نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

نيروز مناد - من أجل مدفأة.. قصة قصيرة

  1. الشتاء الماضي كان أكثر قسوةً من أيّ عامٍ مضى. فغرفتنا المتهالكة تصبح أقلّ قدرةً على مقاومة العواصف والأمطار، ويصبح أبي أشدّ بخلاً في الشتاء، وهو قرّر في النهاية أن ينبغي لنا استخدام "مصادر طبيعية للتدفئة"، أي الثياب والأغطية!

    اعتدتُ كرهَ الشتاء. فشتاؤنا قاسٍ جداً. جوّه كئيب، وغرفتنا باردةٌ مظلمة كزنزانة، يزيد من بشاعتها دخانُ سجائر أبي الذي يتحول إلى سحب في سماء الغرفة تخنقنا طوال الوقت، من دون أن نكون قادرين على تهوئة الغرفة طوال فصل الشتاء. أمي لا تتحمل رؤية باب مفتوحٍ البتة، خلال هذا الفصل. ناهيكَ بكون غرفتنا ليس لها نافذة.

    مع اقتراب نهاية الفصل، بدأتُ أشعر ببعض الانتعاش. فالصيف هو فصلنا نحن المبتلين بأبٍ أنانيٍ بخيل. مع نهاية شهر آب قررتُ أنَّ عليَّ إيجادَ وظيفةٍ قبل حلول الشتاء. أردتُ أن أتمكن من شراءِ مدفأةٍ من أجل والدتي. كنتُ أفكر في ذلك كلّه وأنا في انتظار الباص، بعد التجول في الطرق لأكثر من سبع ساعات بحثاً عن عمل بلا جدوى!

    عندما مرّ بسيارته الفخمة، توقف أمامي مباشرةً وقال:

    - إلى أين تريدين الذهاب؟ يمكنني إيصالكِ إلى حيث تريدين.

    في البداية لم أفهم معنى هذا العرض. لم أتعرض لموقفٍ مشابهٍ من قبل ولم أستطع تحديد نيات الرجل، لكنّي فكرتُ بسرعة: ما معنى هذا؟ ماذا لو وافقتُ، فهل سيغتصبني؟ هل سيقتلني؟ هل سأكون سهلةً لو وافقت! خلالَ ثوانٍ قليلة، وجدتُ نفسي أفتح باب السيارة بابتسامةٍ بلهاء وأنا أقول: مرحبا!

    اتجه بي إلى مطعمٍ يبدو أنَّه زبونٌ دائمٌ فيه، فقد استقبله النادل بحرارةٍ قائلاً: "أهلاً وسهلاً أستاذ جمال". جلسنا في ركنٍ معزولٍ حيث الإضاءةُ هناك أشبه بإضاءةِ غرف النوم. بادرني بالقول:

    - يبدو أنَّكِ تبحثين عن الراحة. أليس كذلك؟

    - ومن لا يبحث عن الراحة!؟ كنتُ أبحث عن عمل على كلِّ حال.

    - ما هي مهنتكِ؟

    لم يخطر في بالي سؤالٌ كهذا قبل اليوم. فأنا لم أنهِ دراستي الجامعية ولم أشغل وظيفةً حقيقيةً قبل الآن، وليستْ لديَّ مهارات مهمة. أستطيع استخدام الحاسوب، ولغتي الأجنبية ليست سيئة، لكنَّ هذا لا يعني شيئاً على الإطلاق!

    ابتسمتُ مرةً أخرى كبلهاء وقلتُ بصوتٍ خفيض:

    - كنتُ أبحث عن عملٍ إداري. سكريتاريا ربما!

    - لديَّ ما تبحثين عنه.

    تناول بطاقةً من جيبه فيها عنوانُ شركةِ استيرادٍ وتصدير، وطلبَ مني الحضور غداً صباحاً إلى مقرِّ الشركة لتحديد نوع العمل، ثمَّ أوصلني إلى محطة الباص نفسها وأعطاني خمسين ألف ليرة قبل أن يودعني قائلاً: هذا المبلغ فقط لتشتري ثياباً مناسبة لعملكِ الجديد.

    رجعتُ إلى المنزل وأنا أفكر في الأمر بجدية.

    أعترفُ أنَّ المبلغ كانَ مغرياً وجاء في الوقت المناسب. أمّي بحاجةٍ إلى لدواء وثيابٍ جديدة، وأنا كذلك. قلت لنفسي لِمَ لا!

    اتجهتُ صباحاً لتسلّم عملي الجديد.

    مع بداية الشتاء كنتُ قد أنهيتُ ثلاثة أشهر من العمل في الشركة، تمكنتُ خلالها من شراء مدفأةٍ جيدة النوع، كما اشتريتُ لوالدتي ثياباً جديدة وكميةً كافية من دوائها.

    لكن لا شيء كما بدا. فالأمرُ لم يكن مجرد خدمةٍ إنسانية.

    مع بداية الشهر الرابع في العمل بدأ الأستاذ جمال يلاحقني بنظراته القذرة. بل أخذ يطاردني بلمساته الحقيرة جداً أحياناً.

    وجدتُني أتحمّل الكثير، لأظلّ قادرةً على إعالة والدتي المريضة.

    كنتُ كلَّما هممتُ بتقديم استقالتي، أتذكر تلك المرة التي اضطرت فيها والدتي لبيع شعرها مقابل مبلغٍ سخيف مكَّنها من شراء حذاءٍ رياضي لي عندما كنتُ في المرحلة الإعدادية.

    كنتُ أقول لنفسي: "لن أسمح لها ببيع شيءٍ آخر بعد الآن، وإنْ كان هناك من سيبيع شيئاً هذه المرة فسأكون أنا".

    مع بداية تموز عرض عليَّ جمال رصيداً مغرياً في البنك باسمي، ومنزلاً صغيراً في حيٍّ مقبول يكون ملكي، وراتباً شهرياً. وسألني: ما رأيكِ؟!

    - لماذا أنا؟!

    - أنتِ جميلة ولستِ ساقطة.

    - لكنكَ تعاملني كساقطةٍ فعلاً.

    - لا. لستِ كذلك. لكنّي أريدكِ أن تكوني ساقطتي أنا. لي وحدي. ولن تحتاجي أحداً بوجودي إلى جانبك. فكِّري في الأمر!

    رجعتُ إلى المنزل في ذلك اليوم منهكةً جداً من التّفكير. جلستُ بجانب والدتي صامتةً شاردة. رحتُ أتأملها. بدتْ بخير. لكنها ليست كذلك. أُمّي عاشتْ حياتها كلَّها في خدمةِ رجلٍ لم يكن في يومٍ من الأيام رجلاً. لم يكن ليكترث بحقيقة أنَّ زوجته شريفة أو لا، ما دامت لا تطلب منه مالاً. لكنَّها كانت شريفةً فعلاً.

    فكرتُ في حياتي التي عشتها مع امرأةٍ فقدت أنوثتها وصحتها لتمنحني فرصةً في الحياة.

    فكرتُ في رجلٍ لم يكن أباً بل لم يكن شيئاً يُذكَر في حياتي.

    أردتُ أن تكون أمي سعيدةً. لكن، هل ستكون سعيدةً عندما تعلم أنَّ أياً مما سنحصل عليه لاحقاً كانَ ثمن عفتي؟ كيف سأقنعها بأنّي لستُ عاهرة وبأنّ ما سأقوم به ليس دعارة؟

    خلدتُ إلى النوم في تلك الليلة في وقت مبكر، وفي الصباح قصدتُ مكتب جمال:

    - أريد منكَ أن تشتري لي سُمَّاً سريع المفعول، لا يمكن العثور على أثرٍ له في الجثة.

    - الجثة! ماذا تقصدين؟

    خلال أيام عرفتُ ماذا أريد. جلستُ مع أمي ليلاً وأعطيتها كلّ المال الذي ادخرته خلال عامٍ من عملي. كان مبلغاً جيداً جداً.

    أعددتُ كوباً من الشاي لوالدي وذهبتُ لأنام. في الصباح سمعتُ والدتي تقول: "استيقظي. أبوكِ مات. أعتقد أنَّه مات".

    اعتدتُ أن أكره والدي لكنّي كرهتُه أكثر وهو ميت. فقد وجدنا في خزنته مبلغاً يتجاوز المليون ونصف المليون ليرة، فيما كنّا نتجمد من البرد ونموت من الجوع ونعاني كلِّ أنواعِ الحرمان!

    لم يترك رحيله أيّ فراغ. على العكس، غيابه كانَ أفضل ما حدث لنا على الإطلاق.

    بعد أيام قدمتُ استقالتي، لكنَّ جمال رفض الاستسلام وأراد أن يلعب ورقته الأخيرة:

    - ماذا فعلتِ بالسمّ؟

    - لستُ خائفة. على كلِّ حال، ما رأيكَ بكوبٍ من الشاي السَّاخن قبل أن أخبركَ القصة كاملة؟!



    نيروز مناد

    عن الكاتب

    كاتبة وقاصة من سوريا
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..