نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أسماء هاشم - أمي الأرملة

  1. منذ ربع قرن مات أبى فى عصر يوم كانت تقف فيه أمى أمام مرآة دولاب عرسها. تضفر شعرها الطويل اللامع، بالكحل ترسم عينيها، فتضحك نضارة وجهها المستدير، وسنتها الذهبية، تضحك حنة العرس فى يديها …

    فى لحظة خاطفة خبطت المرآة فانشرح الوجه الضاحك، وفى اليد أخلطت حنة العرس بدم الجرح.. وفى لحظة تالية شدت شعرها فانفكت الضفائر ودفنت لمعتها فى رماد الفرن… مفزوعة جرت وراء النعش الطائر فوق أكتاف الرجال ورمت نفسها فى القبر المجهز، وحين أزاحوها ودفنوه بالتراب زاد صراخها، وتخبطت بالجدران، وصدور المعزين.. وواصلت وضع التراب على رأسها وحين طلعت شمس يوم جديد كان الصراخ قد خلف فى صوتها بحة مجروحة وبدأت تسكن واستسلمت لنار تشتعل داخلها تحرقها فتطلق صرخة موجوعة كانت مكتومة تحفز العجائز الجالسات يواسينها. ينهنهن بتوجع ويعددن معها:

    كنت جلعانه وجاعى رااااااااح
    وصبحت يا جلعى بكا ونواااااح

    على عكس عادات قريتنا لم تخرج ملابسه فى اليوم الثالث بعد الوفاة لتغسلها النساء الباكيات وكانما ارادت أن تحتفظ بأنفاسه فى الدنيا.. بصرامة وعناد اغلقت ضلفة الدولاب على ملابسه.. فتحت الضلفة الاخرى واخرجت ملابس عرسها.. حريرية، وقطنية، ملونة، ومنقوشة، ومطرزة كومتها على الارض الترابية وكانت قد وضعت اناء كبير مملوء بالماء على النار.. وضعت مزيدا من الحطب تحت الماء وحين انفجرت المياه بغليان محموم رمت فيه حفنة من الصبغة السوداء. بسرعة انتشر اللون الأسود فى الماء، بدأت فى وضع ثيابها، قطعة، قطعة، ثوب وراء ثوب، قميص يتبعه قميص، وعلى النار المتأججة كان نسيج الملابس يتشرب اللون الأسود فتطمس الألوان، وتختفى النقوش….

    منذ ربع قرن كنت فى بطن امى أشرب دموعها واكتوى بنارها، وحين خرجت تفتحت عيونى على ملابسها الداخلية السوداء. رأيتها وقد أهملت زينتها فأصبح وجهها مرتعا لشعر كثيف ينمو فوق شفتها وتحت ذقنها، يزحف على الخدين، وعلى الساقين والذراعين. انكمشت ضفائرها إلى ضفيرتين قصيرتين خشنتين..

    خلال ربع قرن لم أرها تنام فى حوش البيت المكشوف على السماء حتى فى ليال الصيف الساخنة… بعد الغروب تبدأ طقوس مواجهة الليل الموحش. تغلق جميع الأبواب، وتترك أنوار البيت مضاءة. تنام إلى جوارى وبأدعية كثيرة متوسلة تستعين على الليل الطويييييييييل الموحش..

    أحيانا كنت أصحو على عراك قطط أو نباح كلاب فأجد عيونها مفتوحة على السقف، وأحيانا أجدها وقد فتحت الدولاب وأخرجت ملابسه التى اصفر لونها، كومتها وراحت تبكى، أو التفت ببعضها..

    قبيل الأعياد، فى المواسم نصف شعبان والسابع والعشرين من رجب وعاشوراء و… كانت تجهز كعك الزيارة. تسهر على خميرته طوال الليل، وقبيل أذان الفجر تعجنه باللبن والسمسم.. تخمره تحت وهج الشمس الحامية.. وتخبزه فى فرنها المتقد بجمر الحطب.. وهو خارج من النار الحامية تتحسس طراوته، وتشم رائحته، تختبر جودة صنعه، تعطينى واحدة

    – شوفى.
    – ساخنة أقضمها وأقول
    – حلو.. حلو.

    بسعادة امرأة أعدت لزوجها وجبه شهية يحبها تبتسم وهى تبدل موضع صوانى الكعك لتأخذ كل واحدة منها نصيبها من النار تحكى عن مهارتها فى الخبيز، وأعمال البيت التى يحبها الرجال..

    تحكى عن الجارات اللاتى يخترن اوقاتا غير مناسبة للزيارة، فى الصباح الباكر أو فى القيالة، وأحيانا كثيرة يطرقن الباب فى أوقات متأخرة من الليل. تؤكد أنهن يأتين ليبحثن عن رجل ربما تخبئه فى إحدى الغرف، وربما ليتأكدن أنها لم تترك بيتها. تؤكد أنهن يتشممنها بحثا عن رائحته فى مسامها. وحين يسقط منديل رأسها يدققن النظر أن كان شعرها مبلولا….

    لا يفوتها أن تذكرنى باليوم الذى تشققت فيه يديها فغطتها بعجيبة الحنة المخلوطة بمسحوق القرض المر لتلتئم الشروخ فاصطبغت يداها بلون الحنة القانى. راته الجارات فابتسمن وقلن بمكرهن المعهود:

    – شكلك عايزة لك عريس.

    تنظر لى نظرة ذات مغزى وتقول

    – إحنا بل ضل العين علينا..

    فأزداد انكماشا وتداخلا فى نفسى..

    فى يوم الزيارة تلبس التوب الأسود فوق الأخر الذى تريديه فى البيت، وفوق المنديل المربوط خلف رأسها تلف طرحة كبيرة ثم تغطى البدن “بالشقة”. تضم طرفيها أمام وجهها فلا يبين غير شق ضيق تتعرف من خلاله على الطريق.

    قبل أن نخرج تتأكد إن ملابسى طويلة بقدر مناسب وان وجهى يخلو من أى مظاهر للزينة، واننى خائفة بقدر يضمن لى السير بحذر شديد، فلا أتكلم أو اضحك بطريقة لا تليق ببنت يتيمة مثلى ترصد تحركانها جميع العيون…

    إلى جوارها أسير، ألوذ بظلها، وتلوذ هى بظلال الجدران الكثيفة. سويا نود لو نمشى فلا نترك أثرا لخطانا… فى الجبانة نشق طريقنا وسط أشواك العقول النابتة من عظام الموتى.. ممرات ضيقة بين القبور نتحرك خلالها. مع امتداد السنوات استطالت الممرات التى نسلكها، صار قبره بعيدا جدا أمام زحف قبور أخرى…

    وحين نصل إلى القبر تكون قد فقدت القدرة على حبس دموعها فتتركها تجرى على تراب القبر الذى تزيحه بيديها غير آبهة بالأشواك الصغيرة التى تنغرس فى يدها. أبكى وهى تعدد بصوت موجع:

    يا دود الأرض كل منه وخلى لى
    خلى دراع السبع يحمينى
    يا دود الارض كل منه وفضّل لى
    خلى دراع السبع يضمنى
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..