نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

سيد قطب - خان الخليلي.. (قصة مصرية) تأليف الأستاذ نجيب محفوظ

نشر: نقوس المهدي · ‏12/7/18 ·
  1. هذه هي القصة الثالثة للمؤلف الشاب، سبقتها قصة (رادويس) وقصة (كفاح طيبة) وكلتاهما قصتان معجبتان مستلهمتان من التاريخ المصري القديم.

    ولكن هذه القصة الثالثة هي التي تستحق أن تفرد لها صفحة خاصة في سجل الأدب المصري الحديث، فهي منتزعة من صميم البيئة المصرية في العصر الحاضر؛ وهي ترسم في صدق ودقة. وفي بساطة وعمق، صورة حية لفترة من فترات التاريخ المعاصر، فترة الحرب الأخيرة، بغاراتها ومخاوفها، وبأفكارها وملابساتها؛ ولا ينقص من دقة هذه الصورة وعمقها أنها جاءت في القصة إطاراً لحوادثها الرئيسية، وبيئة عاشت القصة فيها. ولكن هذا كله ليس هو الذي يقتضي الناقد أن يفرد لهذه القصة صفحة متميزة في كتاب الأدب المصري الحديث. . .

    إنما تستحق هذه الصفحة، لأنها تسجل خطوة حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي واضح السمات متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية - مع انتفاعه بها - نستطيع أن نقدمه - مع قوميته الخاصة - على المائدة العالمية، فلا يندغم فيها، ولا يفقد طابعه الإنساني العام، ويساير نظائر في الأدب الأخرى.

    وهذه الظاهرة حديثة العهد في الأدب المصري المعاصر لم تبرز وتتضح إلا في أعمال قليلة من بين الكثرة الغالبة لأعمال الأدباء المصريين. وهي في هذه القصة أشد بروزاً واكثر وضوحاً فمن واجب النقد إذن أن يسجل هذه الخطوة ويزكيها.

    وبعد، فقد كنت أود أن أضع أمام القارئ ملخصاً للقصة يعينه على تتبع السمات الفنية فيها، ويشركه معي في تحليل هذه السمات. ولكن القصة بالذات من الأعمال الفنية التي لا سبيل إلى تلخيصها، وحين تلخص تبدو هيكلا عظيماً خالياً من الملامح والقسمات التي تح الشخصية، وتبرز مواضع الجمال والقبح فيها. . . فلا مفر من إذن من الحديث العام عن القصة دون الدخول في التفصيلات إلا بمقدار.

    ليس في القصة كلها صخب ولا بريق. . إنها خلو من الالتماعات الذهنية والأفكار الكبيرة. وليس فيها (لافتة) واحدة من اللافتات التي تستوقف النظر. ومحيطها ذاته محيط عادي. وأحداثها وحوادثها مما يقع كل يوم في أوساطنا المصرية العادية. اللهم إلا تلك الغارات الجوية التي روعت بعض المدن في زمن الحرب والتي روعت أسرة (أحمد أفندي عاكف) فأزعجتها عن حي السكاكيني الذي استوطنته زمناً طويلا، إلى الحي الحسيني وخان الخليلي، لتكون في منجاة من الغارات، في حمى ابن بنت رسول الله!

    ولقد كان (أحمد عاكف) وهو يحمل عبء الأسرة بمرتبه الصغير، إذ هو موظف بالبكالوريوس في قلم المحفوظات بوزارة الأشغال، كان قد أغلق وطوى أحلامه. . . لم يفكر في الزواج ولم يعد يطمح إلى الحب، أو إلى الشهادة العالية. لقد وقفت أمامه العراقيل العائلية والمادية والعلمية، فانطوى على نفسه واستراح إلى اليأس بعد الفشل المكرور؛ وقد ترك هذا الفشل في نفسه مرارة لا تمحى، ولون شخصيته تلويناً معيناً، ودس فيها عيوباً شتى. ولكنه وقد عجز عن الطموح جعل العزوف عن المطامح سلوته، والترفع عن الوسط طابعه وآوى إلى مكتبته وكتبه، وهي مثله تمثل جيلا مضى، وتعرض مباحث قديمة لا صلة بالحاضر وما فيه، فزاده هذا بعداً عن الجيل، وإيغالاً في التاريخ!

    وحينما انتهى من تعليم أخيه الصغير تعليما عالياً كان قد ناهز الأربعين. كان قد شاخ، فأحسن أن الأوان قد فات، وسار في طريقه يقطع الحياة كالأجير المسخر، والتخوف والمحذر من كل خطوة إيجابية، فهو يعيش في داخل نفسه عاجزاً عن تحقيق تصوراته وتجسيم خيالاته.

