نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

إيمان مهيب - عندما تثق القطة

  1. ميااااو‮!!‬
    طااق‮ (‬صوت‮ ‬غلق الباب‮)‬
    لقد طردني هذا الأحمق‮ ! ‬لقد قام بتسريبي وأغلق الباب في وجهي‮ !!‬
    وكل هذا بسبب زوجته الحمقاء التي تخاف القطط‮ !!‬
    ويقولون القطط‮ ‬غدارة‮ !!‬
    أنتم الغدارون معشر البشر‮ !‬
    بهذه السهولة تركني عرضة لقطط الشوارع المتوحشة المسعورة التي تأكل من القمامة‮ !!‬
    أنا‮ !! ‬أنا،‮ ‬القطة المرفهة الجميلة المنحدرة من سلالة الماو الفرعونية النادرة سلالة الأصل والحسب والنسب،‮ ‬ينتهي بي الحال أن أكون قطة عادية من قطط الشوارع‮ !!‬
    آكل مثل ما‮ ‬يأكلون،‮ ‬أتصرف بوحشية وهمجية مثل ما‮ ‬يتصرفون وأنسي أكلي المجفف اللذيذ والحليب الدافيء أنا ؟‮!‬
    ألا‮ ‬يعلم هذا المنساق وراء زوجته أن كل من‮ ‬يراني‮ ‬يقع في حبي ويُفتن بلوني الرمادي الجميل الذي‮ ‬يدعو إلي الهيبة والوقار‮!‬
    والآن‮ .. ‬مطلوب مني أن أتحول إلي قطة تزحف البراغيث في شعرها‮ !!‬
    لا‮ ! ‬مستحيل‮ !‬
    لن استسلم،‮ ‬لن‮ ‬يتمكنوا من تحويلي إلي قطةٍ‮ ‬عاديةٍ‮ ‬أبداً‮ .‬
    سأستمر في اتباع قواعد سلالتي العريقة ولن أنجرف لأكون واحدة منهن أبداً‮ .‬
    أراهن أن جمعيات الرفق بالحيوان ستلمس ندرتي وتقوم بتبنيني في أقرب وقت‮.. ‬أنا واثقة‮ ..‬
    ولكني جائعة‮ !!‬
    يا إلهي ماذا سأفعل ؟‮! ‬وأين سأبيت ؟‮!‬
    ــ في الشااارع‮ ‬يا حلوة‮ !!‬
    قاطعني صوت قطة برتقالية مرقطة من قطط الشوارع والتي‮ ‬يطلق عليها‮ (‬قطة بلدي‮)‬،‮ ‬كان صوتها مزعجا ومرتفعا أشبه ما‮ ‬يكون بالعويل‮ !‬
    يبدو وكأنها لا تعلم بأصول اتيكيت القطط بالمرة‮ !‬
    حدثت نفسي وقلت‮: ‬أهلاً،‮ ‬لقد بدأنا‮ !!‬
    قوست ظهري استعداداً‮ ‬للهجوم وقلت لها بصلابة مصطنعة‮ : ‬
    ــ من أنت؟‮! ‬ماذا تريدين مني ؟‮!‬
    ردت القطة البرتقالية بتهكم‮ : ‬
    ــ أنا مين ؟‮! ‬أنا‮ (‬سوسكا‮) ‬يا ادلعدي‮ !! ‬انتي اللي مين ؟‮! ‬وإيه اللي جابك هنا في حتتنا ؟‮! ‬هوقطع عيش والسلام‮ !! ‬
    اتسعت عيناي في ذهول،‮ ‬وكأنني نزلت علي كوكبٍ‮ ‬آخر‮ !! ‬
    وقلت‮ : ‬
    ــ أنا‮ (‬سرابي‮) ‬فرعونية الأصل،‮ ‬اُقارن بكِ‮ ‬انتي من الأساس‮ !! ‬كما انني لا آكل العيش أصلاً‮ !! ‬
    اغربي عن وجهي ايتها الهمجية‮ !! ‬
    ــ اغرب عن وجهك ؟‮! ‬طيب تعالي هنا بقي‮ !!‬
    وهَمّتْ‮ (‬سوسكا‮) ‬بمهاجمتي‮ !! ‬
    ــ‮ (‬سوسكا‮) !! ‬اتركيها‮ !! ‬
    ساد الصوت الرخيم أرجاء المكان،‮ ‬وارتعشت‮ (‬سوسكا‮) ‬وتسمّرت مكانها،‮ ‬ألتفت لأري صاحب الصوت‮ .. ‬وإذا به قط أسود،‮ ‬وسيم،‮ ‬عريض الرأس،‮ ‬ذو أذن طويلة وذيل سميك‮ ..‬
    ابتعدت‮ (‬سوسكا‮) ‬عني وقالت في تزمّر‮:‬
    ــ أوامرك‮ ‬يا‮ (‬ايميت‮)‬،‮ ‬عشان خاطرك انت بس،‮ ‬إنما انتي هتروحي مني فين مسير الحي‮ ‬يتلاقي‮ !! ‬
    وقفزت مبتعدة‮ ..‬
    هممت بالرحيل،‮ ‬ولكن القط الاسود قفز أمامي ليمنعني من التقدم قائلاً‮ : ‬
    ــ انتظري‮ !! ‬
    ماذا تريد انت الآخر ؟‮! ‬
    ــ من أنت؟‮! ‬وماذا جاء بك إلي هنا ؟‮! ‬لا‮ ‬يبدو عليك آثار الطريق فأنت مختلفة و‮...‬
    قاطعته قائلة‮: ‬
    ــ‮ ‬طبعاً‮ ‬انا مختلفة،‮ ‬انا قطة بيت محترم لولا صاحب البيت المغفل الذي قام بطردي في الشارع لأسباب واهية‮!! ‬
    ــ‮ ‬اهدئي اهدئي،‮ ‬نحن القطط معرضون دوماً‮ ‬لمثل‮ ‬هذه الظروف،‮ ‬ولقد اصبح هذا واقعكي الآن وعليك ان تتقبليه‮ ..‬
    امممممم‮ !! ‬يبدو انني في حضرة قط مثقف‮ !! ‬اذهب ليس هذا ما‮ ‬ينقصني‮ !! ‬
    ــ اطمأني،‮ ‬انا هنا لمساعدتك،‮ ‬اعلم انني قط شارع مثلهم ولكنني مختلف‮ .. ‬
    وعليك ان تعلمي انني إذا ذهبت ستكونين عرضة للخطر‮ !!‬
    أظن انكِ‮ ‬قد تعرفت بـ‮ (‬سوسكا‮) !! ..‬
    ‮ ‬ــ أنا‮ (‬ايميت‮).. ‬
    قالها وقد ارتسمت علي وجهه ابتسامة فخر‮ ..‬
    نظرت إليه في صمت،‮ ‬لقد اقنعني حديثه قليلاً،‮ ‬ويبدو أنه مخرجي الوحيد‮ ..‬
    قطعت صمتي وقلت له‮ : ‬
    ــ حسناً‮ (‬ايميت‮) ‬لنري،‮ ‬أنا‮ (‬سرابي‮) .‬
    ــ أهلاً‮ ‬بكِ‮ ‬في عالمك الجديد‮ (‬سرابي‮).‬
    تدخل صوت بطني التي أعطت إشارة لقطط الأرض أنني أتضور جوعاً‮ !! ‬
    ابتسم‮ (‬ايميت‮) ‬وقال‮ : ‬
    ــ تبدين جائعة،‮ ‬تعالي معي،‮ ‬سأطعمك‮ .‬
    ــ اسمع‮ !! ‬لن آكل من القمامة‮ !! ‬علي جثتي‮. ‬
    ــ ومن قال ذلك،‮ ‬فقط سيري معي‮ .‬
    سرنا معاً‮ ‬قاصدين مكان الطعام الذي‮ ‬يعرفه‮ (‬ايميت‮)‬،‮ ‬نظرت إليه بفضول قططي معهود قائلة‮ : ‬
    وانت‮ (‬ايميت‮) ‬ما قصتك ؟ لا تبدو لي وكأنك قط شارع‮. ‬
    اومأ‮ (‬ايميت‮) ‬برأسه قائلاً‮ : ‬
    ــ هذا صحيح،‮ ‬فأنا ولدت في بيت كبير وجميل تحت رعاية أسرة طيبة وثرية،‮ ‬ولحسن حظي أنني كنت في كنف أبي وأمي ولم ننفصل‮ .. ‬وفي‮ ‬يوم لن أنساه،‮ ‬شب حريق ضحم في المنزل‮ !! ‬نجيت أنا وأصحاب المنزل بالكاد،‮ ‬أما أبي وأمي فقد ماتا أثر الحريق،‮ ‬هِمت علي وجهي ولم أكن أعلم أين سوف أذهب بعدها‮ .. ‬كنت صغيراً،‮ ‬فتعرفت علي مجموعة من قطط الشوارع وتربيت في كنفهم إلي أن كبرت‮.‬
    قلت بأسي‮ : ‬آسفة‮ (‬ايميت‮).‬
    ــ لا عليك،‮ ‬لقد أصبح ذلك من الماضي،‮ ‬أنا الآن معتمد علي نفسي،‮ ‬ولي شأن كبير وسط القطط كما رأيتِ‮.‬
    نظرت إليه بإعجاب وترددت بداخلي جملة‮ : ‬
    ‮(‬نعم رأيت وأظنني سأري‮).. ‬
    توقفنا كثيراً‮ ‬وبحثنا اكثر حتي وجدنا الطعام،‮ ‬أوشك صبري علي النفاد مراراً‮ ‬ولكن‮ (‬ايميت‮) ‬حثني علي التحلي بالصبر وتعلم سياسة النفس الطويل‮ .‬
    وجدنا الطعام أخيراً،‮ ‬وامتلأت بطوننا‮ .‬
    مرت الأيام علي هذه الحال،‮ ‬وتدبرنا أنا و(ايميت‮) ‬أمورنا في العيش والطعام أوبالأصح تدبر‮ (‬ايميت‮) ‬أمري‮ .‬
    كان‮ ‬يعتني بي ولا‮ ‬يتركني أبداً،‮ ‬علمني الكثير وظل بجانبي وكأنه ملاكي الحارس علمني كيف أتصدي لـ‮ (‬سوسكا‮) ‬تلك القطة التي تفتعل العراك مع ذباب وجهها،‮ ‬وأكشر عن أنيابي أمام القطط الأخري المتنمرة‮ .‬
    علمني كيف أقفز من الأماكن العالية،‮ ‬وبين أسطح المباني،‮ ‬حتي أنه علمني كيف أتوازن عند تسلق الجدران وكيف أكون سريعة البديهة‮ .‬
    قضينا أياماً‮ ‬ممتعة حقاً،‮ ‬حتي أنني قد نسيت مالكي القديم وما مررت به،‮ ‬وتمنيت لو أنني قابلت‮ (‬ايميت‮) ‬منذ وقت بعيد‮ ..‬
    كان هذا إحساسي دائماً‮ .. ‬أنني أعرفه منذ وقت بعيد‮ .‬
    حتي جاء هذا اليوم‮ !! ..‬
    ذهبت أنا و(ايميت‮) ‬إلي حديقة مجاورة بحثاً‮ ‬عن الطعام‮ ‬
    وجدنا طفلاً‮ ‬صغيراً‮ ‬وأمه‮ ‬يلعبان،‮ ‬وما إن رآنا الطفل الصغير حتي أعجب بنا كثيراً،‮ ‬وظل‮ ‬يلقي لنا بالطعام‮ .‬
    إلي أن سمعته‮ ‬يُلِحُ‮ ‬علي أمه قائلاً‮ : ‬
    ــ أمي،‮ ‬سآخد هذه القطة الرمادية معي إلي المنزل‮ !!‬
    ردت الأم بحزم قائلة‮ : ‬
    ــ مستحيل‮ !!‬،‮ ‬إنها قطة شوارع‮ ‬يا بني أخشي أن تصيبك بالأمراض،‮ ‬انظر إلي لونها الباهت‮ !! ‬كم هي قبيحة،‮ ‬لنذهب وسوف اشتري لك قطة أخري مُلقّحة‮ .‬
    وكعادة الأطفال في هذه السن‮: ‬
    ــ‮ ‬عااااااا لاااااا،‮ ‬أريد هذه القطة‮ !! ‬لن أذهب إلي المنزل من دون هذه القطة‮ !! ‬عاااااا‮ .‬
    نظرت إلي‮ (‬ايميت‮) ‬الذي شاهد ما حدث بترقب وكأنه‮ ‬يعلم ما سوف‮ ‬يحدث بعد ذلك،‮ ‬وقلت له‮ : ‬
    ــ أتظن أن هذه فرصتي كي أترك حياة الشوارع وأعود قطة منزل من جديد ؟‮! ‬
    أشاح‮ (‬ايميت‮) ‬بنظره بعيداً‮ ‬وقال باستسلام‮ : ‬
    ــ‮ ‬أظن ذلك‮ (‬سرابي‮)‬،‮ ‬فهذا ما كنت تتمنينه وتحدثينني طويلاً‮ ‬عنه‮.‬
    ــ ولكن هل سأتركك‮ (‬ايميت‮) ‬؟‮! ‬
    ــ ولم لا ؟‮! ‬كل ما أتمناه أن تكوني آمنة‮ .‬
    ــ ولكنني لا أريد أن أتركك‮ !!‬
    ــ‮ (‬سرابي‮) !! ‬اذهبي‮ !! ‬لن تتكرر هذه الفرصة مجدداً‮ ..‬ولكنني أود أن أخبرك‮ .. ‬بأنكِ‮ ‬حقاً‮ ‬مميزة‮ (‬سرابي‮)‬،‮ ‬وليس ذلك لأنك سليلة الماو الفرعونية ولا للونك النادر‮ .. ‬وإنما لأنك تملكين قلباً‮ ‬يحب أن‮ ‬يكسر كل القيود والقوانين،‮ ‬وعينان لامعتين‮ ‬ينضحان بالمغامرة‮ .. ‬كما أنك سريعة التعلم وذكية‮ (‬قالها بابتسامة واهنة‮).. ‬أنا احبك سرابي‮.. ‬
    وقع كلام‮ (‬ايميت‮) ‬عليَّ‮ ‬كالصاعقة‮ !! ‬لكم تمنيت أن أجد القط الذي‮ ‬يري جانبي اللامع الذي لم‮ ‬يره باقي القطط الحمقي المرفهة في بيوت البشر‮ .‬
    ولكنني تأخرت في الرد عليه وإعلامه بقراري‮ !!‬
    إذ أنني وجدت نفسي ارتفع من علي الأرض بين‮ ‬يدي الطفل الصغير الذي هَمَّ‮ ‬باصطحابي إلي منزله،‮ ‬إلي سجنه المنمق‮ !! ‬
    يا إلهي‮ !! ‬هل سأذهب معه بهذه السهولة وأنسي‮ (‬ايميت‮) ‬إلي الأبد ؟‮!! ‬
    لا‮ !! ‬لابد ان افعل شيئاً‮ !! ‬
    تذكرت مهاراتي الجديدة في الدفاع عن النفس التي علمني‮ (‬ايميت‮) ‬إياها‮ .‬
    ووجدت نفسي أموء في وجه الطفل الصغير بجنون،‮ ‬وأخرج مخالبي وأصيبه بخدش في‮ ‬يديه‮ !! ‬
    وهنا قام الطفل الصغير بإلقائي علي الأرض في ذعر‮ !! ‬
    فانتفضت أمه ووبخته قائلة‮ : ‬
    ــ أرأيت‮ !! ‬قلت لك أنها قطة شوارع متوحشة‮ !! ‬
    هيا لنذهب إلي الطبيب علي الفور‮ !! ‬تحرك أمامي‮ !! ‬
    جريت لألحق بـ‮ (‬ايميت‮) ‬الذي سار مبتعداً‮ ‬مستسلماً‮ ‬لوحدته من جديد‮ .‬
    ها قد وجدته‮ .. ‬ناديته‮ : ‬
    ــ‮ (‬ايميت‮)!‬
    ــ‮ (‬سرابي‮) !! ‬ما الذي أتي بك مجدداً،‮ ‬اذهبي والحقي بالطفل‮ ..‬هيا‮ !! ‬
    ــ لا‮ .. ‬لن أذهب‮ ‬يا‮ (‬ايميت‮) ‬سأظل معك ولن أتركك ابداً‮.. ‬وهذا قراري‮ .‬
    لقد أزلت الوشاح عن‮ (‬سرابي‮) ‬الحقيقية‮ .. ‬أنت الوحيد الذي رآها كما‮ ‬يجب أن تكون‮ ..‬أنا أيضاً‮ ‬أحبك‮ ..‬أحبك‮ ‬أيها القط الأسود‮.‬


    * عن جريدة اخبار الادب

    عن الكاتب

    كاتبة من مصر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..