عبد المجيد برزاني - خالي " حمزة ".. قصة قصيرة

لم نكن نعرف الشيء الكثير عن حمزة أصغر أخوالي. منذ كنا صغيرات السن، قبل عقد من الزمن، كلما ذكِر اسمُه انخفض صوتا أبي وأمي، وصارا يهمهمان في أذني بعضهما. لما كبرنا، وأصبحت جدتي لأمي تزورنا لماما وتدعو لي ولأختي أن يرزقنا الله ابن الحلال والذرية الحسنة، علمنا أن خالي حمزة يقيم في سجن قريب من المدينة. وأنه قضى زهاء الخمس عشرة سنة من عمره مترددا على المؤسسات السجنية، القريبة منها والبعيدة، بسبب المشاجرات الناجمة عن تعاطي وبيع المخدرات والكحول. لم يحضر جنازة أبيه، فموت جدي صادف إحدى فترات تخييمه هناك. وجدتي لا تكون مطمئنة بشوشة باسمة ضاحكة إلا إذا كان حمزة ضيفا على الحكومة في أحد زنازينها. تطهو له ما يحب من الطعام وتزوره بين الفينة والفينة. تدعو له بالهداية وتقول أن حالها يكون أسْوءَ بكثير عندما يكون خارج أسوار السجن، لأنها تبيت الليل تنتظره أو تنتظر من يأتيها بأخباره المفعمة بالدم الآدمي والمضمخة بروائح الخمر والصراخ وفاجر السباب والوعيد واستنكار الجيران ... هكذا تقضي أيامها إلى أن يغيّبه السجن ثانية فيريحها إلى حين ... بالأمس حين زارنا خالي حمزة برفقة جدتي، لم نتعرف عليه من أول وهلة. كان قد بلغ الثالثة وثلاين من عمره . معارك عقد ونصف من الزمن تركت على وهجه وعنقه ندوبا غائرة وبأشكال مختلفة، كأنما كان يدرأ بوجهه وعنقه طعنات السيوف المتوجهة إلى باقي جسده. أدردَهُ السجنُ ولم يترك سوى بضع شعيرات على مقدمة رأسه. كان يحمل على ذراعيه طعنتي سكين ، قادما من مستعجلات مستشفى المدينة الجامعي حيث رتقوا على جسمه ما فتقته حرب الليلة السابقة .. سألته جدتي كيف تعاملت معه مصلحة المستعجلات وهو لا يحمل بطاقة هويته، فأجابها بصوت أجش أن عليهم أولا أن يعالجوه قبل الخوض في تفاصيل جزئية تافهة.. فغر أبي فاه وتبادل نظرات استغراب مع أمي ..
- غدا سأذهب إلى مستوصف الحي لتنظيف الجروح وتغيير الضمادات ، أضاف وهو يهم بالنهوض. ثم متوجها بالكلام إلى أبي الذي لازال يبحلق فيه :
- الأمر سهل .. أدخل وأشرع في تكسير كل شيء وضرب كل من يقترب مني ،، بعد ذلك سيان إن عالجوني في الحين أو أتت الشرطة لتعتقلني .. في الحالتين سيطهرون جرحي ويبدلون ضماداتي ،، مجانا ، ومن دون بطاقة هوية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى