نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

رسائل الأدباء ثلاث رسائل بين مي زيادة و ملك حفني (باحثة البادية)

  1. * من مي إلي ملك حفني باحثة البادية:

    ترنمت باسمك قبل أن أعرفك، واتخذت ذكرك عنواناً لنهضة المرأة المصرية قبل أن أطالع مقالاتك لأن أصوات الجمهور قد ارتفعت في الثناء علي فضلك.. غير أني عثرت بالأمس علي مجموعة من كتاباتك النفسية فانحنيت عليها ساعات طوال فيها خيل لي أني أقلب صفحات نفسك المفكرة المتوجعة.

    الأمس لمست نفسي وقرأت أفكارك فعثرت علي جراح بليغة وددت تقبيلها بشفتي وروحي وما أطبقت الكتاب الا وأنا ألثم بناني علي غير هدي، ولم يكن ذلك إلا إجلالاً لصفحات قلبتها فيا من ارتفع قلبها إلي فكرها وانحني فكرها علي قلبها.. أيتها الباحثة الحكيمة لماذا تصمتين؟ تتوالي الأيام ونحن في ضلال بين، الرجل يجاهد في حرب الاقتصاد الدائمة، الرجل تائه في مهامه وأشغاله فإذا كتب بحثاً في العموميات، وإذا أجال قلمه في الخصوصيات فهو لا يستطيع البلوغ إلي نور الوجدان النسائي لأنه يكتب بفكره، بأنانيته، بقسوته، والمرأة تحيا بقلبها بعواطفها بحبها، قولي يا سيدتي تكلمي!!

    ضمي يدك البارة إلي الأيدي التي تحاول رفع هذاالجيل من هوة الحيرة والتردد ساعدي في تحرير المرأة بتحميلها وإصابتها، إن صوتاً خارجاً من أعماق القلب بل من أعماق الجراح كصوتك. قد يفعل في النفوس مالا تفعله أصوات الأفكار، فهنيئًا لوطن يضم بين بناته مثيلاتك.

    توقيع: «مي»

    ***

    * إلي الآنسة مي:

    كانت رسالتك عزاء جميلاً لي من مرضي الطويل المؤلم وبلسماً ملطفاً لجراحي البالغة، آلامي أيتها السيدة شديدة.. إن قلبي يتصدع من أحوال هذا المجتمع الفاسد، ومالي أُحمِّل نفسي أعباء غيرها ولست بمسيطرةٍ علي هذا العالم ولكنني كنت عاهدت نفسي علي الأخذ بيد المرأة المصرية ويعز علي أن أتخلي عن هذا العهد وإن كان تنفيذه شاقاً ومحفوفاً بالصعوبات ويكاد اليأس يسد طريقي إليه.

    كنت اعتزلت الكتابة لا لنضوب مادتها عندي ولا اكتفاء بالقليل الذي كتبت من قبل ولكني كنت مللت المناداة بإصلاح المرأة المصرية وثبط عزمي ما أراه من انصراف فئة المتعلمين والمتعلمات الجدد عن العمل لتكوين القومية المصرية المطلوبة وحركتهم التي ملأوا بها القطر صراخاً إلا عنوان نهضة كاذبة تسأليني يا سيدتي أن أدلك وسط هذه الأحوال المتضاربة والآراء المتشعبة عن الطريق الذي يحسن بالفتاة نهجه، وإنها لحال توجب الحيرة.

    كلنا يرمي إلي تقدم الفتاة وتنورها وإعدادها لأن تكون زوجة صالحة وإما نافعة ولكن لكل مناد بالإصلاح وجهة هو موليها. فبعضهم لا يري لهذا التأخر والجهل من سبب إلا كان راجعاً للحجاب وهؤلاء قرروا وجوب سفور المرأة المصرية حالاً، ونسوا حكمة التأني والتحفظ عن إرادة الانتقال من طور مظلم مألوف إلي طور لم يعهد من قبل تكتنفه المدهشات واللوامع البراقة الجذابة التي تكاد تغشي الأبصار.

    وفريق لا يري للسفور فائدة ويقول إن الحجاب لا ينفي العلم وإن إطلاق الحرية للمرأة أخيراً كان سبباً لفسادها وإن إطراد تعليم المرأة وتثقيفها سيكون مجلبة للشغب ولخروجها عن حدود وظيفتها في المستقبل كما خرجت أختها الغريبة الآن.

    فأي الطريقين نسلك ومن نتبع؟ إننا معشر النساء لا يزال ظلم الرجل يرهقنا واستبداده يأمر وينهي فينا حتي أصبحنا ولا رأي لنا في أنفسنا، إذا أمرنا الرجل أن نحتجب احتجبنا، وإذا صاح الآن يطلب سفورنا أسفرنا، وإذا أراد تعليمنا تعلمنا فهل هو حسن النية في كل ما يطلب منا ولأجلنا أم هو يريد بنا شراً لا شك أنه أخطأ وأصاب في تقرير حقنا من قبل ولا شك أنه يخطئ ويصيب في تقرير حقوقنا الآن. نحن لا نأبي أن نتبع رأي العقلاء والمصلحين من الأمة ولكننا لا يمكننا كذلك أن نعتقد أن كل من يتصدي للكتابة في موضوع المرأة من العقلاء المصلحين. ليدعنا الرجل حيري آرائه ونختار أرشدها ولا يستبد في (تحريرنا) كما استبد في (استعبادنا).

    التوقيع: باحثة البادية

    ***

    * إلي باحثة البادية:

    ليس أعز لدينا من لطفك الإ حزمك وصراحتك، وليس أجمل من صدي صوتك إلا فعل معناك، جئت أسر اليك أمراً وقفت عليه عندما شهدت صدي مقالتك لدي جمهور القراء، اسمعي ياسيدتي الباحثة وصوني سري!! رأيت جميعهم يتقبل أقوالك بنظرة الفخر وابتسامة الإعجاب، ولكني رأيت كذلك أسيادنا الرجال، أقول «أسيادنا» مراعاة بل تحفظاً من أن ينقل حديثنا إليهم فيظنوا أن النساء يتآمرن عليهم، فكلمة أسيادنا تخمد نار غضبهم ـ قلت لقد رأيتهم يطربون لتصريحنا بأنهم ظلمة مستبدون، نعم آنست ذلك في ملامح كل من قرأ مقالك أمامي من أسيادنا الرجال

    الرجل يسر ويرجو ويريد أن تشعر المرأة باستبداده ظناً من أن الاستبداد هو السيادة وأن هذه مقياس ذاتيته التي يريدها كبيرة، رضيت المرأة عن تلك السيادة أم تمردت عليها في نظره سيان، بل أظنه ـ سامحني الله إن كنت مخطئة مؤثراً تمردها علي إذعانها لأنها كلما زاد تمردها زاد شعوره بالسيطرة وأشد الملوك فرحاً بهز الصولجان، وأرفعهم للرأس كبراً وتيها تحت ثقل التيجان هم ذوو العروش المتداعية للهبوط.

    والرجل ملك متداع عرشه لأن ريح الفوضي تهب عليه من كل جانب وخطوات الارتقاء النسائي تتوالي متكاثرة متمكنة مع مرور الأيام لكن ملك عزير، هو الأب والأخ والصديق والخطيب والزوج فإذا سقط سقطنا معه وإذا ارتفع كنا بارتفاعه عظيمات لذلك نريد له خيراً ونجهتد في تأييد دولته بشرط أن ينصب عرشنا بقرب عرشه وأن نقف إلي جنبه وقفة المثيل بجوار المثيل، نريد أن نكون متساوين في الحقوق الأدبية والعمرانية مادمنا متساوين في الواجبات والمسؤولية، بل إن واجباتنا ومسؤوليتنا يفوقان ما عليه من مسؤولية وواجب افياتري متي يرضي الرجل بتقرير هذه الحقيقة؟ الحجاب وما هو الحجاب؟

    مرحباً به مادمنا في وسط لا يعرف كيفية معاملة المرأة ولا يستطيع احترامها ولكن كيف نلوم الرجل علي كلامه ونظراته مادام رجل اليوم صنع امرأة الأمس؟ ولا ذنب لها لأن قصورها في جهلها لم يكن إلا نتيجة اتفاق أبيها وزوجها علي جعلها عبدة لا لوم علي أبناء تلك الأمهات، إلا أن مستقبلنا صالح لأن حاضرنا مملوء بالآمال الطيبات، النشيء تتنازعه طبائع الوراثة ومؤثرات العصر وعواصف الفوضي المهاجمة قديم التقاليد من كل ناحية، ولكن ينشد الصراط السوي ويصغي إلي صوت الإصلاح، فارفعي صوتك يا سيدتي، ولا تيأسي قولي بصراحتك، واكتبي بشجاعتك! جاهري ولا تصمتي.

    «مي»
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..