حيدر عاشور - غبارُ المتاحف..

منذ صغره تعلم الرسم قبل كل شيء، قبل تعلم الحروف وسائر المعارف الأخرى... رسم صورة أخيه الأكبر وأخته ومعلم الرياضيات الذي يكرهه ويتمنى أن يفصل من المدرسة، فهو لا يأتي إلى الصف إلا والعصا الغليظة معه... كبرت خطواته وسارت الأعوام سريعة، نظر إلى المرآة وأدرك أن الوجه الطفولي قد اختفى، ويقف أمام المرآة رجل يقترب من الأربعين وخط الشيب أطراف رأسه وتغصنت القسمات، أصبح لوحة قديمة رغم براعته الخارقة وحرفيته في الرسم، لكنه امتهن الرسم التجاري، وعرف بأنه من امهر محترفي تزوير اللوحات بكل أنواعها لكل رسامي العالم وأصبح الجميع من في السوق يعرفونه وهم ينادونه ب( حميد بيكاسو) وكلما يسمع بهذا الاسم يشعر بحزن دفين لا يفقه معناه إلا هو ...
لقد أراد أن يكون رساما حقيقيا له لوحاته وعوالمه وخصوصيته لا يكون مجرد مزور لوحات ورسام تجاري.. ولقد ملّ الدفاع عن نفسه، ودفع النقاش باتجاه المبرر.. فلا احد يصدق بان (حميد بيكاسو) دفع أكثر سنوات عمره في الحروب، وحين لفظته الحرب وجد نفسه وحيدا لا يملك ثمن الملابس المدنية التي تليق به كفنان، باع مكتبته ليدبر أموره وتردد في البدء إلى سوق اللوحات عمل بالأجرة اليومية ثم تطور الأمر، فاخذ يعمل بالقطعة وبدأت حكايته مع الرسم التجاري حين طلب منه بعض التجار تقليد اللوحات ولدقة لوحاته ونسخه الأصل بدأ الجميع يتواتر عليه والغريب انه لم يعد بمقدوره سد الطلب المتزايد، وبحث عن رسامين جدد يساعدونه في إتمام البضاعة التي لا ينتهي الطلب عليها.
ومع مرور الزمن نسي هذه الأفكار اللعينة التي تساوره بترك التقليد، والاتجاه إلى الفن الحقيقي بدلا من هذه اللعبة الاستهلاكية .
لكنه يدرك في أعماقه، بأن ليس ثمة مهنة أخرى تدر عليه مثل ما تدر عليه مهنة التقليد، لاسيما وانه برع في جعل الناس لا يفرّقون بين الأصل والصورة... وظلت عبارة (غبار المتاحف) تلاحقه كاللعنة وهو يستذكر استاذ الفن الذي اطلقها يوما في احدى محاضراته :
(الفنان الحقيقي لوحة نادرة اما المزيف فانه يشبه غبار المتاحف) .
هل انا حقا غبار المتاحف ألا يعرف استاذ الفن بان غبار الحياة يحاصرنا والفقر يهددنا والفاقة تتربص بنا ... ومتطلبات العيش تتضاعفت، لم يعد راتب واحد يكفي، ولا مهنة واحدة تقيك شر الفقر... ياسيدي لقد ذهب ذلك الزمن الذي يجب ان يتشرد فيه الفنان ويجوع ويتعذب لكي يكون فنانا ... القدرة على الاحتمال قلت بعد ان اخذت الحروب من الاجساد المتعبة والمتهالكة.
وربما يغفر للأيام كل عذاباتها لكنه، لا يستطيع أن يغفر تلك الساعة المريرة التي اعادت بها خطيبته طبيبة الاسنان خاتم الخطوبة وحين ذهب إليها، إلى عيادتها مستفسرا عن الامر قالت له :
- لقد اكتشفت انني لا انسجم مع طبيعة عملك اتمنى ان تكون رساما حرا وليس حرفيا او مزورا ... انا لا اتعالى او اتفلسف ولكن ماذا سأقول لأولادنا :والدكم يعمل في تزوير اللوحات...إنها مهنة لا تليق بصراحة .
رمى خاتم الخطوبة المعاد في نهر دجلة، ودخن عشرات السكائر وبدأ يهيم في الشوارع :
(إلى هذا الحد قد وصلت بك الأمور يا حميد بيكاسو، وأين كنت يا صاحبة الأصل والفصل؟! وحسرتاه على زمن الادعياء ... اتفهمين انت في الفن والألوان ام انك بارعة بالأسنان المنخورة ...لقد واتتني الفجيعة وأنا اعيش في هذا الزمن المنخور من كل جهاته) .
وقرر اعتزال الزواج لولا الحاح الام وهي تبكي في تلك المشاعر التقليدية لكل أم تريد أن تودع ابنها، وقد استقر وتريد ان ترى الصبيان والبنات يتقافزون في ساحة الدار ...(ولكن اين هي ساحة الدار )؟! وحين عرفت الام بواقعة طبيبة الاسنان قالت بلهجتها المألوفة :
- ان قسمتك مع ابنة عمك .
قال لها بغضب :
- كيف يا امي وقد فسخت خطوبتها لأنها لم تكمل دراستها .
اردفت العجوز:
- اليست هي افضل من التي تقلع الأسنان... انت موافق وانا سأقنعها .
شعر بالضعف إزاء موقف الأم، وفقد زمام التخطيط للأشياء ففي الليل لديه أكثر من لوحة...لم يعد الأمر يعني له شيئا لقد تحول الى مجموعة اصباغ وقطع خشب وأمتار من الأقمشة...اقفل غرفته وتخلص من الحاح الام وابلغها بالعودة الى قسمة ابنة العم.
حيدرعاشور
[email protected]
قصة قصيرة من مجموعة (بوح مؤجل)































تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى