عزة سلطان - سمكة سلمون وحيدة..

تبرق العينان وتنطفئ كفنار يهدي التائهين، تضحك من اللاشيء، تُقرر اللعب بقواعد التنمية البشرية، تُحدث نفسها..

- انظري إلى المرآة كم أنت جميلة هذا الصباح لعلك رأيتِ شروق الشمس؟
- لا لم أره.
- لعلك متفائلة عيناك تتألقان بالبهجة.
- فعلًا أُفكر بالموت كثيرًا.
يبدو أن تعليمات التنمية البشرية لن تفلح في هذا المساء، إذن نُجرب شيئًا آخر.
ماذا عن الحب؟
هي فعلًا تُحب رجلًا يمكث في خيالها لأوقات طويلة، يُغازلها، ويحكي عن ألقها، لكنها تراه كلما دارات الأرض حول الشّمس، أمر تعيس أليس كذلك؟!
تنطفئ عيناها، تشحب، ليس هناك أسهل من الاختفاء في كهف مظلم، لا يُمكنها فيه إحصاء الوحدة، مثل سمكة سلمون لم تأخذ طريقة الهجرة إلى النهر.
تبدو سمكة السلمون بهيكلها البدائي لا تتناسب مع كونها سمكة مفترسة، تعيش في المحيط، لكنها الآن وحيدة، وقد هاجرت جماعات السلمون إلى الأنهار طلبًا للبقاء والتكاثر.
وهي في كهف هوسها، ترقد في وضع مثير، تنتظر هذا القادم ليبلل شفاهها بقبلته، أو ابتسامة، أو أي شيء يجعلها تُعيد التفكير في الحياة.
تعيش أسماك السلمون في المحيط وأحيانًا البحيرات لكنها لا تتكاثر إلا في الأنهار فتهاجر إلى الأنهار وتعود لتُكمل حياتها في البحار.

ملوحة الظلام أليق بها، لتكتمل وتجد روحها التي تشظت في المحبة، كلما رغبت في التكاثر أطفأت عينيها وهاجرت إليه.
تبدو غير مقتنعة بحواراتها الداخلية، والصوت لا يصمت، كلما خلت إلى ملوحة كهفها تحدث إليها، الصوت من الداخل لا يمكنها صم أذنيها.
- هل تُحبينه؟
- نعم بكل تأكيد.
- هل تذكرين عناقه الأول، كان مرتبكا، هل أنت أم هو من حمل بذور الارتباك؟
- ما كل هذه التساؤلات؟ أرغب في الصمت.. ثم إنني لا أرتبك بين يديه، فقط تُربكني لحظة الرحيل.
كانت شرفتها تأنس بطيور لا تعرف منها سوى اليمام، وهي تبتسم كلما رأت زوجًا منه، لكنها لم تضع له أبدًا حبًا ولا ماءً، ولا يزال اليمام وطيور أخرى تحط بشرفتها.
- تعرفين.. العطاء في كثرته مُفسد.
الأشياء تفتقد إلى معناها كلما تدفقت، فهل تشعر سمكة السلمون الوحيدة بالتميز؟
صديقتها تُحب أسماك السلمون، علمتها أن تأكله، حتى تكتمل السلسلة الغذائية، والسلمون المفترس لا يملك من أمره شيئًا إزاء حيوان أكبر منه في العائلة المفترسة.
وهي تتلذذ بطعم السلمون في خبز أسود مدعوم بحبوب الأرض، لا ترى في ذلك جريمة، فلم تقض علي رحلة الهجرة وأحلام بالبقاء، فعلها غيرها، وهي لم تتلوث بدماء السلمون.
نقشت ملامحه على جدران الكهف، وهي بجسد عار لا ترى فيه عورة، وكلما رسمته بدا متغيرًا فكان بوجوه عِدة، ومحبة تليق بألف رجل يسكنونه.
ستضع جماعات السلمون بيضها في مياه النهر، وتتركه وهي مطمئنة، وتعود مجددًا لبحارها ومحيطاتها، وحين يخرج الصغار، سيجلبهم الهواء لبحارهم.
ستنتظره فى الصباحات ومساءات محدودة، وحين يتأخر، ستهبط إلى الشوارع علها تجد أحد وجوهه على البنايات أو المحلات، ربما تجد نظراته متعلقة بامرأة، ستعرف حين تراها، أنه نظر إلى هذه المرأة، سوف تتبع آثار عجل سيارته، ولن تضله.
يعود الصوت يسخر من دائرته الفارغة إلا من رجل، وتضحك لا تُحب هذه الكلمات، الحياة بأكملها دائرة فارغة تضم رجلا وامرأة، ما يعنيها أن يكون هو رجلها وليس الرجل الخطأ.
الصوت كلما هدأ عاد مجددًا، وزوج اليمام يأنس إلى شرفتها في الصباح والمساء ويترك الشرفة بقية الأوقات لطيور لا تعرفها.
وهي لا تُصدق إيحاءات السعادة، فقط ترغب في فعل حقيقي، كعناق مختلس على الدرج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى