نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

إبراهيم محمود - السلاسل-.. قصة

  1. يا للسلاسل العجيبة !
    عبارة، لطالما قلتها بيني وبين نفسي، رددتُها بوعي ومن دونه. حرتُ في أمرها، هي حيرة لا أعلم منذ متى وجِدت معي. لست وحدي في هذا المقام، فما أكثرنا، إذ يندر وجود من ليس في رقبته سلسلة. جل ما أعلم به، وكما قيل لي، أنها سلاسل يصعب، وربما يستحيل تأريخها. هكذا عرِف آباؤنا، أجدادنا، آباء آبائنا، وأجداد أجدادنا، فليس هناك هناك حقيقة مؤكدة كهذه بصددها. سلاسل يسهل التعرف عليها، وهي ذات مقاييس، فيها الثخينة، الرفيعة والمتوسطة، فيها الليّنة، والقاسية، فيها المسننة، الحادة، الخشنة والملساء. سلاسل هائلة التنوع في مادتها المعدنية: حديدية، نحاسية، فضية وذهبية أحياناً. أضف إلى ذلك أنها سلاسل في غاية الاختلاف بألوانها، من حمراء، إلى صفراء، فبيضاء، سوداء، مزكشة، فوسقورية، باهتة، وقاتمة...الخ.
    من أين لهم هذه القدرة الغريبة في إيجاد مثل هذه السلاسل، بحيث تتناسب كل سلسلة مع رقبة حاملها !
    تردد صوت :
    إنهم يعرفون بطبيعة رقبة أحدهم، حتى قبل ولادته، فيحددونها : مادة، شكلاً ولوناً، قابلة للتغيير مع عمره وموقعه.
    ومنذ متى كانت موجودة ؟
    جاء الصوت واضحاً بكل نبراته:
    هذا لا يعلمه إلا هم، وربما هم أنفسهم لا يعلمون بذلك. جل ما يعلمون بأمره، هو أنهم توارثوا هذه الصنعة، ووجدوا أنفسهم مركّزين عليها، من خلال كوادر كثيرة العدد، مدرَّبة، وتحاط علماً بكل صغيرة وكبيرة بصدد أي رقبة .
    إنما لماذا ؟
    تردد صوت كسابقه:
    هنا تكمن حكمة السلاسل، فبها يمكن للجميع أن يعرفوا بعضهم بعضاً. إن كل حركة سلسلة تنبّه الجميع هؤلاء، ويسمع بها المعنيون بأمرهم. كل اهتزاز صادر عن أي سلسلة، وفي أي رقبة كانت: كبيرة أم صغيرة، رجلاً أم امرأة، أمياً أم عالماً، يكون له نظيره في الجهة التي يشرف عليها أولو أمرها وعلى مدار الساعة. كل قعقعة لها حسابها بالنسبة إليهم، وبالتالي، فإنه ما أن يقوم أحدهم بحركة شد، أو تحريك خارج المتاح له، يشد الآخرين إليهم، يتنبهون له، والأهم، أنها تشعل زراً خاصاً بأمره في الجهة المشار إليها، وقد تجرح، بطريقة مفاجئة من باب الردع والانضباط .
    لكنها تعيق الحركة، ومزعجة، وتمنع التنفس الحر؟ هكذا رددت سؤالي المركَّب، بيني وبين نفسي ؟
    تردد صوت في الجوار:
    لا، لا، لا ! ليس من جهة أبدعت في طريقة لجعل الناس مشدودين إلى بعضهم بعضاً مثل هذه. فهي تمكّن من في الجوار، وفي الحال، من معرفة من يحرك سلسلة رقبته، أو هزّها بصورة ما، فيلتفت إليه منبهاً إياه إلى ذلك، لعلمه أنها حركة لا تفوَّت، وتكون محسوبة عليه وعلى الآخرين . فهي تضبط الجميع، ويكونون ملتحمين مع بعضهم بعضاً. وهناك أمر آخر، وهو أنهم اعتادوا ذلك. في البداية، كان هناك سخط، وفيما بعد ألِفوها، وتجد أحدهم أحياناً مضطرباً، قلقاً، لا يحسن السير، أو التنفس، أوحتى الكلام، من دون سلسلته، في الحالات التي يجري تغييرها، وهي تستغرق بعض الزمن. عدا عن هذه وتلك، إن كل سلسلة تحمل مجموعة معلومات، تخص اسم صاحبها: تاريخ ولادته، لقبه، عمله، بعض المهِم عنه.
    ثم من قال لك، أنها سلاسل؟ هي ليست كذلك في الواقع، بما أنها أصبحت جزءاً رئيساً من حياة كل منهم، ولا تبقى على حالها في شكل ولونها ومادتها. أرأيتَ كم هو التنوع كبير ومثير؟ ثمة دائماً إضافات، تأكيداً على التغير والتطور: من ألوان مركَّبة: بنفسجية، نيلية، لازوردية، لحمية، رمادية، عاجية، وجزرية...الخ. والتفاوت الطبيعي قائم: حيث إن كلاً منهم، يعرف مكانته، وهي محفوظة في شكل السلسلة، مادتها، محتواها، ومعدنها. فالذهبية غير القصديرية، وهذه الفولاذية، وهكذا . فهل هناك أناس مميَّزون كهؤلاء؟ هل هناك من ابتكر طريقة صامدة وفالحة بقدراتها وعلى مدى آلاف السنين كهذه؟ إنهم مميّزون عن الآخرين جملة وتفصيلاً، حيث يشد بعضهم أزر بعضاً، من خلال هذه الرابط السلسلية. إنها العلامة الوحيدة التي تصل أبناء اليوم بآبائهم في الأمس، بأجدادهم أمس الأمس، وهي العلامة الفارقة، لكي يعرف أبناء الغد، وأحفادهم، ما كان عليه من كانوا قبلهم، في تراث نادر، وذاكرة جمعية تكون السلاسل سمتها الكبرى، في تلوين مشاعرهم وأفكارهم، وفي إبقائهم مجاورين لبعضهم بعضاً بدقة مدروسة .
    كيف أمكن ذلك :
    هذا السؤال لا يُطرَح ببساطة، إنما، وكونك طرحته، فخذا الجواب باختصار: ليس هناك ما هو عشوائي. كل شيء بحسبان، ونتيجة جهود مكثّفة، ومن قبل اختصاصيين، خبراء، ذوي معرفة معمقة بالنفس البشرية وحتى تأثير المناخ، واختلاف البيئات، وفي ضوئها كانت هذه السلاسل، أي لكل منهم السلسلة التي تناسبه، وتبعاً لاختلاف الزمان والمكان، أرأيت كم هي المهمة هذه صعبة؟ لهذا، ما عليك إلا أن تكون آمناً مطمئناً على نفسك وفيها، فكل شيء مقرَّر سلاسلياً، كان وسيبقى في خدمة الإنسان، فلا تستهن بالقواعد والأصول، ولا تعد إلى طرح أسئلة لا تعرف للنوم سبيلاً، ولا للراحة مسلكاً، فدُم، ونم، وقم، بعيداً عن النتائج الوخيمة لكل سؤال مما طرحت !
    ساءلت نفسي، وأنا شبه مشلول مما أسمع: ولكن ذلك يعدِم في كل معنى؟
    استغربت من وقع مهيب رهيب في الجوار، ودون أن أتمكن من تحديد جهته، وقد تردد صداه:
    انتبه، لا تقلها ثانية، فحين لن تجد أي معنى لحياتك، وقد منحناك معنى من خلالها. عليك – فقط- أن تقدّر أعباء من يقوموا بكل هذه المهام. ذلك وحده كاف، لتكون على بيّنة من أن هذه السلاسل هي نعمة وليست نقمة، واعتبر ما جرى بيننا تنويراً بواقعة السلاسل هذه.
    توقفت عن الكلام، واقتصدت في أنفاسي كثيراً، وفي حركات، وأنا أحاول التكيف مع سلسلتي المشدودة حول رقبتي، ساعياً إلى مسْح كل فكرة، سؤال، أو استفسار من ذهني !
    أعجب بهذه المنشور غنوة فضة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..