فتاح شيخي - قال خلفان.. قصة قصيرة

البئر.. المدرسة.. نساء القرية... القوارب. والمزارع العطشى.. كل شيء هنا مبهم قال صديقي قبل أن يبدأ حكيه.

صغيرة هي القرية بحجم نظرتك الى القمر الساحر في لياليها الرطبة المظلمة.. تبدو من أعلى المرتفع بيوتا هرمة .. متناثرة.. متعبة صامتة صمت مقبرتها التي تتوسط حقول النخيل .. هامدة. كالظل تائهة. تطيل وتمدد وقتاكما تشاء وتتقلص كما تشاء. فقط مزارع النخيل تشهد كبرياء سكانها وحدها الضياء وهي دليل الغرباء إليهم. أما البئر فعمق ذاكرتها تغور في الجوف تتوغل في ملوحة زمنها الاحفوري . الوقت صباحا. شروق محفوف بالمخاطر بالأمل بأسرار جديدة . نعيق الغربان المتعالية المتلاحقة في لا مبالاة تنشد سمفونية داكنة صاخبة . تكسر الصمت , توحي بالحياة . بوجود ما.

من بين الفجاج يتصاعد الغبار يعلن وصول سيارات البيكب المحملة بطلاب المدرسة مسرعة من كل صوب تفض بكارة هذا الصباح يتسابق الصبية في فرح استعدادا للمدرسة يقتحمون بوابتها الصغيرة. بداية يوم جديد يؤرخ للقرية زمنها.

وحدها المدرسة متنفس قريتنا والقرى المجاورة قال خلفان في انتشاء وفرحة بدت على وجنتيه وكأنه يحاول أن يطمئنني لتحمل القرية وغربتي .. أكتافهم مثقلة ، وفي عيونهم فرحة وبراءة ووراءهم إسرارا من الأودية والسفوح المتوارية .

من ذا الذي لا يعرف المدرسة؟ من ذا الذي لا تعرف المدرسة سر بيته ؟ وحدها سر القرية وسر الجبال المطلة على القرية هي حارسها وعيونها.... هي ذاكرة من مروا من القرية .

هي اصغر من الأطفال يرتب زمنها البحر . فاجأني خلفان وهو يتساءل عن البئر والمدرسة والبحر. عن المقبرة التي لا يزور مدافنها احد عن الغراب المتشبث بنخيل القرية ... فبحر القرية قوتها /ومعيشها سر وكنز وفرصة للبقاء.. فمع كل فجر جديد ينزل الرجال الى البحر قواربهم تمخر العباب ... وشباك مرتقة....

الوقت ظهرا. حر ورطوبة وعودة الأطفال الى البيوت وسكون يخيم إلى آذان العصر. يستيقظ الشيوخ من قيلولة مجبرة

يصلون يسترجعون ماضيهم يحتسون القهوة والتمر تحت ظل شجرة المسجد الوحيد...

في المساء تعود الغربان للنعاق تعود الإنعام إلى زريبة مشتركة.. يعود صيادو السمك قبيل الغروب . كان الصيد وفيرا

يتجمع الصبية وبعض النسوة تتعالى الأصوات.. بيع وشراء سوق على رمل شاطئ القرية لا رقيب على الأسعار كل يبيع بالتراضي... لا مضاربة .... ولا احتكار.

والبئر للنسوة وحدهن لم يخبرني خلفان عنها . البئر سر من أسرار القرية ؟ كنت اساله

ظل صامتا . وكأنه يجرني إلى متاهة أخرى قال لي انظر يا أستاذ إلى تلك الغربان كيف تتجمع لفك غراب علق بالسدرة بشجرة الشوك .... من قال أن الغراب شؤم العرب فقد أخطأ.

في الليل سمعت صراخا ونحيب نسوة ، علمت أن خلفان فارق الحياة في البحر ، ولا زالت القوارب تجوب البحر والأهالي والأطفال على أمل أن يرمي البحر بجثته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى