سببُ غضب الطاغية أنه مرّ يوما بذلك السجن، فرأى على بابه لافتة كبيرة، كُتب عليها بالخط الكوفي:
    عسى الكرب الذي أمسيتُ فيهِ = يَكُونُ وراءه فرَجٌ قَريبُ
    فيأمن خائفٌ و يُفَكّ عانٍ = و يأتي أهْلَه النائي الغريبُ
    و البيتان للشاعر هُدْبة بن الخشرم، وفيهما غناء لرزين النجداني، وهو ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر.
    فلما رأى الطاغية البيتين، وعرف أن رغيف الحولاء هو الذي أمر بكتابتهما ووضعهما في ذلك المكان، استشاط غضباً وأمر بإحضاره حالاً، وقال له:
    - يا عدوّ نفسه! أوَ بلغَ بك الأمرُ أن ترقَّ لسجناء الكثيب وتتمنى لهم الفرَج القريب؟!
    ثم إنه أمره أن يقوم هو نفسه بنزع اللافتة، رغم ضعفه وكبر سنه، وبعد ذلك قام بإدخاله سجن الكثيب.
    ومن وزراء نجدان أيضا الشيخ أبو أحمد القحطاني، الملقب بفراشة النار. وكان وزيراً مكلفا بالأيام والشهور. ولُقّبَ بفراشة النار، لجرأة كانت فيه ، مع ميل إلى اقتحام الأخطار،و دون تقدير للعواقب. وهذا الشيخ هو صاحب البيت المشهور:
    أنا ابنُ نَجْدانَ، أخوالي بَنُو مطَرٍ = أنْمي إليهمْ و كانوا معْشراً نُجُبا
    وهو الذي أغارَ على إبل كبير الوزراء، الشيخ أبي عبدالله المنجم، الملقب بضمير الغيب، وذلك قبل أن يصبح الرجلان وزيرين في حكومة الطاغية. وقصة ذلك معروفة. وكان فراشة النار هذا مولعا بالغريب في اللغة، فلما تولى الوزارة، أراد أن يعود إلى الأسماء القديمة لأيام الأسبوع، فالجمعة هي عَرُوبة، والسبت شيار، والأحد أوّل، والاثنين أهْوَن، والثلاثاء جُبار والأربعاء دُبار والخميس مؤنس.فلما سمع الطاغية بذلك استدعاه وامتحنه امتحانا عسيرا، ثم نفاه بعد ذلك إلى جزيرة دهْلك، حيث وافته المنية بعد سنوات.
    ومن الوزراء النجدانيين الشيخ أبو حفص النهابيري، الملقب بإنسان العين، وكان يتولى وزارة الزحافات والعلل. وقد أطلق عليه الطاغية ُ هذا اللقب، بعد أن سأله مرة عن معنى قول تأبط شرّاً:
    سوى تحليل راحلة و عَيْرٍ = أغالبُهُ مخافة َ أنْ يَناما
    وكان جواب الشيخ أن المقصود بالعير هنا هو إنسان العين، وأن ممّا يَجري في التفسير هذا المجرى قول الحارث بن حلِّزَة:
    زَعَموا أنّ كلّ منْ ضربَ العيرَ موالٍ لنا و أنّا الولاءُ
    وإنما قصد الشاعر بكل من ضرب العير: كل من ضرب بجفن على عير. بَيد أن الطاغية لم يقبل منه ذلك. وقد خاطبه بقوله:
    - يا أبا حفص، سأقول لك ما قاله عمرو بن العلاء عن بيت الحارث بن حلزة: " ذهبَ و الله منْ كان يُحسنُ تفسيرَ هذا البيت."
    وبعد ذلك سكت صاحبُ نجدان قليلا ثم قال للشيخ:
    - كفى، انصرف الآن يا... إنسان العين.
    قال مؤلف ( الفتق):
    فلزمه اللقب من ذلك الحين.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..