رسائل الأدباء رسالة من علي الطنطاوي إلى أحمد حسن الزيات

04 - 12 - 1933

إلى الأستاذ الزيات وإلى أدباء الرسالة.

سيدي الأستاذ

أنني (وإن لم أتشرف بمعرفتك) أمت إليك بصلة الرحم. فأنا من صغار أسرة أنت من كبارها. ولي عليك حق الصغير على الكبير. يسأله ويفيد منه. ويلح في هذا السؤال ويناقش من أجل هذه الفائدة. ويكون فيسؤاله ومناقشته واقفاً عند حد الأدب، متنكباً سبيل التكلف و (الرسميات).

أفتأذن لي في ذلك:

إذن فأخبرني يا سيدي. هل تنشر الآثار الأدبية، إذ تنشرها في رسالتك، لأنها وافقت خطة معروفة اختطتها لنفسها الرسالة في الأدب، وطريقة معينة اتخذتها، أم أنت تنشر كل جيد يبعث به اليك، ولا تبالي منه إلا بشرف القول، وحسن الأداء، والبلاغة في التعبير عن الغرض. وهل تفعل هذا إلى أمد قريب ثم تطلع على الناس بخطتك الأدبية، وتحمل كتابك عليها، أم أنت تفعله أبدا؟ ثم ألا ترى يا سيدي أن الأديب العربي قد شب ولم يعد طفلا يدلل ويرقص، ويكون له عند أهله بكل خطوة حظوة وأن الإيمان به قد خالط قلوب الأدباء. فلم يعودوا من المؤلفة قلوبهم الذين يسترضون ويعطون لئلا يجنحوا إلى الردة بعد الايمان؟ وأن من مصلحة هذا الأدب، بل من الواجب فيه أن يتفق طائفة من شيوخه وقادته على مذهب واحد فيه. ثم يعلنوا هذا المذهب للناس. ليتبعوه ويؤثروه؟

ومذاهب الأدب كثيرة. ولكنا منها بين اثنين: مذهب (الأدب للفن) ومذهب (الأدب للحياة):

أنعمل وغايتنا (الجمال الفني) وحده. وسواء لدينا أكان هذا الجمال في قطعة ماجنة، أم في قصيدة شعوبية، أم في مقالة ملحدة؟ وسواء لدينا أكانت القطعة الجميلة تصور آلام النفس وآمالها. وصور الحياة وأشكالها، فتصدق في هذا التصوير. أم (تخلق) من نفس صاحبها دنيا غير هذه الدنيا وعالما غير هذا العالم؟

أم نعمل وغايتنا تسخير الأدب للقضية الكبرى، واتخاذه عدة على تحقيقها، ووسيلة من وسائل الإصلاح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي. وبالعبارة الثانية وسيلة إلى الحياة؟

ثم. . ألا ترى يا سيدي أن هناك حقيقة أسمى من الحقيقة الفنية. . وواجبا أعلى من واجب الفن هو الواجب الوطني. واجب (السعي للحياة وخوض معركة التنازع على البقاء) وأنه لا يجوز لنا أن نقول بمقالة بعض الفرنجة (الفن للفن) لأن هذا هو القياس مع الفارق.

فأن لأولئك مدافع وأساطيل، وأن لهم كيانا واستقلالا، ونحن قوم يبنون لأنفسهم كيانا واستقلالا، فيجب أن نجمع قوانا كلها على هذا البناء، وأن نجعل الأدب في مقدمة هذه القوى، ونجعل الحوادث القومية موضوعا لآثارنا، أو لطائفة من آثارنا الأدبية. وكيف لعمري يهيج الشاعر العربي ويضيق الدنيا عليه حبيب يعرض عنه، وليلة وصل يخسرها، وابتسامة يحتجب عنه نورها، ولا يهيجه ويؤلمه مجد كان ينطح السماء أنهار في الأندلس، وأمل كان يملأ الدنيا ضاع في بواتيه. وأمة بقضها وقضيضها تفنى اليوم في فلسطين.!؟

أيجوز للشاعر وهو قلب الأمة الخافق أن يعيش في نفسه، ويقنع بأحلامه وعواطفه؟ أيعقل أن يعيش قلب منفردا مبتوراً لا تربطه بالجسد رابطة؟

الشاعر قائد في أمته، فهل يجوز للقائد أن يدع جنده، ويترك حربه ويغفل عن النار والحديد، ثم يجلس ليحلم بطيف حبيبه، أو يبكي على أنه لم يمنحه جسمه ساعة من زمان. أو يجلس ليصف (الجمال الفني) في ساحة المعركة؟

الأمة العربية جمعاء في نضال على الحياة. فكيف يفر الأديب من المعركة فيصب وهو الجندي الأول فيها مواهبه وقوته على قدمي امرأة؟

أو لست تعلم يا سيدي أن زعماء الفن الرومانطيقي في أوربا كهوجو ولامارتين، كانوا في رأس الوطنيين العاملين، والخطباء المفوهين، وكانوا إذا جد الجد شمروا عن ساعد العمل، وإذا أمن الناس ووضعت الحرب أوزارها ناموا فحلموا، فكان هذا الأدب مجموعة أحلامهم في منامهم. أن لامارتين نفسه يقول: (ما قيمة الرجل ينفق عمره، في التنقل بين أحلامه الشعرية في حين أن إخوانه يجاهدون بكل ما أوتوا من قوة وأيد في سبيل الوطن والعمران؟ أليس أليق يمثل هذا أن يكون ضحكة (مهرجا) وأن يبعث به مع العدد الموسيقية إلى الفرق العسكرية؟)

وأن الشعر القومي أبعد الشعر أثرا في نفس قارئه، لأن الشعور به مشترك بين أفراد الأمة جميعا، وأننا نقرأ القصيدة الأندلسية النونية فتبلغ منا على ضعف تأليفها ما لا تبلغه منا أي قصيدة؟ فلماذا إذن لا ينحو بعض أدبائنا هذا المنحي. ويكون لنا ديوان في الأدب القومي، كما للفرنسيس ديوان، وللإنجليز ديوان، وللأتراك ديوان، ولماذا لا تنبذ هذا الأدب الرخو المخدر الذي ينزع الرجولة من نفوس شبابنا ويجعل المثل الأعلى للحياة في آرائهم، أن ينفقوا الحياة في عبادة امرأة يعشقونها، أو يتخيلون أنهم يعشقونها. ويقطع بأساليبه الأعجمية العجيبة الصلة بيننا وبين أدبنا القديم، ويضيع علينا هذا التراث القيم الذي تظاهرت على إيجاده ثلاثة عشر قرنا؟ ولماذا لا يجهر الشيوخ والمصلحون في الأدب العربي، بالدعوة إلى (الأدب القومي) وينقذوننا من هذا الأدب المخدر السام؟ ولماذا لا تكون أنت في الرسالة. صاحب هذه الرسالة؟ ثم. . إلا ترى يا سيدي أن هذا الضعف والخور في غزلنا سخف ماله مبرر، وأن المرأة والرجل إنسان واحد، كلاهما فيه عنصر القوة وعنصر الأنوثة، والحب جامع العنصرين، فالرجل يحب ليكمل قوته بأنوثة المرأة. أي أنه يحب أنوثتها وهي تحب قوته، فإذا أضاع هذه القوة، ولم يحظ بأنوثة المرأة، لم يكن رجلا ولا أمرأة، ولكن مخلوقا شيطانيا بغيضا، وكان كالغراب والقبرة، أو (كصاحبة الماء) لا هي أبقت ماءها. ولا هي أصابت طهرها؟ وما بالرجل من يحب من بأس، ولكن على أن يظل رجلا يقوم على قدميه، ويدل بعضلات من حديد وإرادة من فولاذ، وأمل في الحياة يملأ الحياة، ثم يقول لمن يحب: أنا قوي وأنا أحبك فتعالي لا أن يجيئها ضعيفا مسهدا.

والمرأة لو خيرت لما اختارت على الرجل القوي الحي بأمله ولمستقبله الرجل الأصفر النحيل الباكي البائس الميت من قبل الممات. هذا خليق به القبر وذاك الذي يستحق الحياة.

فالام إذن يثير شعراؤنا على هذا الغزل السخيف، ويغني مغنونا به ويكون لجيل المستقبل سما زعافا؟. .

هذه هي القضية التي جئت استفتيك فيها. واستفتي أدباء الرسالة؛ وأني لأعتقد أنها من الخطر بالمكان الاسمى. وبين لا ونعم فيها فرق ما بين الحياة والموت؛ لأن الأدب كالسيف القاطع، شتان بين أن تضرب به لترى وميضه في الجو و (الجمال الفني) في هذا الوميض ثم لا تبالي أذراعاك أصاب فقطع أم هو قد أصاب الجدار، وبين أن تجلل به خصما لك فاتكا أو وحشا كاسرا. على إن هذا ضرب وذاك ضرب وهذا أدب وذاك أدب. .

فإذا تفضلتم يا سيدي بنشر هذه الرسالة في الرسالة وتفضلتم بالجواب كان لكم الفضل والشكر.

دمشق
- علي الطنطاوي
- ليسانسيه في الحقوق من المجمع الأدبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى