أمل الكردفاني - المدارس.. مؤسسات لقتل الوقت..

  • حقائبنا المدرسية كانت تسبب لنا ونحن أطفال خلعا في الكتف من ثقلها ، نحمل وزنا لا يقل عن خمسة عشر كيلو جراما من الكتب ... في الواقع تنتهي السنة الدراسية ولا يبقى في ذاكرتنا سوى خمسة او ستة في المائة مما تحمله هذه الكتب من حشو اغلبه لا يتناسب مع قدراتنا العقلية كأطفال....
    كان بالامكان ان يكون كتاب كل مادة دراسية لا يتجاوز عشرين صفحة .. بها زبدة المعرفة بشكل مبسط تمهيدا لاكتشاف ميول الطفل ثم تعزيزها. لكنني شعرت بعد تأملي لهذا وكأن الحكومة كانت تتعجل حشو ادمغتنا لكي تتخلص من مسؤولية مرهقة بالنسبة لها.
    اثنى عشر عاما من سنوات الدراسة المدرسية ضاعت في ما لا يفيد ، حيث كان بامكان المؤسسات التعليمية الاستفادة منها في اكتشاف قدرات الطفل ، ومن ثم استغلال كل هذه السنوات في دعمها وتعزيزها وتطويرها. اثنى عشر عاما يخرج العديد من الطلاب وهم لا يجيدون اي علم من العلوم التي درسوها ؛ بل حتى اللغة تظل ركيكة وبائسة. لو قارنا طفلا في السابعة بدأ عمله كصبي ميكانيكي واستمر اثنى عشر عاما في هذه الصنعة فهو بعد هذه السنوات سيتفوق بسهولة على معلمه ؛ ولو بدأ طفل تعلم الموسيقى او الرسم او اي شيء اخر وقضى كل تلك السنوات في زيادة خبرته في هذا الفن او العلم لخرج لنا عباقرة كثيرون منهم.
    يمضي اثنى عشر عاما في محاولة شديدة العشوائية لتعليم الطفل شتاتا من المعارف الناقصة بل شديدة النقصان ، وغير مركز ولا دسمة ، ويؤدي ذلك لتشتيت ذهن الطفل تشتيتا كبيرا بما يجعله غير قادر على تقصي شغفه بفن او علم معين في سن مبكرة ليتخصص فيه فيحترفه. ثم تأتي امتحانات الانتقال الى الجامعة وتفرض على هذا الطالب اتباع مسطرة قياسية بائسة جدا ؛ وبدلا عن ان يكون الشغف هو الدافع لتحديد مجال الدراسة نجد أن مجال الدراسة تحدده أرقام...رقم عشري يسير هو ما يحدد الى ماذا ستتجه.. قد يؤدي نقص درجة الى توجيهك الى وجهة مختلفة عما لو كانت هذه الدرجة مكتملة.... يبدو لي ذلك شديد العقم والبؤس ، بل واهدارا مهولا لقدرات الانسان..... ربما تعالت اصوات كثيرة ترفض مهزلة السلطة المؤسسية التعليمية ، التي تؤدلج العقل وتفرض عليه الخضوع كما قال ميشيل فوكو ، الخضوع بدون أدنى احتمالية للتمرد او حتى النقد او الاعتراض. صياغة التعليم القديمة هذه يجب ان يعاد النظر فيها ، يجب أن نعطي أهمية أكبر لتهيئة المؤسسة التعليمية لتكون شريكة للطالب وليس وصية عليه. ان تعمل المؤسسة على اكتشاف الطفل وليس على قمعه تحت معاييرها القياسية التحكمية. عملية التعليم يجب أن تتغير تماما... يجب ان نفكر في علاج لهذا الهدر الزمني من عمر الانسان...

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
148
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى