عوني شبيطة - انتظار القطار في محطة نائيه ( وحده الجندي لا يريد ان يصل القطار)

جلستُ على المقعد الخَشبي
اشعلتُ سيجارةً ودندنتُ باغنيةٍ خفيفةٍ كي استحثَ القطار
فانا لا احب الانتظار

...

وشيخٌ جَليلٌ استوى على المقعد الخَشبي جَنبي
كَبّر ثَلاثاً ثم قال : اللهم نَسألكَ البِرَ والتقوى
واشياءً كثيرةً اخرى
كعَجِل لنا بالقطار
والنفسُ أمآرةٌ بالسوءِ وكلُ ما حَوليَ إفكٌ وخُسار
صحتُ: قصدُكَ انا !
قال: معاذَ الله يا ولدي
ولكّنَ الغناءَ يُلهي عن جِهاد النفس
قلتُ : بل يزيلُ شوائباً علِقت بها، يا سيدي
وقد يغدو قطرةَ زمزمٍ في عَطش الانتظار
.
...

وعاشِقانِ غارقان في نَبيذِ العِناق اللذيذ
هل يَفطَنان الى الصُعود عندما يصلُ القطار
يَتسائلُ الشعراءُ : ما طيب العِناق عَلى الهوى!
وقد يقول العاشقان : هو لفةُ الحُبِ الجميلةُ والقَديمةُ في اختِصار الانتظار

....

يقولُ الشحاذ: قبل ان يصلَ القطار
اتمرنُ على حِيَلٍ جَديدةٍ ودُعاءٍ مُستجابٍ وعلى حُلو المَقال
ولا اسمعُ سوى .. للشَحاذِ نصفُ الدنيا !
فليأخذوا الدُنيا وما فيها كَي اخلصَ من وجع السؤال
بِفلسٍ يابسٍ يبغونَ سَيلاً من الدَعوات تَحملهُم الى عيشٍ رغيد والى حُسن المآل
فماذا علي ان اعمل !!
انا ادعو لهم واسأل
وشأن الله ان يرفض وأن يقبل
فهو مُتخذ القرار
وليس للانسان إلا باقة الامل
او شوك الترقب والانتظار

...

البصارةُ تقرأُ يدَ مُسافرٍ فهل تُخبرهُ عن حاضر يعرفُهُ ويُفرِحُهُ
او عن شئٍ ما خَفي قد يجدهُ في القطار
أم هيَ حيلةٌ للعَيشِ تُثني المسافرَ عن وَجع التأمُل في ساعةِ الحائط
وعشمٌ في رُطبٍ بعيدٍ على نَخيلٍ يابسٍ خلفَ باب الإنتظار

....

سيدةٌ تجرُ طفليها .. تُهدئُ
بقَرصِ الأُذن والحُلوى كي يَكُفا عن البكاء
وعن السؤال: اماه متى يصل القطار !!
اماه هل وصل القطار!!
فالصِغار يَجعلون من ايِ شئٍ او لا شئٍ لُعبةً
لكنهم لا يَحسنونَ لُعبةَ الانتظار

....

وفتاةٌ لبسَت أجملَ ما في المرآةِ تَحملُ باقةَ وردٍ بين يديها وتُدندن
"ساضُمُ الى صدري قمري العائد
ومن اجل حبيبي اضمُ القطار"
وتهمسُ للورد... أيا ورد
اما زلتُ حبيبتَهُ وما زالَ على العَهد!
ام لَستُ حَبيبتَهُ
حبيبتُه ، لستُ حبيبتَهُ... حبيبتُهُ... لست حبيبتهُ ...حبيبته..
وصار الوردُ نَثار
على رصيف الانتظار

....

المُشردون يشربون على الرصيف البيرةَ والفودكا الرديئةَ
ما هَمهم ان وصل او لم يَصل القطار
فالحياةُ على الرَصيف هي إنتظارُ اللاشئ
او انتظار الانتظار

....

والنشالُ يداعب سكينا صغيرا ويقول:
لا بدَّ من صيدٍ سمينٍ في هذا القطار
لكن حتى وإن صِدتَ
ماذا استفدتَ
والعيونُ تطاردُك
والشرطي يدق بابكَ قبل ان تخفي الغنيمةَ ، يساومُك
نصفُها لي ونِصفُ نصفِها الآخر لي .. ولي
والبقيةُ لك
ماذا تبقى
سوى الرحيل الى مُدن بعيدةٍ، الى محطة كبرى
لن يعرفَك في الزحامِ احد
ولن يأنبَك ضميرُك اذا سطوتَ على احد
المدنُ الكبيرةُ لا ترحمُ الغرباء
لكنّ في الضوضاء متسعٌ لكل مؤذنٍ
فهل اصيرُ سيدَ الشُطار
امي! لك حجُ بيت اللهِ وعصبةُ الرأس الحرير
ولزينبَ خاتمُ العرسِ وعِقدُ المحار
فالنخلع ثياب الانتظار

....

الشرطي ينظرُ الى صورةِ قاتلٍ في جريدةٍ قديمةٍ
وعلى الجدار
يقول : علّهُ ما زال حراً طليقاً يعيثُ في الارضِ دمار
فالقي عليهِ القبضَ وهو مختبئٌ كجرذٍ في ثنيات القطار
ولتشهد يا هذا العالم ولتشهد !
كيف تحطُ نجومُ المَجدِ على كَتفي
وتلهجُ باسمي نشراتُ الاخبار
انا احمد الشُرطي، انا القوي
أدعى الى حيث الجريمةُ والجُناةُ لهم دَوِي ولهم وصدى
في النفوسِ وفي المَحافلِ والمدى
سالاحِقُهم، انصبُ في الساحات مشانقَهم
وأرمي حتى من خالفَ شارةَ سيرٍ في مهاوي الردى
مُقيدا بالخزي والعار
رباه ! اني سئمتُ من هذي المَحطة وسُراق الدجاج وجاري النَشال
واني سئمتُ الانتظار

....

وبائِعةُ الهَوى تُتمتمُ وهي تقضمُ اظافرَها تحتَ عامودِ نورٍ باهت
لا احد يحبني، لا احد
فهل القى بعدما جَفت ينابيعُ الجسد
فارسَ الحلامِ في هذا القطار
في الزَوايا الحالكةِ يحفظُ الرجالُ كلَ قُطبةٍ في سجادِ جسدي الواهن
زهرةً زهرة وشوكةً شوكة
ولا يعرفوني في وَضح النهار
وقد قالَ لي زبونٌ دائمُ السفرٌ ذاتَ ليلٍ
وكان غريبَ الكلام
" مفاتِنُك العتيقةُ وحلاوةُ الممنوعِ ولذةُ الاثمِ السَريع وشهقتُكِ الكاذبَةُ توقدُ في الظلام
ناراً خبت في رمادِ الانتظار"

....

وحدُه الجندي لا يريد ان يصلَ القطار
يتسائلُ :
الى اين سوفَ تاخذني يا قطار
الى جبهةٍ اخرى واخرى
الى "سفرِ بركٍ" ابدي
الى احتراقٍ في بلدٍ بعيد
الى دمار!!
انا اكرهُ الحربَ
لكنَ إن لا بدّ من حربٍ
فلتكُن انتصار
ولتكن كما اريد
من اجلِ
عيون حبيبتي وابنتي الصَغيرةِ
واحلامٍ في الحقائب تنتظر الدخول الى ميناءِ يافا
ووردٍ في الحواكيرِ جديد
معذرةً يافا
معذرةً حواكير البلاد
طالَ الانتظار

…..

وصلَ القطار
قلتُ سياتي بعد القطار قطار
وعِجتُ الى المَقهى القريب
افرغت كأسَ "كونياكٍ" رخيص
اشعلتُ سجارةً
ودندنتُ باغنيةٍ خفيفةِ
كي استحثَ القطار
فانا لا احبُ الانتظار
(يا نادل هات صندوقَ العِدَة
هو يعرفُ اني اعني
طاولةَ الزهرِ واوراقَ الشَدة)
نحتالُ بها على الوقتِ كي ينصرفَ
وياتي القطار
فاحمدُ الشرطي والنشالُ والشحاذُ والبصارةُ وبائعةُ الهوى
ومسافرٌ كان يقضي حاجةً خلفَ شُجيرةٍ عندما مرّ القطار
مثلي لا يحبون الانتظار
وحدهُ الجندي لا يريد ان يصل القطار
وحدهُ الجندي لا يريد ان يصل القطار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى