نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أحمد حسن الزيات - 2 - الشعر في صدر الإسلام وعهد بني أمية..

  1. خصائص الشعر في العراق

    لعل الشعر العراقي الإسلامي أصدق ما يصور حياة البادية، وأصح ما يعبر عن نفسية العرب؛ فانه - وإن كان كما قلنا استمراراً للشعر الجاهلي يصدر عن دوافعه، وينبع من منابعه - أنقى جملة وأبين علة وأصح نسبة، لقربه من عصر التدوين واتصاله بأسباب السياسة وأحداث التاريخ. وهو مظهر لتلك الحياة المدنية الأولية التي هيأها الإسلام للعرب لأول مرة، فجعل من الأشتات وحدة ظاهرها الجماعة والألفة، وباطنها العداوة والفرقة؛ فهو مهاجاة بين الأفراد، ومساجلة بين الأحزاب، ومفاخرة بين القبائل، ومدح للزعماء والخلفاء؛ وهذه الموضوعات بطبيعتها تقتضي اللفظ الجزل والأسلوب الرصين والعروض الطويل والصور البدوية، وتعتمد في الهجاء على مثالب الآباء من جبن وبخل وقلة وذلة، وفي المدح والفخر على ذكر أيامهم الدامية الماضية وما ظفر فيها أسلافهم من الغلب والسلب. فالهجاء في هذا العهد بأنواعه الخاصة والعامة يكاد يكون مظهره العراق، لتكالب القبائل المتعادية عليه، وظهور المذاهب المتباينة فيه، وغلبة البداوة والأنفة والبطر على أهله. فشعراؤه يبتدئون به ويفتنون فيه ويعيشون عليه، وهو ينتحل الأسباب المختلفة، ويرتدي الأثواب المتعددة، فيكون فرديا وقبليا ووطنيا ودينيا وسياسيا، ولكنه في الواقع إنما يصدر من باعث واحد هو العصبية الموروثة والأحقاد القديمة

    وقد ينبت المرعى على دِ مَن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا

    فقائل هذا البيت غياث بن غوث الأخطل صوت الجزيرة ولسان التغلبية وأديب النصرانية وشاعر الأموية. كان أول ما غرم به من شعر الهجاء، هجا امرأة أبيه وهو صغير، وهجا كعب بن جعيل شاعر تغلب، فأهمله وهو يافع، وعلق به لقب الأخطل منذ شب لسفاهته. ثم مضى يقرض الشعر فيما يشجر من الخصومة بينه وبين الناس، أو بين قبيلته وبين القبائل، حتى كان بين يزيد بن معاوية وهو ولي العهد وبين عبد الرحمن بن حسان الأنصاري تقاول وجدل، فطلب من كعب بن جعيل أن يهجو الأنصار، فتحرج أن يذم قوما آووا رسول الله ونصروه، وقال له: أدلك على الشاعر الفاجر الماهر (يريد الأخطل): فهج الأخطل الأنصار بالفلاحة واللؤم والخمر، وفضل عليهم قريشاً في قصيدته الرائية، وكاد يشفى من ذلك على الخطر لولا عون يزيد؛ وبالغ الأمويين في إيثاره وإكرامه، وأمعن هو في النفح عنهم، فناضل الزبيريين بعد الأنصار، وصمد إلى القبائل القيسية فهتك عنها حجاب الشرف قبيلة قبيلة بقصيدته التي مطلعها:

    ألا يا اسملي يا هندُ هندَ بني بكر ... وإن كان حيَّاناً عِدَي آخر الدهر

    لمناصبته الأمويين العداء من جهة، ولا قتحامها الجزيرة على قومه من جهة أخرى، ثم ختم حياته بممالأة الفرزدق ومهاجاة جرير. والأخطل وإن كان شديد التمسك بنصرانيته، على وثيق صلاته بالخلفاء، لم يشذ عن طبيعة العرب في التدين، فقد قال الأب لامنس في فصل كتبه عنه: (إن أثر النصرانية في دين الأخطل ضئيل، ونصرانيته سطحية ككل العقائد الدينية عند البدو)، فهو يدمن الخمر في حمى الدين، ويكثر الهجاء في حمى الخليفة، ويهاجم القبائل في حمى تغلب؛ ولكن هجاءه كان عفيف اللفظ لا يركب فيه متن الشطط ولا يتجاوز به حدود الخلق

    وأبو فراس همام بن غالب الفرزدق الدرامي ثم التميمي نشأ كذلك بالبصرة على قول الهجاء مع شرف أسرته وغنى قبيلته وعزة نفسه؛ فكان يهجو بني قومه لحدة طبعه وشراسة خلقه، فيشكونه إلى أبيه فيضربه؛ ثم لج في هجاء الناس حتى استعدوا عليه زياداً والي العراق لمعاوية، فطلبه ففر منه في مدن العراق وقبائله، ثم لجأ إلى المدينة واستجار بواليها سعيد بن العاص من زياد فأجاره؛ فلما مات زياد عاد الشاعر إلى وطنه فساهم فيما وقع فيه من حروب وفتن بعد موت معاوية ويزيد، حتى مني بمهاجاة جرير فشغلت وملأت عمره وصقلت شعره، وظلت هذه المهاجاة أربعين سنة ونيفاً كان منها للناس مشغلة، وللوسواس مهزلة، وللأدب العربي ثروة ضخمة من الشعر لا تخلو على سفاهتها وبذاءتها من حكمة. وكان جرير بن عطية الخطفي التميمي قد قال الشعر كصاحبه في الحداثة الباكرة، وقاله مثلها في الهجاء، ولكنه بدأ بالرجز على نحو ما يكون من الرعاة وهو منهم. وكان خمول عشيرته وضعة أسرته وفقر أبيه وحدة خلقه من العوامل التي ساعدت الطبع على نبوغه في الشعر وتفوقه في الهجاء؛ وكان أول من نازله وأفحمه غسان السليطي حين هجا قومه، فاستغاث السليطي بالبعيث فأغاثه وهجا جرير، فنقض جرير قوله بالهجاء اللاذع، فناضل عنه الفرزدق لموجدة في نفسه على جرير، وتهاجى الشاعران التميميان من أجل ذلك. وفضل الأخطل الفرزدق على جرير إما لدفاعه عن قيس، وإما لرشوة محمد بن عمير إياه، فهجاه جرير، ثم نبحه الهجاء من كل مكان حتى نصب له من الأقران ثمانون شاعراً ظهر عليهم جميعاً إلا الفرزدق والأخطل فانهما ثبتا له ونازعاه الغلبة. وانشعب الناس في أمر جرير والفرزدق شعبتين تناصر كل منهما أحد الشاعرين؛ وكان بين الفرزدقيين والجريريين ما بين العلويين والأمويين، يطلب كل منهما الغلبة لصاحبه بالدعاية والنكاية والرغبة والرهبة والحلف، يقوم الأولون بالمربد والآخرون بمقبرة بني حصن، وقد وقف الشاعران كل بين أتباعه وأشياعه ينشدهم شعره وهم يكتبونه، والرواة ينشرونه، والأدباء والأمراء يتناولون ما يروى بالموازنة والنقد والحكم، والأنصار يحاولون رشوة الشعراء واستمالة العلماء ليحكموا لصاحبهم على خصمه؛ فقد روى الأغاني أن أحدهم تبرع بأربعة آلاف درهم وبفرس لمن يفضل الفرزدق على جرير. وليس أدل على اهتمام الناس بأمرهما واختلافهم في الحكم على شعرهما من أن يتهادن الجيشان المتقاتلان ساعة ليحكم أحد الخوارج الأدباء بين رجلين من رجال المهلب تنازعا في أمر جرير والفرزدق، فقد ذكر ابن سلام أن رجلين تنازعا في عسكر المهلب في جرير والفرزدق وهو بازاء الخوارج، فصار إليه فقال لا أقول فيهما شيئاً، وكره أن يعرض نفسه لشرهما، ولكن أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيد بن هلال، وهو يومئذ في عسكر قطري بن الفجاءة، فأتيا فوقفا حيال المعسكر فدعواه فخرج يجر رمحه، وظن أنه دعي إلى المبارزة، فقالا له: آلفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: عليكما وعليهما لعنة الله! فقالا: نحب أن تخبرنا ثم نصير إلى ما تريد، فقال من يقول

    وطوى القيادُ مع الطراد بطونها ... طي التَّجار بحضرموت برُوَدا

    قالا: جرير. قال: هو أشعرهما

    وهناك طائفة أخرى من شعراء العراق كعبيد الراعي وأبي النجم العجلي والراجز اتخذوا من الشعر ظفراً وباباً مزقوا بهما الأعراض وأشاعوا هجر القول في الناس، ولكن أحدهم لم يبلغ من سطوة الشعر ونباهة الذكر ما بلغ جرير والفرزدق والأخطل، لأنهم كما قال أبو عبيدة: (أعطوا حظاً من الشعر لم يعطه أحد في الإسلام: مدحوا قوماً فرفعوهم، وذموا قوماً فوضعوهم، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأنهضوهم، وهجاهم آخرون فرغبوا بأنفسهم عن جوابهم فأسقطوهم)

    مذهبهم في الهجاء

    مذهبهم في الهجاء هو المذهب المتبع والطراز الغالب؛ على أنهم يتفاوتون فيه تفاوتهم في الطبقة والبيئة والطبع

    فالأخطل سيد في قومه، كريم في نسبه، نبيل في نفسه، يعاقر الخمر ويجلس الملوك ويحترم الدين ويحتمل في سبيله ضرب الأسقف وأذى السجن وإن كان لا يتعبد ولا يتزهد. ومن أجل ذلك كانت لغته في الهجاء كما ذكرنا من قبل لغة الخاصة، لا يسف إلى القبيح ولا يستعين بالمخازي، وإنما يهاجم القرن في صفات الرجولة فينفي عنه الكرم والبأس والمجد والصدق كقوله في تيم:

    وكنت إذا لقيت عبيد تيمٍ ... وتيما قلت أيهما العبيد!
    لئيم العالمين يسود تيماً ... وسيدهم وإن كرهوا مسود

    وكقوله في كليب بن يربوع:

    بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزَّاء والسكَر
    قوم تناهت إليهم كل مخزية ... وكل فاحشة سُبَّت بها مضر
    الآكلون خبيث الزاد وحدهمُ ... والسائلون بظهر الغيب ما الخبر
    وأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطنَ الراحة الشعَر

    ولعل أفحش هجائه قوله في قوم جرير:

    قوم إذا استنبح الضيفان كلبُهم ... قالوا لأمهمُ بولي على النار
    فتمنع البول شحاً أن تجود به ... ولا تجود به إلا بمقدار
    والخبز كالعنبر الهندي عندهُم ... والقمح خمسون إردباً بدينار

    فترى أنه حتى في إقذاعه وإيجاعه لا يتدلى إلى ذكر المثالب الخاصة والمعايب الفردية، وإنما يهاجم قبيلة الخصم كلها فيقايس بينها وبين قبيلته في السمو إلى المعالي والسبق إلى الغايات، وفي ذلك يجد بلاغه ومدده، فلا يضطر اضطرار جرير إلى ذكر الصغائر التماساً للغلبة الدنيئة من أقرب طريق. انظر إلى قوله لجرير: يا ابن المراغة إن عَمَّىَّ اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا

    وأخوهم السفاح ظمَّأ خيله ... حتى وردن حبى الكلاب نهالا
    فانعقْ بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا
    منتك نفسك أن تكون كدارم ... أو أن توازي حاجباً وعقالا

    وإلى قوله له:

    ولقد شددتَ على المراغة سرجها ... حتى نزعت وأنت غير مجيد
    وعصرت نطفتها لتدرك دارماً ... هيهات من أمل عليك بعيد
    وإذا تعاظمت الأمور لدارم ... طأطأت رأسك عن قبائلِ صيد
    وإذا عددت بيوت قومك لم تجد ... بيتاً كبيت عطارد ولبيد

    تجد أن هجاءه أقرب ما يكون إلى المنافرة والفخر. ومن الواضح أن هذا الهجاء العفيف المترفع وإن أمض لا يجري مع هجاء جرير في ميدان، ولا يستوي وإياه عند العامة في ميزان، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك خمود الشيخوخة في الأخطل وحدة الشبيبة في جرير؟ إن جريرا نفسه قد علل وناء خصمه عنه في آخر الشوط بكبر سنه، فقد قال: (أدركته وله ناب واحد، ولو أدركته وله نابان لأكلني). وقال في قصيدته النونية التي هجا بها الأخطل على أثر تفضيله الفرزدق عليه:

    جاريت مُطّلع الرهان بنابهٍ ... رَوْقُ شبيبته وعمرك فان

    وإذا استثنينا هجاء الأخطل لجرير وجدنا أشهر أهاجيه إنما قالها في أغراض قومية أو سياسية. ومن تلك الأهاجي المأثورة قصيدتان تلخصان مذهبه وتصوران فنه: الأولى في هجاء القبائل القيسية ومطلعها:

    ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... وإن كان حيّانا عِدَي آخر الدهر

    والأخرى في مدح عبد الملك بن مروان وذم خصومه ومطلعها:

    خف القطين فراحوا منك أو بَكَروا ... وأزعجتهم نوى في صرفها غِيَرُ

    ومنها:

    بني أمية إني ناصح لكم ... فلا يبيتن منكم آمن زُفَرِ

    فان مشهده كفر وغائلة ... وما يُغيَّب من أخلاقه وعرِ إن العداوة تلقاها وإن كمنت ... كالعُر يكمن حينا ثم ينتشر

    بني أمية قد ناضلت دونكم ... أبناء قوم همُ آووا وهم نصروا

    وقيسَ عيلان حتى أقبلوا رُقُصاً ... فبايعوك جهاراً بعد ما كفروا

    ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر

    والأخطل لنصرانيته لم يستطع أن يتخذ من الإسلام سبيل للفخر ولا مادة للهجاء، فاكتفى بذكر مناقب آبائه ومثالب أعدائه، على أن يستغل أحيانا بعض ما أنكر الإسلام فيهجوا وإن كان هو يستبيحه، كقوله في الأنصار يرميهم بشرب الخمر:

    قوم إذا هدر العصير رأيتهم ... حمراً عيونهمُ من المسطار

    وكقوله في كليب بن يربوع:

    بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم ... إذا جرت فيهمُ المزَّاء والسكَر

    يتبع

    الزيات





    مجلة الرسالة - العدد 117
    بتاريخ: 30 - 09 - 1935
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..