    ولكن القدر الساخر لا يدع الناس يستريحون - ولو راحة اليأس المريرة - إنه يطلع على هذا الكهل - كما يسميه المؤلف - بوجه جميل يلوح له في النافذة المقابلة. إنه وجه فتاة صغيرة لا تزال طالبة بالمدرسة. وإنها تصلح أن تكون ابنته. . . ولكن هذا الوجه يبسم له، فيثير في نفسه كوامن المشاعر النائمة، على حين يدركه حذره وتردده، وخجله من فارق السن السحيق.

    وتمضي الأيام في شغل معقد مقيم بهذا الحادث الجديد الذي يهز كيانه الضعيف هزاً عنيفاً متواصلاً بين الإقدام والإحجام ويبدع المؤلف في تصوير شتى النوازع والاتجاهات في هذه النفس المعقد. وفي نفس الفتاة الصغير تلك الأنثى المهيأة لحياة البنت والزواج.

    وفي اللحظة التي يكاد يقدم فيها على الخطوة الحاسمة في حياته وقد تندى قلبه الجاف، وترعرعت البذور المطمورة في أعماقه تحت أكداس اليأس والفشل والتردد. . . في هذه اللحظة الحاسمة يسخر القدر سخريته العابثة فيطلع له في الميدان منافساً قويا لا يملك منافسته، بل لا يملك حتى أن يشفي نفسه منه بالحقد عليه! إنه أخوه وربيبه (رشدي عاكف). لقد نقل في هذا الوقت من فرع بنك مصر في أسيوط إلى المركز الرئيسي بالقاهرة. وإنه لا يعلم من أمر أخيه الكبير شيئاً وإنه شاب جسور مغامر بل مستهتر، حاد العاطفة لا يعرف التردد ولا الحذر. . . وإنه الوجه المقابل لصورة أخيه.

    وفي اليوم الأول يلمح الوجه الجميل فيستهويه. عندئذ يسلك إلى قلب الفتاة طريقه المباشر في غير ما حذر ولا تردد، ويقطع الطريق الطويل الذي أنفق ويصبح أخوه في قطعه أشهراً. . . في يوم أو يومين. فيتصل ويصبح حبيباً ومحبوباً، وفرداً من أسرة الفتاة. . .! وأخوه يتطلع إلى هذا الانقلاب في دهشة بالغة وفي ألم كسير وفي يأس مرير، وفي إعجاب كذلك بأخيه الجسور!!!!

    ويقضي الشاب مع فتاته أويقات حلوة، يسكران فيها بكأس الحب الروية، ويقطفان معا أجمل زهرات الحب الجميلة. . . وذلك ريثما يضرب القدر ضربته الأخيرة، فيمرض الشاب المغامر بالسل نتيجة لإفراطه بالشراب والسهر والمقامرة مع رفاق حي السكاكيني. ولكنه يمضي في استهتاره ثقة بشبابه، وخشية أن يعلم الناس بمرضه، وأن تعلم من الناس خاصة هذه الفتاة!

    وفي اللحظة التي يلمس الحب الحقيقي قلبه العابث، فيملؤه جدا، ويتوجه إلى اتخاذ خطوة عملية حاسمة تكون الأقدار، قد ضربت ضربتها الأخيرة فيستشري الداء في الصدر المسلول، ويذهب الشاب بعد ليلات مريرة من الضنى والعذاب، وبعد أن تبين أن فتاته الحبيبة تخشى منه العدوى فلا تراه!

    ثم تغادر الأسرة الحي في النهاية. . . تغادره وقد فقدت الشاب الصبوح الفتى الجريء. وقد انطوى قلب عاكف على جرح جديد بل على جرحين في جرح. والأقدار تسخر سخريتها الدائبة. ودورة الفلك تمضي إلى مداها. كأن لم يكن قط جرح ولا جريح!!!

    حياة هذه الأسرة وجروحها وإحداثها وأحاديثها هي محور القصة، وقد أدار المؤلف حول هذا المحور حياة أهل القاهرة في هذه الفترة من فترات الهول أيام الغارات، فعرض منها لوحات بسيطة صادقة تشبه في بساطتها وصدقها فطرة هذا الشعب الطيب الفكه المؤمن المستسلم للقدر، والمتأثر بشتى الخرافات والدعايات ومن بين الصور التي عرضها صورة مقاهي خان الخليلي وغزه) أيضاً. وقد حوت أشكالاً وشخصيات لم تكن لتجتمع إلا في مثل هذا الحي الغريب حقاً؛ كما رسم الصورة مقاهي السكاكيني و (شلل) الشبان فيه! وسجل أطوار المقامرين ومجالسهم رسماً قوياً في جو من الجد والدعاية!

