نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عثمان يوسف خليل - لحن المساء

  1. المار بشارع النيل بامدرمان سيشاهد لافتة كبيرة مكتوب عليها (دار اتحاد الفنانين)، والتي تقع بحي الملازمين ذلك الحي الزاهر الذي يحتضن تاريخ وحاضر هذه البقعة.
    وتعتبر تلك الدار في حقيقة الامر المتنفس الوحيد لأهل الغناء والموسيقيين والبيت الذي يجدون فيه الراحة حتى ان بعضهم يتواجد فيه اكثر من تواجده ببيته، خاصة جاد كريم متعهد الحفلات ذلك الرجل الشهير على مستوى كل امدرمان. وقد اشتهر باسم (فارغات) فبجانب عمله ذلك فقد تخصص في معرفة اخبار الناس حتي ان بعض زوجات المشاهير عقدن معه تحالفاً حتى يخبرهن بتحركات الجماعة ومن قابلوا، ومن منهن التي عينها (طايرة) ووضعت زوجها في بالها وايضاً العدادات وغيرها وغيرها.
    ولذلك فيعمل له صغار الفنانين الف حساب نسبة لانه ذو علاقات اجتماعية واسعة وهو الذي يوزع على هؤلاء الفنانين عقود الحفلات ويدفع له بعض المغمورين من مدعي الغناء بعض الاتاوات حتى يساعدهم ببعض العدادات او ان يحشرهم في بعض السهرات او القعدات التي تقام هنا وهناك وكذلك المناسبات الاجتماعية كالسمايات والختان والرحلات..
    في مساء احد ايام الاسبوع في ومدينة امدرمان، تلك المدينة المكتنزة بالسكان متعدّدي السحنات والنيل والاشجارالتي تحفها من الجانب الغربي والسيارات، ومع كل ذلك فقد كانت في غاية الهدوء الا من أصوات آلالات الموسيقى التي كان يتردد صداها على النيل، توقفت فجأة عربة فارهة بالقرب من البوابة الرئيسة لدار اتحاد الفنانين العريق والمواجه لشارع النيل، وترجل منها رجل كبير في السن كان يلبس بنطالا كاكي اللون وقميصاً ابيضاً ويلف رأسه بعمامة.
    ذلك الرجل النحيف والذي ظهرت على جبهته السمراء خطوط سبعين عاماً او تزيد، ومع سنينه المديدة اسرار ان حطت على جبل لهدته ولذلك السبب فقد أئتمنته تلك الاسرة المشهورة وحافظ هو على العهد. ولم تكن له أسرة يعرفها او اهل غير تلك الاسره التي عمل عندها منذ ان كان شاباً يافعاً، فقد عمل مع عميد الاسرة الدكتور سامي ابو النجا والذي خصص له غرفة خاصة عند مدخل بيته العتيق والذي صمم على الطراز الايطالي..
    ولامانته أحبته هذه الاسرة حباً متوارثاً وقد احبهم هو لانهم أصبحوا أهله حيث لا اهل له ولا أقارب..
    ترجل عم احمد- وهكذا يناديه الكل حتى الدكتور عبدالوهاب الأنصاري- عند دخول عم احمد سأل عن الفنان الذهبي وعندما دلوه عليه دس في يده ظرفا منمقا وذهب دون ان يقول كلمة غير السلام ..لم يندهش ابو الدهب، كما يناديه معجبوه وأصدقاؤه فقد اعتاد على مظاريف الغرام والمناديل المطرزة لكنه لاحظ ان هذا الظرف بالذات غير كل الظروف التي تصله ولكن رغم ذلك وضعه في جيبه وانشغل ببروفاته فهو مرتبط بحفل زواج لأسرة عريقة بامدرمان، وهو يعلم تماماً مزاج اهل امدرمان عند التطريب فهم الذين اكتشفوه ووقفوا معه منذ بداية عهده بالغناء حين كان يقلد فناني الحقيبة حتى سمعه الشاعر الواسع الصيت واحد أباء الاغنية الرومانسية، مصطفى الخياط ويجمعهما أنهما أبناء حي واحد وجيرة، وأعجب به وبدأ يكتب له عدداً من الاغنيات العاطفية ويضع لبعضها الألحان بنفسه وقدمه لمجموعته التي كانت تلتقي في بيته كل نهار جمعة وفيها العديد من الشعراء والنقاد والمهتمين بالفن والأدب وبعض من علية اهل امدرمان، وبعد ان اشتد عوده قدمه للإذاعة وهذه الحفلة بالذات تهمه جدا..

    تعبت ياقلبي وانهكك العذاب
    ضمرت وانا حائر بلا جواب
    يا وجع قلبي من تلك الهضاب
    يا ويح روحي من سود السحاب
    قصصت دربك وطرقت كل باب
    وعادت خطاي تتبعها السراب

    بعد ان انتهى من البروفات، تذكر ابو الدهب ذلك المظروف القابع في جيبه وحينما قام بفتحه وجد فيه قصيدة ولكنه تفاجأ ان هذه القصيدة بدون عنوان وبدون توقيع عليها والمدهش انه لحنها بنفسه في ذات الليله لتكون اول وآخر عمل يقوم بتلحينه وطلب من صديقه الشاعر المعروف صلاح الرشيد ان يتبنى هذه الاغنية حتى يتمكن من تسجيلها للإذاعة، والتي كانت لا تقبل اي اغنية مجهولة الشاعر، والذي اشتهر بشعره الرومانسي، والى هذا اليوم لم يعرف احد من هو صاحب هذه الاغنية الحقيقي وقصتها، حتى الذين كتبوا عنها يشيرون الي ان شاعرها هو الاستاذ صلاح الرشيد..
    اثارت الاغنية ضجة على كل المستويات وفازت بالجائزة الاولى عند تقديمها على خشبة المسرح القومي الذي يقيم حفلاً شهرياً ويتبارى فيه كبار الفنان بالجديد من أعمالهم..
    ابدع ابو الدهب في تلك الليلة التي دعاه لها من احد وجهاء مجتمع الخرطوم والذي اتصل به شخصياً..وكان في كامل أناقته ونشاطه على غير عادته كيف لا وهذه الحفلة تميزت بانها محضورة بعدد كبير من صفوة مجتمع العاصمة وستكتب عنها الصحف..
    كانت (س) اجمل الجميلات في الليلة المحضورة وأكثرهن شياكة وقد اختارت لنفسها مكاناً خاصاً تتابع منه فنانها المفضل رغم ان كل أفراد عائلتها كانت تتحلق حول طاولة واحدة الا هي فقد كانت تنتظر حدثاً مهماً لا يعرف سره الاّ هي وعم احمد السائق وظل قلبها يتحرق شوقاً لسماع اغنية (يا وحي روحي) وطال الانتظار حتى انفضت الحفلة وعادت لبيتها وهي مكسورة الجناح تندب حظها العاثر..

    عثمان يوسف خليل
    مايو 2017
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..