نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

زياد بوزيان - المُجندل

  1. وُلد المُجندل في الشهر الذي قُتل فيه أنور السادات ، لذا أسماه والده باسم قاتل السادات خالد الاسلامبولي ، ووالده هذا هو أحد قدماء حرْكة[1] حرب التحرير الجزائرية الذين يكرهون " النظام" وأجهزة الدولة ومؤسساتها ويحملونها مسئولية تفشي مظاهر "الحقرة" وعدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية وهو بالضرورة يمقت أشد المقت من يُطلق عليهم اسم " ذوي الحقوق" أو "قدماء المجاهدين".

    فرّ المُجندل من الخدمة الوطنية في الشهر الذي وصل فيه الرئيس للحكم ، وكان أهمل دراسته بسبب إهتمامه الشديد بالارهابيين الذين كانوا يحاربون الجزائريين باسم الإسلام طيلة التسعينيات، فهو كان قاب قوسين أو أدنى من الانضمام إليهم لولا صغر سنه. في سن الخامسة وعشرين يتزوج و يُقرر أن يبحث عن عمل مناسب له لذا إتفق مع مجموعة من رفقته المفضلة أن يلتحقوا بالعراق للجهاد في سبيل الله ، حيث كان معجب بتنظيمين جهاديين يقال لأحدهما "قاعدة الجهاد الإسلامي" و للآخر "داعش". وبعد مضي شهرين عن تواجده في العراق يسمح له التنظيم بالعودة لبلده لأنه وحيد والده طريح فراش المرض ولم تكن أجهزة الأمن قد اكتشفت أمره بعد، وبدأ في العمل المتقطع عند أغنياء البلدة ووجهائها ، مرة حانوتي مرة عامل مرش ومرة عجّان ، دون أن يفكر في دخول التكوين المهني الذي يخوله حرفة قارة ، كونه يحمل مستوى الثالثة ثانوي وفي أثناء ذلك زوج أخته الوحيدة ، وبعد أن انطلقت أحداث الربيع العربي ألهمته كثيرا وكادت أن تطير بعقله فقرر أن يعبُر الحدود الليبية ويحقق حلمه بالانضمام لداعش رفقة تنظيم مسجدي متطوع أنذاك ، فاستودع أمه عند أخته وطلّق زوجته دون سبب وجيه عدا أنها تطل على الجيران وتحاكيهم وأغلق بيته بإحكام وأنطلق.

    وعلى الحدود تكتشفهم الشرطة مجردين من الأسلحة ويعتقلون ويُدانون بالتآمر والخيانة ويساقون إلى الحبس الاحتياطي دون محاكمة قرب مدينة برج منايل ، لكن ينجح لوحده في الفرار بأعجوبة بتواطئ أحد رفقاء الدراسة ، وبينما هو في حالة فرار لم يجد من سبيل غير الاتصال بأرقام المكالمات التي كانت تأتيه من داعش ولعله قد سولت له نفسه الالتحاق بغابات أوأنه أٌخبر من قبلها بالتحول الى غابات سيدي علي بوناب في تيزي وزو قرب ذراع الميزان مشياﹰ على الأقدام ، وهو ما حصل بعد أيام من المجالدة والمبيت في العراء تمكن وهو الذي يحوز مبلغاﹰ معتبرا من المال من تمويه الأهالي ، بحلق لحيته ولحسن الحظ أن الفصل كان فصل صيف و الطرقات تعج بباعة الفواكه والخبز التقليدي وبعد مجاهدة وضنك أيام أُخر إلتقى ﺑ "مجاهد أمازيغي" يرعى غير بعيد عن مداشر تابعة لدائرة ذراع الميزان ؛ خلية نائمة ولا من درى ولا من علم بخبره ، حتى إرهابيوا جبال سيدي بوناب أنفسهم فأخبره بموقع "مجموعة مسلحة مجاهدة" في جبل من جبال غابات تيزوزو الكثيفة إعتقد أنها مازلت نشطة فيه.

    بعد أن وصل إلى المكان المُبتغى إنتظر قدوم الليل ثم أشعل النار وسار بشهاب نار في الغابة حتى رصدته أعين المجموعة المسلحة وأصبح بين ليلة وضحاها عضوا محبوباﹰ و مقرباﹰ من أمير الجماعة المكونة من ستة مسلحين وامرأة هي زوجة الأمير، ولأن هذا الأخير كان غير مرتاح من وفاء عضو من أعضاء مجموعته و الذي كان مكلفا بجلب الحطب والمياه والمعونة ومساعدة زوجته المكلفة بطهي الطعام للمجموعة. فقرر أن يرسله إلى مجموعة إرهابية سبق لها أن أعربت عن حاجتها لمتطوعين وبدأت المجموعة المسلحة في تقسيم العمل والنشاط المتسم بالحذر على تلك السفوح الغابية الشاسعة: زوجة طاهية و فوجين ، كل فوج بثلاث عناصر؛ المُجندل ينتمي لفوج الأمير كونه متعلم عكس البقيّة الأمية فُأوكَل إليه مهمة مساعدة زوجته المنقبة بنقاب أسود، لا تطل منه إلاّ عبر شريط ضيق، وترتدي القفازات عند الاجتماع بهم ، تطهو بمطبخ عبارة عن غرفة دهليز معزول جانب المغارة الرئيسية الممتدة بين جبال صخرية مُشجَوجَرة في أعالي غابات سيدي علي بوناب.

    مرت الأيام على ما يرام حتى الوقت الذي لاحظ فيه الأمير أن "أبو القاسم" الاسم الذي أختير للمجندل يُبكر في اللحاق بالمطبخ بعض الوقت ولم ينهاه ولم يشكك في محاولة خيانته قط ، أولاﹰ لأنه قد أخبر من لدنه أنه متزوج وثانيا لأن الأمير نفسه توجه خلسة مرة من المرات نحوهما متصنتاﹰ من وراء الباب فسمعهما يتحدثان في أمور دينية راقت له كثيرا ، حيث كان أبو القاسم يتلو عليها أحاديثا نبوية بتفاسيرها، فإلتفت إلى مشاغله واثقاﹰ من وفاء صاحبه.

    بيد أن الأمور تطورت على غير ما كان يُتصوّر بين زوجته تلك التي كان يناديها آمة الله. حيث ما فتأت آمة الله أن طلبت من أبو القاسم منادتها بالاسم الذي يناديها بها زوجها الأمير وهما مختليان أي عائشة! وبعد أن نادها مرة أو مرتين بذلك الاسم فوجئ بها ترفع النقاب عن وجها فيصعق المجندل من جمالها ، بل يسحر ويفتن ، ولم يمتلك نفسه من حينها إذ أخذ يغرق في ذكريات مطلقته حور العين كل ماراءها ، فكان ما كان من إلتهاب جذوة العشق وحمي وطيس الصبابة الجياشة للمجندل بخاصة عندما تناديه و يناولها الخشب والمياه وأدوات كان يلمس يديها وكتفها بشهوة ، ومضى الإعجاب المتبادل بينهما درجة غير متوقعة بعد أن غسلت ثوبه يوما ورسمت فيه رسوما جنسية ، فتقاربا وتواعدا للزنا ، واكتشف الأمير ذلك الفعل بعد شهور عدة صُدفةﹰ فأمر بإقامة القصاص قرب باب الكهف أو في غرفة الطهي.

    وافقت المجموعة على ضرب أبو القاسم قرب باب الكهف ضربة رجل واحد بالسواطير والفؤوس ثم تعليق جثته المجندلة بشجرة قريبة حتى يصبح عبرة لمن يعتدى على حدود الله ويخون الأمانة. وبعد أيام عزموا على دفن الجثة غير أن الأمير إهتدى إلى طريقة رأى أنها هي الأفضل لأنها ستثير الرعب في نفوس أعداء الله وتُجبنُهم وتضعف عزمهم ، وهي تثبيت الجثة المُجندلة على ظهر حمار مُسن ثم الذهاب بها إلى منتهى الغابة وتوجيهها إلى الطريق ليجدها المارة وتصل أخيرا إلى قوات الأمن الرابضة حول أطراف مدينة برج منايل ، غير أن الحمار يبدو أنه تقهقر وزاغ عن الطريق ، بمُجرد أن تُرك ، آخذاﹰ مسلكاﹰ آخر يكون قد تعود عليه هو الجبانة أين دفن سيدُّه الحرْكي والد الجثة المجندلة فوق ظهره ، وبعد أيام سمع الناس بقصة المُجندل فدهشوا لأمانة الحمار و وفائه وخيانة الإنسان وغدره.


    [1] - الحرْكة : الجزائريين الذين وقفوا إلى جانب فرنسا في حرب الجزائر 1954-1962

    عن الكاتب

    صحفي وناقد أكاديمي ومترجم من الجزائر.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..