    ولقد كان هذا الإطار من مكملات الصورة الأصلية كما كانت الريشة في يد المؤلف هادئة وئيدة، فوفق في إبراز الملامح والقسمات الجزئية، وساير الحياة مسايرة طبيعية بسيطة عميقة، منتفعاً إلى جانب مهارته الفنية بمباحث التحليل النفسي، ودون أن يطغي تأثره بها على حاسته الفنية الأصلية. وعاشت في القصة عدة شخصيات من خلق المؤلف لا تقل أصالة عن نظائرها في الحياة!

    ولكن ليست المهارة الفنية في التسلسل القصصي، والبراعة الصادقة في رسم الشخصيات، والدقة التامة في تتبع الانفعالات. . . ليست هذه السمات وحدها هي التي تعطي القصة كل قيمتها. . . إن هناك عنصراً آخر هو الذي يخرج بالقصة من محيطها الضيق، محيط شخصياتها المعدودة، وحوادثها المحدودة في فترة من فترات الزمان، إلى محيط الإنسانية الواسع، ويصلها هناك بدورة الفلك وحلبة الأبد. . .

    إنك لتقرأ القصة ثم تطويها، لتفتح قصة الإنسانية الكبرى. . . قصة الإنسانية الضعيفة في قبضة القدر الجبار. قصة السخرية الدائبة التي تتناول الأقدار تلك الإنسانية المسكينة.

    هذه أسرة تفر من هول الغارات وخطر الموت من حي إلى حي. فما تغادر هذا الحي الآمن! إلا وقد أصابها الموت في أنضر زهرة وأقوم عود!

    وهذا رجل شاخ قلبه، وانطوى على نفسه، وآوى إلى يأس مرير ولكنه هادئ ساكن. فما يلبث القدر أن يثير في قلبه إعصاراً على غير أوان، ويزيح الركام عن البذور المطمورة في قلبه الهرم، ليعود فجأة فيقصف الأعواد التي تنبت في بطئ وحذر يقصفها في قسوة عابثة، وبيد أحب الناس إليه: شقيقه وربيبه! ولو قد أمهله بضعة أيام لانتهى إلى الواحة الممرعة بعد طول الجدب في الصحراء. ولو قد تقدم به أياما لأعفاه من إضافة تجربة فاشلة إلى تجاربه المريرة!

    وهذا شاب مستهتر عابث، ما يكاد الحب يقومه، ويعبث فيه الجد والمبالاة حتى يخطفه الموت، الذي لم يخطفه أيام العبث والاستهتار!

    والأرض تدور، الزمن يمضي، والناس يقطعون الطريق المجهول كأن لم يكن شيء مما كان: رفاق الشاب في قوتهم يقامرون ويعربدون، وأصحاب الرجل في (غرزتهم) يدخنون أو في قهوتهم يتندرون. والقدر الساخر من وراء الجميع لا يبدو عليه حتى مظهر الجد في سخريته المريرة. والمؤلف نفسه لا يكاد يلتفت إلى الدائرة الوسيعة التي تنتهي إليها قصته لأنه يلقى انتباهه كله إلى إدارة الحوادث ورسم الشخصيات!!!

    ولعل من الحق حين أتحدث عن قصة (خان الخليلي) أن أقول: إنها لم تنبت فجأة، فقد سبقتها قصة مماثلة، تصور حياة أسرة وتجعل حياة المجتمع في فترة حرب إطار للصورة. . . تلك هي قصة (عودة الروح) لتوفيق الحكيم.

    ولكن من الحق أيضاً أن أقرر أن الملامح المصرية الخالصة في (خان الخليلي) أوضح وأقوى، ففي (عودة الروح) ظلال فرنسية شتى. وألمع ما في عودة الروح هو الإلتماعات الذهنية والقضايا الفكرية بجانب استعراضاتها الواقعية؛ أما (خان الخليلي)؛ فأفضل ما فيها هو بساطة الحياة، وواقعية العرض، ودقة التحليل.

    وقد نجت (خان الخليلي) من الاستطرادات الطويلة في: (عودة الروح). فكل نقط الدائرة فيها مشدودة برباط وثيق إلى محورها.

    وكل رجائي ألا تكون هذه الكلمات مثيرة لغرور المؤلف الشاب، فما يزال أمامه الكثير لتركيز شخصيته والاهتداء إلى خصائصه، واتخاذ أسلوب فني معين توسم به أعماله، وطابع ذاتي خاص تعرف به طريقته، وفلسفته حياة ذلك تؤثر في اتجاهه.

    وبعض هذه الخصائص قد أخذ في البروز والوضوح في قصصه السابقة وفي هذه القصة؛ وهي الدقة والصبر في رسم الخوالج والمشاعر وتسجيل الانفعالات المتوالية، والبساطة والوضوح في رسم صورة لحياة أبطاله.

    والبقية تأتي إن شاء الله!

    سيد قطب


    مجلة الرسالة - العدد 650

    بتاريخ: 17 - 12 - 1945
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..