عمر الصايم - كهف النار

290.jpg


يا صديقي: النَّارُ تَتَغَوَّطُ الرَّمادَ، وأبونا الطُّوفان ما ولد إلا فَاشِلاً حَزِيناً. هذا الخريفُ فِي زَمَنِ الطَّرْفَةِ البَاكَيَّة، وسِيقَان الذُّرة حافيةَ القَدَمَين تمضي. الرَّمَادُ – غَائطَ النَّارِ- أَسْفَرَ عَنْ وَطَنٍ للجنادب؛ وتَسْأَلَنِي
- أَيُّ إبليسٍ سَكَنَ الحُقولَ القديمة؟
ورأَيتَ بأُمِّ عينيك، وبجَدَّتِهَا أَنَّ المَطَرَ القِبْلِي مَا فَوَّتَ اللعنةَ؛ خَلَقَ طِيناً لَزِجَاً أَوْغَرَ صَدْرَ أَقْدَامِنا، ومضينا سَوِيَّاً في ذلك الوقت مِن الزَّمَانِ، مشيْنَا حَتَّى ضَاعَ المَكَانُ، أَوْ لَمْ نَعُد نَعْبَأُ بِهِ، واسْتَهْوَتْك عورةُ النَّارِ. عَوْرَةُ النَّارِ بَيْنَ أيدي أجدادِنا القُدَماءِ، لم يكونوا قدماء كما تَخَيَّلْنا، كانتْ حمراء كالدم، وجاذبةً كالتُّفَاحِ، وكان أسلافُنَا يتلذذون بِمُتْعَةِ الكَشْفِ، ووقفتَ كاللصِ في فَوْهَةِ الكهفِ تسمعُ أنينَ النَّارِ ووحْوَحَاتِهَا .. وح ، وح ، وح ، الآن أذْكُرُ لَمَّا سألَكَ الأُسْتَاذُ فِي السَّنَةِ الثَّانِية مِنْ الالتِحَاقِ بِالمَدْرَسَةِ، سَأَلَكَ وهو يضغطُ على الطَّبَاشِيرَةِ مِثْل المُحَقِقين.
- أين يَسكُن أجدادُنا القُدماء؟
كُنْتَ قَد نسيتَ أشياءً، وتَبَقتْ مَعَك أُخرى، أنينُ النَّارِ، ونَهَمُ أجدادِنا القُدَمَاء، ومِزَقٌ مِنْ اللحم المَطْهُو لأرنبةٍ كَامِلَةِ الأُنوثة، أجبتَ بثقةٍ ساذِجَةٍ.
- يَسْكُنون سِنَار.
وضَجَّ الفَصْلُ بضحكٍ طُفولِي، لَمْ تَرَ فيهِ أَنْتَ غَيْرَ البذاءَةِ وقِلَّةِ الأَدَبِ. يا صديقي الآن تَذَكَّرْ مَا كُنْتَ تَنْسَى، هَا نَحْنُ فِي المُعْتَقَلِ، وأَيْنَ مِنَّا كُهوف الأَسْلَافِ، العَتْمَةُ هُنَا، الصَّرَاصِيرُ، وغَائطُ النَّارِ الكَثِيفِ، صَوْتُ الضَابِط المَرْسُومَة عَلى كَتفهِ نَجْمَة أو رُمح بدائي يسألني.
– أَيْنَ المَلَفَاتُ السِّرِيَّة؟
أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ النَّارَ قَدْ الْتَهَمَتْهَا، وأَنَّهَا الآن رَمَادٌ نبيلٌ، وأنا أَبْدُو قَدْ نسيتُ كُلَّ شَيءٍ، غير رسومات سمك البلطي، وقَرْنَي بَقَرَةٍ عَلَى بَابِ مَنْزِلِنَا، أَخَذَ الضَّابِطُ فَارِغَةَ كَتفي، وأَطْفَأَ فِيهَا سيجارته. أَطْفَأَهَا كَمَنْ يُطْفِئُ سِيجَارَتَهُ عَلَى مَنْفَضَةٍ مِنْ قَاَعِ البَحْرِ؛ رُبَّمَا البَحْرُ الأَحمر. كُنْتَ يَا صَدِيقِي تَبْتَسِمُ لِي آخرَ الابتساماتِ، وتُحَفِّزُنِي للسُّكوتِ، سَكَتُ ولكن يؤلمني رماد السيجارة.
حينَ وضعُوا العَصَا الكَهْرَبِيَّة على سَاقِكَ، لابُدَّ أَنَّكَ رأيْتَ سَوْءَةَ النَّارِ مَرَّةً أُخرى فظيعة ونتنة، تَفُوحُ برائحة الشِّواء المَحْرُوقِ، وعَرَقِ أجدادِنَا القُدَمَاء فَاضِحٌ ومُقَزِّزٌ. وبحثْتّ عَنْ مُتْعَةِ الكَشْفِ الخَافِيَةِ؛ فَلَمْ تَجِدْهَا.
- فرصة أخيرة، اعترف. سَجِّل لنا أَسْمَاء الأوغاد، أعداء السُّلْطَةِ.
هَكَذَا صَاَحَ فِيكَ الضَّابِطُ القَدِيم، فَأَيْقَظَنِي مِنْ غَيبُوبَتِي، رَأَيْتُه وقَدْ اسْتَجْلَبَ كُلَّ بَنَاتِ النَّارِ، العصالوجى، الكرسيلوجى، وثَمَّة جهاز آخر اسمه العاذوب. أَعْرِفُ يَا صَدِيقِي أَنَّكَ صَمَدْتَ كثيراً، وأَنَّ لِسَانَكَ مَاَتَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ. ولكنك الآن تَرْحَلُ عَنِّي إِلي الكُهوفِ الأُولى، حَيْثُ النَّارِ لَمْ تَزَل طِفْلةً صَغِيرةً، الأَجْدَادُ يركضون خَلْفَ الغَزَالِ، البرِية ليس فيها غَيْر نِيران الطهي، لِتَتْرُكَني فِي كَهْفِي الأسمنتِيّ مَعَ كُلِّ بَنَاتِ النَّارِ وآكِلي اللحم النئ، وحَقُّ روحك سأصْمُدُ .. سَأَصْ.. مُدُدُدُ.

هذا النص

ملف
عمر الصايم
المشاهدات
304
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى