نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبدالله خليفة - التـــرانيم.. قصة قصيرة

نشر: نقوس المهدي · ‏9/8/18 ·
  1. اقترب الطبيب من مريضه المتشنج .
    ثمة جسد منفلت من الإيقاع . أطرافه تمتد من الأفق إلى الحريق. عيونه تستصرخ كائنات خفية، وأصابعه تلمس الرماد وبقايا الأحذية .
    الإبرة المتغلغلةُ في جذوره النائية لا تكفي وحدها لإيقاف نظره ، وإطلالة زهرته في الأرض الخراب.
    لا يزال جسده ينتفض بين الماء والسماء، وقلبه يريد الإفلات من زنزانة الحمى.
    هناك زائر لامرئي يقترب من هذا الإنسان المبعثر. هناك خطوات لا مادية تعطيه جلده ويده، وتجعل الارتجافات الزلزالية تتوقف، والمتلاشي يستعيد أجزاءه بقوة مدهشة.
    إنه يحتضن شيئاً، يتغلغل فيه، وبضع مرايا من تتألق بوهج، وأجزاء أخرى تنبض ألواناً وأطيافاً. يعرق بغزارة، وتمتد منه ينابيع وروافد من مياه فوارة، وتحل سكينة، وتحل طمأنينة، وكأنه طائر قادم من تنور، وكأنه نور اتحد بالتراب.
    مشهد جعل المرضى والممرضات والزوار يُؤخذون، وتتوقف أفئدتهم عند عقارب الوجه وهي تتحد في انفجار الروح.
    وجوههم الشاحبة والمتقلصة وعيدانهم النحيفة المهتزة وأسمالهم البالية كأنها انتفخت بهزة ريح.
    الطبيب أغلق الغرفة. أقترب من الجسد المّدد، وفتح الضؤ على دوائر التشنج والضجيج الدموي، فوجد جلداً رقيقاً برعم زهرات وأقحوانات، وتلك الكدمات وضربات الكهرباء الساحقة في جسد المريض توارت وراء صدى خافت، وجاءت طيور من خلف الشاطئ وأطلقت ترانيم في الفضاء.
    ■■■

    أيها الأحبة الضائعون في البراري هلموا إلى نبعي. في زمن الصحراء الناري تعالوا إلى فيضي وغمامي . لا تكونوا مثل رجل حرق الغابة وحُوصر في أتونها، وامتلأت حفره بجثث الطيور والأرانب.
    في مشيي الطويل في أسلاك الكهرباء الصاعقة لم أجد الراحة. في حبوب السراب لم أجد واحة. في الإعلانات الملونة وقوائم الطعام المليئة بالغزلان لم أر ذاتي. أدانني أطفالي لصمتي.
    أيها المتعبون القادمون من الحمم والحمى والأنفاق، جيران النمل، تعالوا إلى خيمتي الوارفة، هناك بدأ نهر الماء يأخذني إليكم.
    ■■■

    قال الطبيب:
    ــ هل أنت بخير، هل أراحتك الإبرة؟
    سأل المريض:
    ــ هل رحل؟
    تلفت الطبيب وانتبه إلى ضجة المرضى المتسربة إلى عمق المستشفى. قال:
    ــ ذهبوا للنوم .
    كان المريض يتغنى بالكلمات، يترنم، فيطلق حفيف الفراشات والأجنحة والأشعة، وتغدو أصابعه ثللاً من البشر يتدفقون على خيمة في عمق الألم والرمال والظلال تصير واحات وطرقاً ومناجم، وعيونه تبدو كأشرطة الأفلام الملونة العريضة حيث الغابات والآفاق والمدن اللامتناهية.
    ارتجف الطبيب قليلاً، وشفتا المترنم تغنيان بوجد، ثم أسدل الستار على قامته حتى صوته.
    وفي الأيام التالية لم يصدق الطبيب إن كل هذه التحولات والفوضى، يمكن أن تحدث.
    امتدت أطباق الطعام المليئة من القرى والأزقة إلى غرفة المترنم. انتشرت الأغنام والعجول وأقفاص الدجاج في حوش المستشفى وراء سوره. وضعت أكداس النقود والشيكات وبطاقات الصراف الآلي على مكتبه. حشود من البشر تريد رؤية المريض.
    وحين يخرج من غرفته، التي صارت مثل كهف بإضاءتها الشاحبة وبأكداس الكتب، لم يعد بإمكانه أن يمشي، كان المترنم يُحمل ويصير حمامة فوق كتلة النهر البشري، ذي الشلالات العارمة والصخور والقوارب الضائعة .
    كان يقف فوق رؤوس الحشد ويترنم. كلماته مثل حلوى الأطفال، تبدو عسلية المذاق، تتدفق بحنو، وتفيض من غدير، وتطبطب على الأكتاف، وتضم الصدور والرؤوس، ليتشكل بكاء جماعي مرير مرهف، فتتساقط الخرق الملوثة وأردان الدم والطيور الجارحة.
    ولم يعد بإمكان الطبيب أن يعمل، ورأى بعض الأطباء يستلون من ملابس المترنم خيوطاً يضعوها على أكتافهم، ويغمغمون بكلماته وهم يدسون الحبوب والإبر في أجسام المرضى.
    حاول أن يمنع الزوار، ويوقف الأقدام والمأكولات الملوثة والتمائم والمجذومين والمتأيدزين، ويعيد المريض إلى علاجه، لكن السيول حصرته في مكتبه، وشاهد أطباء يحررون شهادة شفاء للمترنم.
    خرج المريض إلى الشوارع مصحوباً بكرنفال من الألوان والموسيقى واللافتات، وراحت السماعات تقرأ ترانيمه بصوت أخاذ منغم، وظهر دارويش يتمايلون بمقاطعها ويحلقون بأجنحتها.
    ثم استعاد المستشفى سيطرته على عقله وجنونه.
    دخل الطبيب تلافيف الأدمغة باحثاً عن سر هذا الاضطراب فعثر على أجسام ضوئية تتفجر مطلقة أصواتاً غامضة.
    حرر طلباً إلى الجهات المختصة لإعادة المريض للعلاج اللازم، وبين خطورة انفصامه المتعدد الجهات والإشعاعات.
    لكن رداً لم يأتِ.
    رأى صور المريض تغزو الشوارع، تحتل الحوائط بين الممثلين والماركات التجارية والُنُصب التذكارية. الصحف راحت تقتبس كلماته، وترانيمه يغنيها المطربون،، وتتألق على المناطيد والبالونات الضخمة التي تخترق سماء المدينة.
    غدت روشتة في الصيدليات واجتماعات السحرة واحتفالات المهرجين والمفكرين وعمليات الطهر والتطهير والحروب والنذور ولقاءات الغرام والخصام .
    قاد الطبيب سيارته في شوارع مزدحمة، دخان وحشود وغبار وبائعة متآكلون وبنايات عملاقة وطوابق من الزجاج والفضة وقطارات قرب السحاب وقطارات في أعماق الأرض والنار وشاشات من النور تنتفض رقصاً ومشروبات وأغان، ورؤوس بلا أجسام وأجسام بلا رؤوس..
    توقف باص سياحي. حدثت صاعقة هائلة تحته، انقلب متفجراً وتدلت رؤوس متدفقة بالدماء، وتعالت الصفارات والنداءات وولولة سيارات الإسعاف والحريق.
    في النهارات المختنقة والمذبوحة كان طيفُ الترانيم يداعب روح الطبيب مثل النسمات. كان يتذكر وجه المريض الواثق فوق الحشود، وكأن نهراً من الحمام يستعيد صلته بالغيم.
    راح يهز ذاكرته ويشك في عقله، وخيل إليه مرات إنه هو المريض، وإن نوبات الدوار، التي تتحد بالأشباح والكوابيس، والعرق والأرق، ليست سوى أطياف داء عميق.
    كانت كل النداءات والصرخات وأشرطة الترانيم المبثوثة كالهواء، والقنابل المنفجرة الموضوعة في المزهريات وحقائب الأطفال، والطائرات المتصدعة في الفضاء، والزلازل والأوبئة الصارخة والحطام والبشر المتبقين تحت الحطام والسمك المنتحر والمدن المشتعلة..
    تضربه بريح عاتية فيتخلخل ويتبعثر في الحبوب والخمرة والكآبة وكره البشر والبحث عن حب.
    ذات صباح وجد المريض المترنم يظهر في التلفزيون. كانت دباباته تحتل الأبنية والحشود والفضاء.
    مضت الأرض كلها تتنفس ترانيم وتمضغ أعشاباً من الورق والدم.
    حاول أن يجد رأسه، فرأى جنوداً يقتحمون مكتبه وينتزعون ملفات المترنم ويختفون.
    لم ينتبهوا إلى الأشرطة المسجلة، التي بثها في أجهزة الضؤ والصدى والصورة.
    كانت أشرطة المترنم المسجلة كلها تصرخ في الهواء. هذيانه وبكاؤه من أجل الحبوب. تعطشه للنساء وخزائن المال. زحفه للسم الأبيض. كلها، كلها كانت مبثوثة بالنيون في المدينة.
    في المساء كان الطبيبُ معلقاً في فضاء غرفة، يرشحُ دماً ورأسه استقرت على النخيل والعصافير، ووجد الخيوط والخطوط والشواطئ والنساء، تتكلم.
    بعد ليال مجهولة العدد، كان الطبيب مهدم الملامح، يوزع أوراقاً فيها ترانيم جديدة.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    * دهشة الساحر (قصص)، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1997.
    (القصص: طريق النبع ـــ الأصنام ـــ الليل والنهار ـــ الأميرة والصعلوك ـــ الترانيم ـــ دهشة الساحر ـــ الصحراء ـــ الجبل البعيد ـــ الأحفاد ـــ نجمة الصباح).
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..