نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

قصة ايروتيكة جورج سلوم - الحقنة المنزلية المعتادة.. نص من كتاب (الإنفصال عن الواقع )

نشر: جورج سلوم · ‏15/8/18 ·
  1. فجأة وبدون سابق إنذار أصبحَتْ كئيبة .. والكآبة التي حلّت عليها ليست نوبة وقتية كما عوّدته .. كان يفسّر النوب التي تتعرّض لها بتفاسير تابعة لمكوّنات المرأة الجسدية أو النفسية أو الدورية .. فلم يلقِ بالاً لحزنٍ عابر قد يذوب ويضمحلّ من تلقاء نفسه

    وكان سكوته وتجاهله لتلك النوَب يجعلها تنطفئ وتختفي بلا دخان ولا رماد .. كصاعقة أو ومضة برق سماوية أو تماسٍ كهربائي .. يشتعل بدون ثقاب وينطفئ بلا ماء ويزول بلا أثر..

    أما دخوله إلى تفاصيلها – على طريقة التدخّل في شؤونها - فيجعلها تنتفض وتثور أو تبكي .. كأنكَ تصبّ الزيت على النار

    وكان العلاج لتلك الهجمات النوبية الاكتئابية على طريقة هدية صغيرة .. أو وردة حمراء .. أو فسحة تقتل الروتين المنزلي أو مفاجأة مثيرة للاهتمام .. ولمّا يكُ ذاك العلاج ناجعاً إلا لِماماً

    يظنُّ في قرارة نفسه أن علاجَ اكتئاب الزوجة يتم بإعطاء الحُقَن في الفراش .. على طريقة الطعن في الصميم .. ولا يفهم الزوج إلا هذه الطريقة .. وقد تتجاوب الزوجة معه إرضاءً له أو عطفاً عليه.. لتبقيه على قناعته الكاذبة بأن لديه حقنة البلسم الشافية من كل داء .. فتبتسم له مرّات ومرات وتتفاعل مع علاجه المَقيت .. ولا يزيدها ذلك في الحقيقة إلا اكتئاباً .. إنها تمثل عليه السعادة (الفِراشية ).. وتصبر .. وما الحرب إلا صبر ساعة!

    قد يعتاد البدن هذا الدواء فلم يعُدْ فعّالاً .. أصبح مقاوماً لهذا العلاج فلابدّ من تغييره (هكذا يقول الأطباء )..لكن زوجها ما لديه إلا دواء واحد .. طعمه علقمٌ كأي دواء .. قد يكون مستخلصاً من سم الأفعى أو من نبتة طبية فاسدة بسبب التقادم .. كانوا يسمونه (عسيلة ) فيعبّ الزوج من العسل .. يا للسخرية .. يملأ حقنته ويحقنني بها .. يريده حلواً ولكنّ الأجساد لا تفرز إلا المرّ والمرار!

    وتكرار زرق ذاك الدواء صار مؤلماً .. قد يبعث على الغثيان .. قد يسبب الإقياء .. وقد يحدث التحسّس منه .. عندها أصبحت مقاربته تسبب الحكة وطفح الجلد والبثور والقروح الجلدية والنفسية..

    على الأقل يجب أخذ مضاد للتحسس بعد التحاقن به أو قبله .. على الأقل يجب دهن مخدّر موضعي كي لا يحدث الألم .. على الأقل يجب ابتلاع مخدّر مركزي كي تنسى واقعته .. فليواقعها وهي نائمة كجثة في المشرحة .. فلا تحس ولا ترى ولا تسمع .. ولا ولا تتألم .. هي تتأوّه من الألم وليس من فرط السعادة .. وهو يظن ذلك موسيقى تصويرية لفيلم عاطفي ولا يعرف أنها موسيقى جنائزية

    قالت في نفسها .. وهي لم تعد تقول الحقيقة إلا لنفسها .. وما تقوله للآخرين أنصافٌ مجتزأة من الحقيقة:

    - لم تعد لديّ قدرة على استساغة كلماتك المكررة قبل الحب .. حفظتها يا هذا .. قبلتك لي في فمي كرهتها .. كرهت طقوسك أيها الكاهن .. صلاتك قبل الحب ..وبخورك .. وشمعتك الحمراء وزيتك المقدس

    لماذا أكون تحتك دائماً تثبّتني من كتفي .. ترهقني بثقل صدرك وكرشك ورأسك الثقيل .. تنام علي .. أنا خلقت ليناموا معي وليس عليّ .. تصلبني بيديك الثقيلتين فذراع على ذراع .. وأصابع فوق أصابع .. وصدر على صدر .. ودبر على دبر .. وصليب على صليب

    وتفحُّ خياشيمكَ بغازاتك السامة .. ويسيل لعابك عليّ كما تندلق الرغوة من طنجرة يطبخون فيها نفس المحتوى دائماً.. ضعوا بعض التوابل في طبخاتكم يا رجال .. ضعوا مزيج القرنفل والبهار والزعتر والياسمين فتطيب روائحكم .. عرقٌ وتبغٌ وبصل وتوم ومزيد من البصل .. هذه هي طبخة أمّهاتكم القديمة .. اقرؤوا .. أو شاهدوا برامج الطبخ العصري .. هنالك مقبّلات ومشهّيات .. دائماً وأبداً نفسُ الصحن المتسخ على طاولاتكم .. والله لقد كرهته

    أنا خاسرة تلك الجولة بالنقاط وبالضربة القاضية .. خاسرة لأنني أستسرع الإنسحاب بأقل الخسائر .. إنها حقنة يوم الخميس الشرعية .. ولا بدّ منها كفريضةٍ أمرت بها الملائكة .. والملائكة لا همّ لها إلا ملاحقة الزوجات اللواتي يخذلن أزواجهن!

    ويغفو عليّ بعدها كأنما هو من أخذ الحقنة المخدّرة .. ويشخر فوقي وفي باطن أذني وأنا من اعتدت الهروب من شخيره إلى غرفة أخرى..

    أقلبه عني فينقلب مثل فيلٍ تدلّى خرطومه ..

    وأنسحبُ من تحته كقطعة قماش تمّ سحلها وكيّها مراراً .. فأصبحت رقيقة ومحترقة الحواشي.. لأن الحرارة في المكواة أعلى من تحمّل القماش الحريري .. كأنّ المكواة أصبحت غير ملائمة .. قديمة وصدئة ومخرّشة ومؤلمة

    أنا قطعة قماش حريرية يا أيها الرجل (المكواة ).. والحرير لا يحتاج الكي كثيراً كي لا تتأذى أنسجته الرقيقة .. وإذا احتاج فيكوونه على البخار فقط .. والحرير ناعم لو مسحته بأناملك .. غالي الثمن لذا علّقه في عنقك كربطة عنق .. تفاخرْ به وحافظ عليه

    كرهتُ دواءَك وحقنتك الروتينية ولو أعطيتني إياها بالوريد أو بالعضل .. أو علقتها بالمصل .. أو بالفم كحبة تحت اللسان .. أو تحميلة شرجية .. أو دهونات ولبخات جلدية .. أصبحت لا تفيدني .. بل أصبحت تضرّني .. كيف أقول لك ذلك؟..

    خذني لطبيبٍ آخر .. أنا مريضة .. عالجني فأبرأ من مرضي وعندها سأعود إليك معافاة فلا نوَبَ اكتئابية .. ولا انفعالاتٍ مجهولة الأسباب

    لن أستطيع مغافلتكَ والذهاب للعلاج دون علمك .. قد تعتبرها خيانة لك ..خذني أنت إلى طبيبٍ جديد .. إدفع معاينته راضياً .. وابقَ خارجاً في غرفة الانتظار ريثما يحقنني بالدواء الجديد .. يمكنك أن تدخّن خارجاً وتقرأ مجلة قديمة وتتفرج على التلفاز ذي الصوت القوي .. حتى لا تسمع تأوهاتي فالدواء الجديد قد يأتي على الجرح مباشرة إن كان الطبيب حاذقاً

    ذاك الطبيب الذي أخذتني إليه كان كما توقّعت .. لن يشفيني مذ وقعت عيناي على جدران مكتبه .. لماذا الآيات القرآنية في عيادة طبية ؟.. لماذا لوحة أسماء الله الحسنى؟ .. كل ذلك يبعث على الخوف .. وأنا أتيت خاطئة خائفة مما سأقوله ومما سأطالب به ومما أريد أن أفعله .. لست زانية لكنني أحلم بتغيير الحقنة فقط .. وبوجود اسم الله لن يكون التحاقن .. إلا شرعياً

    لماذا يسمّي بالله قبل أن يلمسني ؟.. هل أنا نجسة ؟..

    لماذا يفحصني خجِلاً ويغضّ الطرف ؟.. لماذا يدخل مسماعه إلى صدري من فرجة بين أزراري ؟ .. ما جئت لقياس حرارتي وتخفيض درجتها .. بل لرفعها وتخفيف برودتي .. وضغطي المرتفع لا يقاس من ذراعي .. وصداعي له أسباب أخرى غير طبية

    لا لن تشفيني أيها الطبيب .. وعرفتكَ من علاجك فنصفه استصبار ونصفه استغفار والباقي أدوية تحقن بنفس الحقنة في البيت .. لا بل ويريد تكثيف الجرعات .. فاشلٌ طبعاً ولن ينجح لأن زوجي من اختاره

    الحل يكون بالصوم عن الحَقْن .. أنا دخلت سن اليأس مبكرة .. أنا عمري الزمني أصغر بكثير من عمري العاطفي .. أنا هرمة من الداخل يا زوجي الحبيب .. فدعني بعيدة عن فراشك ومرضي معنّد على العلاج في قواميسك الزوجية ..

    ووصلتُ أخيراً إلى التوازن عندما تتركني وتخرج إلى عملك .. فأمارس الحب الذي أهوى أمام مرآةٍ تعكس انفعالاتي وتقلِبُها عليّ .. فواحدة بواحدة.. أو على الأريكة أو على كرسي يهتزّ كأرجوحة .. أو في الحمام أو في المطبخ .. يمكن ممارسة الحب بكل مكان وكل وقت

    أصبحت أمارس الحب لوحدي في كل زاوية من بيتي .. ولا خيانة أليس كذلك؟!

    لم أعد أقرف من رائحة البصل فأنا أقطعه على كيفي وأدعك جسدي بوريقاته .. فتسيل مياهي ودموعي .. أصبح البصل يهيّجني لو عرفتم أسراره

    حمامي صار صابونا مثيراً ورغوة تحبس الأنفاس .. فأنا أعرف الأجزاء التي تحتاج فركاً شديداً .. والإسفنجة أبللها بالصابون الذي أهوى والروائح العطرية كثيرة .. والماء الساخن صار يبرّد جسدي ولو كان حارقاً ..

    أتوسل إليكم يا ملائكة الحب

    فلا تلعنوني .. إن نام زوجي يوماً بدون حقنته المعتادة !



    د. جورج سلوم

    *******************

    عن الكاتب

    مواليد1965
    طبيب مختص بالجراحة العامة وجراحة الأوعية
    كتاب منشور (أحضان فارغة)..عن دار نينوى
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..