سعدي عباس العبد - الطفل والنهر.. قصة قصيرة

انتظرني لاتبعك
انا اخبرت والدي
اني ذاهب معك .. فانتظرني لأتبعك.. انا احضرت مركبي.. هو يانهر من ورق اذن يانهر انني.. لست اخشى من الغرق فانتظرني لاتبعك.. ظهر النهر هادئا ورأى الطفل اوله فرمى المركب الذي في يديه وقال له.. انتظرني لاتبعك.. فجرى النهر مسرعا.. ومضى ثم لم يعد صرخ الطفل قائلا بعدما المركب ابتعد
ليتني معك
الانهار حيوات.. او النهر حياة.. والحياة نهر.. نهر يجري لمستقر له... الحياة تجري كما النهر.. تتلمس المصبّات البعيدة.. الحياة تتلمس المقابر.. المقابر مصبّات الحياة.. الينابيع مهود الانهار.. النبع ولِادة النهر.. والمجرى وعاء وبدن, والماء روح.. تسري الروح في البدن.. والبدن يشيخ ويفنى ويغدو رميما والماء يبقى في تحولات مزمنة.. يبدّل المجرى التالف.. الانهار تغيّير مجاريها المجرى وجود طارىء على حياة النهر.. المجرى متحوّل.. التحوّل علامة المجرى.. والمجرى نقاط دلالة وإضاءة وحياة للنهر ... قوّة النهر تكمن في الاعماق والمحمولات على ظهره .. والنهر مرافىء ومحطّات وفنارات وزوارق ورحلات ...
• الحياة زورق في النهر ... والمراسي مشواير متجمّدة .. المرسى الحياة في منتصف المشوار.. المرسى استعادة لقوّة الروح .. وزاد الرحلة .. وبعث الحياة في عظام الشيخوخة . الطفولة ينابيع .. ونهر في أوّل المشوار .. يتدفق من تلك الينابيع الاوّلى البعيدة ينابيع الامهات والامكنة والذكريات ...
• المرة الاوّلى التي رأيت فيها النهر.. رأيته على الورق.. حدث ذلك قبل سنوات عديدة خلت.. رأيته نهرا ورقيا بزوق ورقي وطفل ورقي.. كم هي شديدة السحر والجمال الحياة الورقية.. او الحياة على الورق.. الحياة على الورق اشد واقعية!! وجمالا وعقلانية وسلاما من الحياة على الارض.. الحياة على الارض.. حياة غير معقولة .. او الحياة في اللامعقول.. اللامعقول روح الوجود وخواصه وملامحة .. لم يبقِ اللامعقول من المعقول سوى آثار شاحبة , فاترة , تطفو ساكنه , مسمّرة على الورق ...
كان النهر يجري على الورق .. وكنت اتطلع لذلك النهر الورقي منبهرا دهشا .. دهشة ملكت عليَّ حواسي .. وانا اردد مع مرشد الصف .. صف الثالث ابتدائي في مدرسة نهاوند الابتدائية للبنين..
استاذ سلمان الشيخلي : انتظرني لأتبعك.. انا اخبرت والدي.. اني ذاهب معك.. فانتظرني لأتبعك... انا احضرت مركبي... هو يانهر من ورق
كان الزورق من ورق والنهر من ورق والاحداث التي كانت تجري على الورق , من ورق.. حياة ورقّية بالكامل تنمو على الورق.. تلك القصيدة كانت اقرب ما تكون كألنقش على الحجر فمازالت مطبوعة في الروح والذاكرة بكامل سحرها وجمالها ... كان ضيّاع الزورق في مجرى النهر.. المجرى الذي ذهب بالزورق نحو المجهول ... كما لو انه نبؤة لضيّاعنا اللاحق .. ضيّاعنا في عرض النهر... نهر الحياة على الارض .. كان الزورق يعادل حياة الطفل.. او الجزء الحميم منه : ليتني كنت معك , هكذا كان يردد الطفل الورقي.. عندما شعر بفقدان الزورق مرة واحدة وإلى الابد.. بفقدان جزءه الحميم .. فقد الحلّم .. الحلُم ديمومة الوجود .. والعامود الذي ترتكز عليه خيمة الحياة .. والنور الذي يضيء ظلام الوجود .. الحلُم : شحنة وحياة مضاعفة ووجود يذلّل من اثقال الواقع .. ذهب حلُم الطفل في مجرى الضّياع ..
فجرى النهر مسرعا... ومضى ثم لم يعد... صرخ الطفل قائلا .. بعد ما المركب ابتعد..
ليتني معك
كانت روح الطفل الذي هو انا.. متضامنة مع الطفل الورقي.. كنت في ذلك الحين ولما اختلي مع نفسي في ركن منزو , اردّد مع الطفل الورقي: ليتني معك .. فيصيبني الحزن وانا استعيد رحلة الطفل مع الضّياع .. والنهر .. كان ذلك التيه او الضّياع على الورق .. اوّل بشائر النذور .. اوّل طلائع فجر المتاهة والانطفاء اوّل نبؤة تفشي سر خرابنا .. كنا عالقين في اوّل الخراب دون انّ ندرك ذلك ..
كان ضياع الزورق في النهر.. يرمز لضيّاعنا المستقبلي.. القادم بقوّة في طريق الحرمان والحروب: فجرى النهر مسرعا _ كان يشير دون قصد إلى جريان الحياة.. الحياة التي جرت بنا مسرعة .. من النبع .. من المهد إلى المصبّ.. مصبّ الحروب والعوق والتشوّهات... اما النهر الذي يقع على الارض .. فقد رأيته عقب النهر الورقي .. شاهدته في وقت ما.. كان نهرا اقرب مايكون إلى جادة مائية او قناة طويلة .. يقع عند اطراف المدينة الحديثة التكوين والمنشأ .. كانت المدينة اقرب ما تكون في ملامحها وتصميمها في الطور الاوّل من النمو ..إلى تجمعات قروية تشغل مساحة واسعة من العاصمة... النهر , كان هناك . عند الطرف البعيد .. الطرف المتاخم لخلاء فسيح.. خلاء يمتد بعيدا حيث نهايات الافق .. الافق الذي تكاد تلامس نهاياته ابراج معامل الطابوق في بلدة المعامل ..ومن الطرف الغربي .. تلوح من بعيد ملامح مدينة الشماعية ومخازن التبوغ وتكاد تلتحم في نهاية الافق المطبق ..
كان النهر ملاذا ومرتعا ومنتجعا .. تقع على احد جانبيه قرية تدعى او يطلق عليها قرية الدليم نسبة لقاطنيها المحلّيين الذين يعودون في اصولهم وجذورهم لقبيلة الدليم .. كانت القرية محاذية لسكة الحديد , جادة القطار . وتشرف بيوتاتها الطينية على النهر او القناة التي انشأت لسقي الحقول والمزارع القائمة عند ظهر او قفا القرية ...

هذا النص

ملف
سعدي عباس العبد
المشاهدات
108
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى