نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

إدوارد وليم لين - 26 - المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر.. للأستاذ عدلي طاهر نور

  1. تابع الفصل الثامن - عادات المجتمع العامة

    للطبقة المهذبة تحيات وتهنئات أخرى متكلفة تتبع السلام. كما أن هناك عبارات خاصة للرد على أكثرها أو عبارتين أو أكثر قد تستعملان في بعض الأحوال. غير أن الرد الذي لم تلزمه العادة قد يعتبر دليلاً على الجهل أو الخساسة. وعندما يسأل رجل صديقه (كيف صحتك) يجيبه الآخر (الحمد لله) ويستدل المستفهم باللهجة التي يرد بها الآخر إذا كان صديقه معافى أو مريضاً، وعندما يقول الواحد للآخر (طيبين) يجيب الآخر عادة (الله يبارك فيك) أو (الله يسلمك)، وعندما يتقابل صديقان لم يلتقيا عدة أيام أو وقتا طويلاً يقول أحدهما بعد السلام (أوحشتنا) فيجيبه الآخر: (الله لا يوحشنا منك). وقد يشغل ذكر التهنئات الفخمة التي يستعملها المصريون عادة صفحات من هذا الكتاب.

    ولا يدخل الرجل منزل غيره بدون استئذان لأن القرآن حرم ذلك صراحة، وعلى الأخص إذا كان يريد أن يصعد إلى إحدى الغرف العليا، فلابد في هذه الحالة أن يصيح طالباً الإذن، أو يعلن قدومه عندما يصعد السلم بالطريقة التي وصفتها سابقاً. وإذا لم يجد أحدا أسفل المنزل يصفق بيديه عند الباب أو في الفناء وينتظر نزول الخادم إليه أو الإذن له بالجلوس في حجرة سفلى أو بالصعود إلى غرفة عليا. ثم يحيي رب الدار عندما يدخل الغرفة التي يجلس فيها، فيرد عليه رب الدار ويرحب به بأدب وبشاشة. ويقف رب الدار لمن كان أعظم منه ولأقرانه على العموم، ويتقدم لاستقبال من هم أعلى منه مركزا إلى الفناء أو بين الفناء وغرفة الاستقبال، أو في مدخل الغرفة أو وسطها، أو على بعد خطوة من مكان جلوسه. وكثيراً ما يكتفي عند استقبال أقرانه بأن يتحرك حركة خفيفة كما لو كان يه بالوقوف. ولا يتحرك لمن دونه مقاماً. ويقدم رب الدار إلى الرفيع القدر وإلى أقرانه غالبا أفضل مكان في ركن من الديوان على يمين من يواجه (صدر) الغرفة أي طرفها الأعلى، ويعتبر المجلس الممتد بطول (الصدر) أكثر إجلالاً من المجلسين الممتدين على الجانبين، ويسمي كل منهما (جنببا)، ولا يجلس من هم دون رب الدار في الصدر أبداً إلا إذا دعاهم إلى ذلك. وكثيراً ما يرفضون هذا الشرف. ويجلس أقران رب الدار واضعين رجلاً على رجل، أو رافعين ركبتهم ومستندين على المساند. وكثيراً ما يجلس من دونه بادئ الأمر على الأقل، على أعقابهم أو على حافة الديوان أو على الحصير أو البساط إذا كان فرق المكانة بينهما كبيراً. وتقتضي دقة الآداب ألا يظهر الزائر يديه عند دخول الغرفة أو عند الجلوس، ويجب أن يسبل كميه عليهما، وألا يمد رجليه عندما يجلس على الديوان، وألا يترك قدميه مكشوفتين، ولكن هذه القواعد لا تراعى إلا في منازل العظماء. وتردد التهاني والتحيات بعد السلام وعلى الأخص عبارتا (طيبين) و (إيش حالكم) مرات عديدة أثناء المحادثة.

    وقد يقوم أحياناً خادم الزائر نفسه بتقديم الشبك، فيخرج السيد كيس التبغ من عبه ويناوله الخادم الذي يملأ الشبك منه ثم يطويه ويعيده بعد ذلك أو عند انتهاء الزيارة. وفي غير هذه الحالة يقدم خادم المضيف شبكا إلى الزائر وآخر إلى سيده ثم يتناول القهوة لأن التدخين بدون قهوة الطعام بلا ملح، كما يقول الغرب. ويحيي الزائر رب الدار عندما يتناول الشبك والقهوة بالتمنية فيردها الأخير إليه، وكذلك الأمر عندما يعيد الفنجان إلى الخادم، كما أن رب الدار يحيي ضيفه بالطريقة نفسها إذا لم يكن الفرق بينهما كبيراً. وكثيراً ما يلبث الخدم في الغرفة مدة الزيارة واقفين باحترام عند طرفي الغرفة الأسفل ضامين اليدين (اليسرى في اليمنى) فوق الحزام، وينادي على الخدم عادة بالتصفيق بأصابع اليمنى على راحة اليسرى، ويسمع صوت التصفيق في المنزل لأن النوافذ من الخشب المشبك. ويدور الحديث على الأخبار اليومية وحال التجارة وأسعار المؤن، والدين والعلوم أحياناً، وتروي الحكايات الفكاهية. ويحدث كثيراً أن تسرد القصص والأمثال البذيئة في غير المجتمعات. وقلما يتحدث الناس في المجتمعات الطيبة عن نسائهم، ولكن كثيراً ما يفعل ذلك الأصدقاء الخلص ومن لا يراعي دقة قواعد الأدب بطريقة لا تكون لطيفة دائماً. ويستفسر المهذبون كل عن (منزل) الآخر للاطمئنان على الزوجة والعائلة. وكثيراً ما تشغل الزيارات وقتاً طويلاً، وقد تستمر أحياناً طول اليوم وعلى الأخص زيارات الحريم. ويتكرر حشو الشبك أو تبدل بغيرها كلما اقتضت الضرورة ذلك لأن الزائر لا ينقطع عن التدخين مدة بقائه. ويعاد تقديم القهوة والأشربة أحياناً. وقد سبق وصف طريقة تقديم القهوة والأشربة. وتقدم التهاني نفسها إلى الزائر بعد الشراب كما تقدم كذلك بعد جرعة ماء.

    وجرت العادة في منازل الأثرياء أن يرش الضيوف قبل انصرافهم بماء الورد وماء الزهر، ويطيبون ببخور بعض المواد العطرية. وقد أصبحت هذه العادة شائعة في السنوات الأخيرة. وتكون قارورة العطر المسماة (قمقماً) من الفضة الساذجة أو المذهبة، أو من النحاس الدقيق أو من الفخار الصيني أو من الزجاج ولها غطاء به ثقب صغير. أما أداة البخور المسماة (مبخرة) فتكون من أحد المعادن المذكورة ويجهز وعاء الجمر بالجص أو يملأ نصفه، وبغطائه عدة ثقوب لصعود الدخان (أنظر شكل رقم51). وتستعمل المبخرة بعد القمقم. ويقدمها الخادم إلى الزائر أو السيد فيحول البخور نحو وجهه ولحيته الخ، بيمناه. وتفتح المبخرة أحيانا لإرسال البخور بلا عائق. وأكثر المواد استعمالاً: العود والجاوي وقشر العنبر. ويبلل الخشب العطري قبل أن يوضع على الجمر. ويستعمل العنبر للغرض نفسه ولكن يندر استعماله إلا في منازل الأثرياء لغلو ثمنه. وينصرف الزائر بعد أن يعطر؛ ولكنه لا يخرج قبل أن يستأذن ثم يقرأ السلام ويقدم غير ذلك من التحيات والتمنيات التي يرد عليها رداً موافقاً. ويجب على رب الدار إذا كان الزائر يفضله مركزا ألا يقوم له فحسب، بل يرافقه إلى أعلى السلم أو إلى باب الغرفة ثم يودعه في أمان الله.

    ومن المعتاد أن يعطي الزائر قبل انصرافه من الزيارات العظيمة هدية صغيرة قرشين أو ثلاثة قروش أو أكثر حسب الظروف، إلى أحد الخدم أو بعضهم. ويرافق الزائر أحد الخدم إذا كان مطيته على الباب أو في الفناء ليساعده على الركوب، وينتظر هذا الخادم الحسن الالتفات - على الأخص - عطية، وعندما يعطي الزائر الخدم نقوداً فعلى السيد أن يرد المثل تماما عند رده الزيارة.

    وكثيراً ما يتبادل الأصدقاء الهدايا تبعا للعادة العامة، ويقدم الأصدقاء الهدايا عند أي حفل خاص، والقاعدة العامة أن يرد إلى مقدم الهدية واحدة مماثلة أو في قيمتها عند مناسبة مماثلة. والشائع أن يعبر المهدى إليه في مثل هذا الحفل عن رجائه استطاعة رد الهدية في مناسبة مشابهة، ويعتبر هذا الشكر المصحوب بالإشارة إلى وفاء دين الهدية أدباً وتلطفاً في هذا البلد وإن كان الأوربي الكريم يراه إهانة له. وتلف الهدية في منديل مطرز يعاد إلى الرسول مع منحة مالية صغيرة. ومن الهدايا الشائعة الفاكهة تقدم على أوراق الشجر، والحلوى في طبق أو على صينية تغطى بمنديل ثمين أو بمفرش. وكثيراً ما تقدم الهدية إلى العظيم لأجل الحصول على هدية أثمن، ويفعل هذا غالبا الخادم. وقلما يرفض السيد الهدية، ولكنه يدفع في الحال نقوداً تفوق قيمتها. وليست عادة منح الخدم منحة بعد الزيارة شائعة الآن كما كانت منذ بضع سنوات. إلا أنه لا يزال أغلب الناس يراعون ذلك في الزيارات الكبيرة وعلى الأخص في العيدين، كما يراعى ذلك المدعوون إلى الحفلات الخاصة، وسنصف عادات أخرى مثل العادات الأولى يراعيها المصريون في هذه الحفلات في الفصل السابع والعشرين ويعتبر رفض الهدية إهانة لمقدمها، وتعبيراً عن زوال الحظوة.

    وهناك عادات كثيرة يراعيها المصريون، لا في الزيارات الكبيرة، أو في حضرة الغرباء، أو عند مقابلة الأصدقاء العارضة فحسب، بل في العلاقات العادية، فعندما يعطس الرجل يقول: الحمد لله، فيقول كل من الحاضرين حينئذ ما عدا الخدم: يرحمكم الله، فيرد عليهم: يهدينا ويهديكم الله، أو بعبارة مماثلة. وإذا تثاءب يضع ظهر يسراه على فمه، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ولا يقال له شيء في هذه الحالة، لأن تجنب ذلك أجدر، إذ المعتقد أن الشيطان يقفز إلى فم المتثائب. والعادة أن يستغفر الله من يخالف قواعد الآداب بدلا من الاعتذار للحاضرين. وهناك عدة عبارات تقال بعد الحلاقة أو الاستحمام أو الوضوء أو الصلاة، أو أي فعل يستحق الثواب، أو عند القيام من النوم أو عندما تشترى ملابس جديدة أو تلبس، وفي عدة مناسبات أخرى، ولتلك العبارات أجوبة خاصة.

    والقاعدة أن يكرم المسلمون يمناهم يداً وقدماً، فيستعملون اليد اليمنى للأغراض الجليلة واليسرى للأعمال التي تعتبر على رغم ضرورتها حقيرة، ويلبسون الحذاء الأيمن ويخلعونه قبل الأيسر، ويخطون عتبة الباب بالقدم اليمنى قبل اليسرى.

    ويجامل المصريون بعضهم بعضاً إلى أقصى حد. ولتحيتهم وسلوكهم العام رقة ووقار خاصان ومهارة سلسلة تبدو أنها في طبيعتهم لملاحظتها في الفلاحين أيضاً. ويتفاخر أهل المدن من الطبقتين الوسطى والعليا بحسن الأدب ورشاقة المنهج وقوة الذكاء وطلاقة اللسان؛ إلا أنهم ليسوا أقل خلاعة في أحاديثهم من مواطنيهم الأقل تربية. ويمتاز المصري على اختلاف طبقاته بالبشاشة والأنس. ومن المألوف أن ترى غريبين يتحدثان بحرية كما لو كانا صديقين قديمين في أي مكان، ويقدم أحدهما شيكه إلى الآخر، وليس من غير المعتاد ولا من سوء الأدب أن يستفسر الغريب في أول مقابلة عرضية عن اسم الآخر وصناعته أو تجارته ومسكنه. وكثيراً ما تنشأ في مثل هذه المناسبات صداقة دائمة بينهما. وقلما يسمع في مجتمعات الطبقتين العليا والوسطى ما يمس شعور الحاضرين؛ ولا يجرؤ الخليع مهما كانت خلاعته أن ينطق أي عبارة يقصد بها الهزؤ. ومع ذلك فأغلب الناس من جميع الطبقات هم خلعاء في أحاديثهم ويحبون الدعاية إلى أقصى حد. وحديث المصريين مؤثر حار، ولكن أفراحهم تكون أبداً بلا جلبة تقريباً. وقلما يستسلمون للضحك العالي وإنما يعبرون عن سرورهم بالابتسام أو الهتاف.

    (يتبع)

    عدلي طاهر نور





    مجلة الرسالة - العدد 453
    بتاريخ: 09 - 03 - 1942
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..