نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

زهرة القاضي - أنتِ الميلاد..

  1. أمّي ..
    أنْجبتنِي مرّتينِ..
    مرّة فِي غسقِ اللّيلِ..
    مرّة فِي وضحِ النّهار..
    و حينَ سُئلَ أبِي عنْ موعدِ الولادةِ..
    أعادنِي إلَى جوفِ أمّي..

    أبِي بدوِيّ..
    إغتَصبَ قريته فأنجبَ ستّ ذكورٍ..
    لمْ اكنْ ذكرا،
    فبَحثتُ عنْ قرْيةٍ عذراءَ لمْ يعرِفها أَبِي..
    و لمْ أجدْ ..
    لمّا عدتُ إلى قريةِ أبِي..
    وجدتُ زهرةً قدْ اينعتْ وُريقاتُها..
    و لمّا سألتُه عنْها..
    إقتلعهَا.

    رجعْتْ بأوراقِ الزّهرةِ إلى أمّي..
    فرتقتْها كمَا ترتقُ قميصَ نومِ أبِي..
    و زَرعتهَا بِقلبِهَا مرّتينِ..
    مرّة في غسقِ اللّيلِ ..
    و مرّة في وضحِ النّهار..

    امّا انا عمْشاءُ تتَعثّر بعتباتِ النّسيان
    يُملأ قلْبُ أمّي بالذّكرياتِ ..
    فتضع وشاحهَا الأبيضَ المرَصّع..
    و تقبّلني مرّتين..
    مرّة في غسق اللّيل..
    و مرّة في وضح النّهار..

    أبِي بدَويّ،
    صفعَني لمّا سألتهُ عنْ يومِ ميلادي..
    لا يومَ لكِ، كلّ الأيّامِ لنا..
    جلستُ على العتبةِ ..
    أنتَظرُ..
    موعدَ ميلادي الذي لا يأتِي..
    و أنَا عمشاءُ لا أعرفُ
    ليلًا منْ نهارٍ..
    فتوسّدتُ جوفَ أمّي منْ جديد..
    إنّكِ الميلاد..

    و أنا فِي الطّريقِ..
    احمل نطفةَ عمرٍ إليكَ..
    أقولُ للسّائق ..
    على مهلٍ...
    فانا لا أحملُ عمُري..
    و لمّا انزلنِي..
    بحثتُ عنكَ بينَ تلابيبِ الحَبِيِّ،
    و انتَ تبحثُ عنّي..
    زرعتُ بقلبِك نُطفتينِ
    واحدةً فِي غسقِ الليل ..
    و واحدةً فِي وضحِ النّهارِ ..

    أبِي بدَويّ،
    علّمنِي المشْيَ و أَنا لا أنْطق..
    حينَ صرختُ
    صرخةً بَكماءَ..
    صفعنِي..
    لمْ أُنجبكِ ذكَرًا..

    حِكتُ كوابيسَ كثيرهْ..
    أهديتُها كلّها..
    لأبِي ..
    يُفتحُ جُرحِي ..
    فترفؤُهُ أمّي..
    كمَا تفعلُ كلّ مرّه..
    أمّا انَا عمْشاءُ..
    أفْتَح الجُرح دونَ قصْد..
    و أقولُ ..
    منْ أنَا دونَ ألمْ..
    يصغرُ نَهداي..
    و ينفتحانِ عليّ..
    لمْ أكنْ ذَكرا..

    أمّي،
    زرعتْ بالضّيعةِ زهْرتينِ..
    زهرةً في غسقِ اللّيلْ..
    و زَهرةً في وضحِ النّهار..
    سقتْهُما منْ قلبٍ هزيلٍ،
    فإقْتلعَهُما إخوتِي الذّكور
    لِأتوسّد جوفَ أمّي من جديد..

    أبِي بدَوِيّ،
    و حينَ أتَى الشّتاء،
    ألقَى كومَ حطبٍ مكانَ الزّهرتينِ..
    يكْفِيكِ لشتائكِ الذي لا ينْتَهِي..

    أبِي بدَويّ،
    فِي الصّباحْ،
    نأكلُ تِينا و زَيْتا،
    زيتونَتُنا لمْ تُثْمِرْ،
    فعصَرنِي أبِي،
    لأكونَ زيتًا لَهم..
    لمْ أكن ذكَرًا..

    أمّي،
    تَعجنُ الخبزَ صباحا،
    ثمّ،
    لاَ تجدُ الزّيت
    فتجنِي قلبَها الهزيلْ..

    مُعلّقةً بأسفلِ الأقدام،
    أقلّب الذّكريات،
    و أنشرُ على حِبالِ النّدمْ،
    ذِكراكْ..
    لكَ،
    الرّوايةُ تحتاجُ إلى
    بطلْ،
    و أنَا أكتبُ لكَ،
    سذاجةً كشِتائِي..
    لا تنْتَهي..

    في الظّهيرة،
    أجثُو على رُكبتيّ،
    أرصدُ نجْما ساهٍيا،
    حينَ سهوتُ عنكَ ،
    عاتَبنا الفُراق..

    أبِي بدويّ،
    أحمِلُ الماءَ عَلى كتِفي،
    لمّا نشحَ البئْرُ،
    تيمّمَ أَبي بِي،
    ليُصلّي..

    و أقْشَعُنِي فيك،
    كَما تُقشعُ آلامِي،
    في ليلةٍ سَمراء،
    فُضّ غِشاءُها،
    و إنبَلتْ..

    أمّي،
    تسْبِقُ الصّبْح،
    تُحضرُ مِعزةً عَاقِرًا،
    تأتِي بِها إلى أبِي،
    فِتُنْجِبَ مرّتينِ..
    مرّة فِي غسقِ اللّيل..
    و مرّة فِي وضحِ النّهار..

    أبِي بَدوِيّ،
    تغْزلُ لهُ أمّي
    قلبَهُ كلّ ليلة،
    كمَا تغزلُ صوفَ
    معزَتِتا العاقِر..

    و أَنا
    أنْبشُ الارض،
    َ و لمّا نثرَها أبِي حَبًّا،
    شرِبَتنِي..
    و هوَ،
    يَحرثُ الأرضَ،
    بقلبِه العارقِ،
    ليسقِي
    قلبَ أمّي الهزيل،
    و تثمِر زيتونَتُنا.

    أمّي،
    أحبُو إلَيها،
    بساقٍ واحدةٍ،
    بتِرتُ دونَ قصد
    حينَ رَبطتنِي أمّي
    بقاعِ الأرض،
    و رَحلتْ ..

    و أنزَوِي،
    كأُرجوانةٍ تُغمسُ في النّبيذ
    وأسكبُ كوبيْن من ريقِكَ الطّريّ،
    و أسألُ نفْسي،
    متى ميلاد
    الأرجوانَة..

    أبِي بدوِيّ،
    يجعلُ منْ بكارةِ
    أمّي
    غِشاءَ أرضٍ بُور..
    و يزرعَ بِها،
    وُريقات زهرتينِ
    مُرتّقتيْن..

    أمّي،
    بلا غِشاء،
    تدوسُ على الأرض،
    لتُنجبَ
    توأمي الذكَر،
    لمْ أُخْلقْ ذَكرا ..

    و أُنسى..
    في غُمرة
    كومِ حطب،
    يُحرقَ نهداي
    و أتوسّد
    جوفَ قرية
    إغتَصبها أبي..
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..