إيرين يوسف - صباح الثلاثاء ..

خمس ساعات بشوارع وسط البلد ثمة فرصة لاقتناص الحكايات، فلم أملك واحدة بعد .. حسنا، أملك بعض الحكايات، لكن إحداهن لم تكن يومًا حافلة بما يكفى من الإثارة، كي تسترعى انتباه أحفادى بعد خمسين عامًا من الآن، حينما أجلس كجدة عجوز تسرد الحكايات على مسامع الصغار، فى غياب آبائهم، تاركة لهم بعد موتى إرثا موزعا بالعدل على أذهانهم الصغيرة، كما تركت لى الست "فردوس نبيه" من ذكرياتها الساحرة ما ظل عالقا بذاكرتى للآن .. ظهر الثلاثاء خطاب: صغارى الذين لم أرهم بعد، تحية طيبة، مازلت أبحث لكم عن حكاية، حكاية تكسر قوانين الكون، وتسقط دستوره، وتهدد نظامه العقيم، كأن أرى أستاذى، الذى مات غاضبًا عليَّا ومنى، مائلا على "فرشة كُتب" على ناصية قصر النيل، وهو يُقلِّب بين يديه صفحات كتاب ويستقر قليلا على فهرسه، ويعود ليدور بعينيه حول عناوين الأغلفة الملونة الجديدة؛ فأحتضنه وأقبل يده عرفانا وندما وشكرا للسماء التى ردته ثانيًة ومنحتنى فرصة أخرى لتدارك الأخطاء، أو كأن أبتاع لجدتى شالا فى مستهل الشتاء؛ فتمد يدها من عليائها البعيدة جدا وتَقْبَلَهُ بخجلٍ قائلة: على إيه الغرامة؟ حكايةٌ تكون فيها الكلمة للموتى، إقرار بأنه لا موت للروح.. فأختم بها كلماتى للصغار، وأرددها مرارا: "لا موت للروح" لماذا تكون حكايات الموتى هى الأكثر إثارةً، والأشد إلحاحًا على العقل بالبوح؟ يقول "سيد الوكيل": "نحن نغفر للناس فقط بعد موتهم؛ لتبدأ السماء بالحساب". أفقت من كلمات "سيد الوكيل" على جرس الهاتف يخبرنى بموت "الفاجومي".. ـ "الفاجومي" مات يا "إيرين" .. مات! مساء الثلاثاء تتقدم عقارب الساعة برتابة، ترحل الشمس فى الموعد، يقترب حلم المخدع إلى الأجساد المتهالكة، يلتزم الكون ببرنامجه المُّعد سلفًا ببراعة .. الدقائق الأولى من صباح الأربعاء أحفادى الأعزاء، تحية طيبة لا موت للروح .. يقينا، لا موت للروح وسأجد الدليل يوما، إن لم يكن فى حياتى؛ فحتما فى موتى، عُذْرًا.. فى موت جسدى...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى