حسين حمدان العساف - مراسلات العقاد، مي زيادة

من أراد أن يطلع على العلاقة الشخصية بين الأديبين الكبيرين عباس محمود العقاد ومي زيادة بعيداً عن العسف والتجني والمبالغات التي تراكمت عليها خصوصاً بعد رحيل مي زيادة في مطلع أربعينات القرن العشرين، فلابد أن يطلع عليها من مصدرين: الأول من مراسلاتهما، والثاني من واقع العلاقة بينهما مستمداً من أحاديث الرواة عنها الذين عرفوهم أحياء، وهي أحاديث، يحتاج أغلبها إلى غربلة ونقد، ونقصرالحديث ههنا عن المصدرالأول فحسب، وهو مراسلات العقاد ـ مي زيادة.

كان روّاد صالون مي أعلاماً في الفكر والأدب والفلسفة والسياسة والفن، وكثر المعجبون بها من هؤلاء فراسلوها، وراسلتهم حتى تراكمت هذه المراسلات، فصارت من كثرتها ظاهرة أدبية متميزة يمكن أن نطلق عليها اسم (أدب المراسلات) التي كانت في أغلب الأحوال إحدى ثمرات هذا الصالون، كانت المراسلات متنوعة، بحسب الدوافع إليها، فكانت هناك مراسلات صحافية واجتماعية وأدبية وفكرية، تبادلتها (مي) مع أعلام عصرها من روّاد منتداها ومن غيرهم مثل ولي الدين يكن، وأنطوان الجميل، وأمين الريحاني، وأحمد لطفي السيد، ومصطفى صادق الرافعي، ويعقوب صروف، وملك حفني ناصف(باحثة البادية)، وجوليا طعمة ..إلخ، وكانت هناك رسائل عائلية تبادلتها(مي) مع نسيبهاالدكتور(جوزيف زيادة)، وكانت هناك مراسلات اجتماعية وعاطفية ووجدانية، أثارت قضايا اجتماعية مهمة تخص الحب والزواج، تبادلتها مع بعض كبار الأدباء والمفكرين، بينهم علمان، كانا وقتذاك، في أوج عطائهما، وعزِّ شبابهما، وكانا حديثَ الناس والصحافة: الأول كان يقيم في القاهرة، أعني به الأستاذ عباس محمودَ العقاد، والثاني لم يرَ ميّاً، ولم تره مي، كان في مغرب الدنيا، وكانت (مي) في مشرقها، وكان البعد يفصِل بينهما مسافةَ سبعة آلاف ميل من البحار، ذلك هو الفنان الأديب جبران خليل جبران.
أما العقاد فكان مثل (مي) متألقاً، يلفت النظر، وكان غريباً مثلها، قدم وحيداً إلى القاهرة من بلده أسوان، كما قدمت هي مع أبويها إلى القاهرة من بلدها لبنان، وكان العقاد يواظب على حضور صالون(مي) كل ثلاثاء بانتظام، كان معجباً بشخصيتها وبأدبها، وبصالونها، كما كانت(مي) معجبةً بشخصيته، وبأدبه، وبطموحه الذي لا يقف عند حد . وكانا في تلك الأيام نجمين ساطعين في سماء الأدب، فنشأت بينهما صلة تحدّث الناس عنها، وكتبت عنها الصحف والمجلات، وما يعنينا الآن هو أن نبحث في العلاقة التي نشأت بين العقاد و(مي)، كي نستطيع أن نرسم لها الإطار الصحيح، ومن هنا لابد أن ننظر إليها من جانبين أحدهما يكمل الآخر: الجانبِ الأول هو المراسلات المتبادلة بينهما، وهو، في الحقيقة، انعكاس للجانب الآخر من العلاقة التي لا بد من النظر فيها أيضاً، وأعني به علاقةَ العقاد بـ (مي زيادة) كما حدثت في الواقع، وهذان الجانبان : المراسلاتُ وواقعُ العلاقة، يمكن أن يرسما معاً صورة تعكس واقع العلاقة بين هذين الأديبين. يروي لنا المتحدثون عن المراسلات، أنها مَرَّت بطورين: طورِ العلاقة الأدبية البحتة التي اقتصرت على المناسبات الرسمية، ثم طورِ الحب.
1 - طورالعلاقة الأدبية البحتة
أمّا عن الطور الأول، فإنه ابتدأ حين واجه العقاد ظرفاً طارئاً صدمه من حيث لا يحتسب، فشغله عن حضور الصالون الذي اعتاد عليه، بل أبعده عن القاهرة إلى بلده أسوان، إذْ أحسَّ، وهو في فجر شبابه بالإعياء يتغلغل في جسمه كله، فإذا به يصفرّ، ويهزل. عرَض نفسه على طبيب (قاهري)، فأخطأ في تشخيص دائه، وزعم أنه يشتبه بمرض خبيث في صدره، عندها فرَّ إلى بلده أسوان، وشعرهناك بدنو أجله، وبدأ يحسب للموت حساباً، غير أنه حاول أن يتهرب من أجله المحتوم بالإدمان على المطالعة، ثم كتابةِ مذكراته، ولم ينقذه من وهمه القاتل إلاَّ طبيب ألماني سائح عطف عليه، ثم أخذه إلى الفندق، ثم عالجَه، ثم طمأنَه أنَّ سببَ نحول جسمه واصفرارِ وجهه، إنما هو الإجهادُ، وسوءُ التغذية.
ومن القاهرة بعثت إليه (مي) رسالة، تسأله عن صحته، وتبلّغه تحيات أدباء الصالون الأدبي، وتمنياتهِم الطيبةَ له بالصحة والعافية، فردَّ عليها العقاد برسالة أخبرها ما حدث له مع ذلك الطبيب الألماني الذي كان يزور أسوان، ثم وصف لها الحديقة و(قصرَ ملا) التاريخي، وختم رسالته بأبيات شعرية، وصف فيها بلدته أسوان، ثم بعثت له (مي) رسالة أخرى، بدأتها بقول المعري:
عللاني فإن بعض الأماني
فنيت والظلام ليــــس بفاني
إن تناســيتما وداد أناس
فاجعلاني من بعض من تذكران
(هكذا قال حكيم المعرة، وأنا أعلم مقدماً أنه من أصحابك المقربين، فرأيت أن أبدأ هذه الرسالة من القاهرة بأبياته عسى أن يكون فيها تذكِرة، وعِوض عن الوحشة والبعد).
وأرسل لها العقاد في تلك الأيام كتابه(الفصول)على غِلافه كلمة إهداء إلى الآنسة (مي)، وكان العقاد كتب فيه فصلاً، نشرته له قبل ذلك جريدة (الأهالي) عام 1919. عن كتاب (المواكب) لجبران خليل جبران، كشف فيه أخطاء لغوية، واتهم جبران بانحراف فطرته، وطبيعته الشاعرة، وخياله السليم، وكانت هذه القسوة قد آلمت (مي زيادة) كثيراً لأن جبران كان يحظى بمكانة خاصة في نفس (مي زيادة) يعرفها العقاد جيداً، فكتبت إلى العقاد رسالة تقول فيها: (قد لاحظت قسوتك على جبران خليل جبران، وإن كنت أوافقك على بعض ما قلت، وأعارضك في البعض الآخر، ولا تتسع هذه الرسالة لأن أقول لك ما أوافقك عليه، وما أعارضك فيه، وأترك ذلك لفرصة أخرى .. وإلى لقاء قريب) (مي) . وردّ العقاد عليها برسالة يقول فيها: (آنستي العزيزة مي .. وصلني خطابك الرقيق، وقرأته، كم كنت أود أن أسمع أو أقرأ النقاط التي وافقت عليها، وعارضتها في مقالي عن (المواكب) لجبران، وأنا أعرف أنَّ له مكانة في نفسك، وعلى كل، فعندما نلتقي سأناقشك فيها.) (عباس محمود العقاد)،
ثم بعثت له (مي) برسالة تهنئه فيها بمناسبة حلول العيد، فكتب إليها العقاد رسالة مؤرخة في 26 أبريل/ نيسان/عام 1925 يهنئها بالعيد ردّاً على تهنئتها إياه، جاء فيها: (سيدتي .. تهنئتك هي العيد، فأشكرك شكراً تقصر عنه عباراتي، وأهدي إليك باقة من أزكى تحيات العطف والاحترام) (المخلص عباس محمود العقاد) .
ويزعم المتحدثون عن هذا الجانب من العلاقة، أن المراسلة بين (مي) و(العقاد) تقدمت خطوة إلى الأمام، فتخطت(المناسبات) و(الصداقةالأدبية) لتدخلَ مرحلةً جديدة، أسماها هؤلاء (الرسائل العاطفية) أو(رسائل الحب)، وتبدأ حين سافرت (مي) إلى إيطاليا، ثم غادرتها إلى ألمانيا صيف 1925. فمن إيطاليا حمل البريد رسالة من(مي) إلى(العقاد) تصف له فيها رحلتها إلى (روما)، وتحدّثه عن أهم شيء في نظره، وهو المكتبات، ثم ذكرت له أنها عثرت على كتاب للأديب الإيطالي(أمانويل) ثم قالت له: ( سأحضر لك مجموعةً من صور(روما) العريقة في الفن والجمال والمدنية)، ثم كتبت له وصفاً لينابيع (روما) في أربع صفحات منفصلة عن الرسالة، أرفقته بها، جعلت عنوانه (نشيد إلى ينابيع روما) وردَّ العقاد عليها في 7 يوليو/ تموز/ سنة 1925 برسالة يقول فيها: آنستي العزيزة .. أبعث بهذه الأبيات من وحي رسالتك الأخيرة، هذا مطلعها:
إلى مي في روما:
آل روما لكمو منّا الـولاء
وثناء عاطر بعد ثنـــاء
وسلام كلمّا ضاء لنـــا
طالع الإصباح أو جن مساء
2 - إعجاب مي بشخص العقاد وبشعره
وحين تلقت (مي) أبيات العقاد، أرسلت إليه من برلين بتاريخ 30 أغسطس/آب/ سنة 1925 رسالة، كانت فيها أكثر صراحة في التعبير عن مشاعرها نحو العقاد من رسائلها السابقة، تقول فيها: عزيزي الأستاذ .. أكتب إليك من بلد كنت دائماً تعجب بشعبه، كما أعجب به أنا أيضاً، ولكن إعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها، بها غبطة لا حدّ لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي الخاصة خوفا عليها من الضياع .. إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقول إنَّ ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتُها إليك، وأنت في بلدتك التاريخية أسوان .. بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد منذ أول مرة رأيتك فيها بدار (جريدة المحروسة) إنَّ الحياء منعني، وقد ظننت أنَّ اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك، والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لا تميل إلى (جبران خليل جبران)، ثم قالت في نهاية الرسالة : (..لا تحسب أنني أتهالك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعلّه لن يراني، كما أني لم أره إلاَّ في تلك الصور التي تنشرها الصحف، ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال، وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها .. أليس كذلك ؟) (..معذرة فقد أردت أن أحتفي بهذه الغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعوراً بأن لي مكاناً في نفسك، أهني بهانفسي، وأمُتّع بها وجداني. فقد عشت في أبيات قصيدتك الجميلة، وفي كلماتها العذبة، وشعرت من معانيها الشائعة، وفي موسيقاها الروحية ما جعلني أراك معي في ألمانيا على بعد الشقة، وتنائي الديار .. سأعود قريباً إلى مصر، وستضمنا زيارات وجلسات أفضي فيها لك بما تدخره نفسي، ويضمه وجداني، فعندي أشياء كثيرة سأقولها لك في خلوة من خلوات مصر الجديدة، فإني أعرف أنك تفضّل السير في الصحراء، وأنا أجد فيك الإنسان الذي أراه أهلاً للثقة به، والاعتماد عليه.) (مي) . ثم أرفقت بالرسالة مقالة كتبتها إليـــه بعنوان: (أتعرف الشوق والحنين) تقول فيها: (كتبت هذه المقالة من وحي قصيدتك، وسوف لا أنشرها الآن حتى أعود إليها مرة أخرى، كما أفعل دائماًَََ، وكما يفعل الشعراء في قصائدهم، وأنا أعتبر هذه المقالة قصيدة منثورة .. أليس لي أن أدعي ذلك ما دمت لا أستطيع، مثلك، أن أدبج الشعر المنظوم؟).
ردّ عليها العقاد برسالة على عجل في أول يوليو/تموز/ سنة 1925، يقول فيها: وأنا مستعد لعقوبتها الرحيمة .. ولكني لم أندم عليها. نعم ! لم أندم عليها أبداً . .. فإذا سمحت في أن أخطرَ ببالك هنيهة، وأنت هناك سارحة الطرف أمام آية من آيات العبقرية أو عند زاوية من زوايا الكلسيوم أو وسط حجرة من حجرات الكعبة المسيحية أو بين يدي منظر من مناظر الطبيعية الساحرة تحت ضوء القمر الحالم الفريد. إذا سمحت لطيفي أن يقف إلى جانبكِ هنيهة في بقعة من تلك البقاع، فذلك أسعد لي ألف مرة من أن أراها بعيني وألمسَها بيدي، وتلك عندي رحلة على أجنحة الملائكة إلى خيال روما القدسي من طريق عليين .. فهل ستذكرينني؟؟ إنني آمل، وأتوسل، بل إنني واثق أنك ستذكرين! وأثق كل الثقة وسعيد كل السعادة بهذه الثقة الغالية. فلا تنسي يا آنسة .. واعذري ولا تشتدي عليَّ (ولك مني أعز وأصفى ما ترسله نفس إلى نفس من تحيات الشوق والرجاء والعطف والشكر والاحترام). أول يوليو عام1925. المخلص (عباس محمود العقاد).
وحين انتهت رحلة (مي) من ألمانيا، ونشرت الصحف والمجلات خبر عودتها إلى مصر كان العقاد وقتذاك قد سافر إلى أسوان لوفاة شقيقه الشاب (مصطفى)، وكان شقيقه هذا رياضياً نشطاً، يعشق الرياضة، كُسرت ذراعه ذات مرة، ورغم أنه عالجها ثم شفيت إلاَّ أنها كانت تعوقه من مزاولة الرياضة، وحدث في تلك الفترة فيضان النيل، وأصرّ هذا الشاب أن يسبح فيه كعادته مع أنداده، فخانته ذراعه، ومات غرقاً فيه، فأرسلت (مي) إلى العقاد برقية عزاء، وردّ عليها برسالة قال فيها: (عزيزتي مي . سافرت، كما تعلمين إلى أسوان لغير قصد مني. وودت أن أكون بالقاهرة حين عودتك من برلين. وقد آثرت أن أكتب إليك هذه الرسالة بدلاً من التلغراف... لولا أني أشعر بالتعب من تأثير مصابي بأخي مصطفى، لقلت لك الكثير، وإذا كان الإنسان في مصابه يتعزّى حين يرى أحبابه وأصدقاءه يشاركونه شعوره، فإني أبعث مع هذا بتلك الأبيات التي رثيته فيها، ونقشتها على قبره، ولست أقصد أن تشاركيني أحزاني، ولا أن تشعري مثلي بالكآبة، فأنا أود -لو أستطيع- أن أجمع كل ما في الدنيا من غبطة وسرور لأقدمها إليك. ولكن الأدب يحيا بالقراءة ولا سيما إذا قرأته مي).
تأثرت (مي) حين قرأت أبياته، وبعثت إليه برسالة تقول فيها: (لقد أبكتني كثيراً . وإني لأشعر بالكآبة تعذّب نفسي. وتسيطر على حبي)، ثم ترجمت له شعراً كانت قد كتبته بالفرنسية في ديوانها (أزاهير حلم) بعنوان: (كآبة) تقول في النهاية: (إنك القادر ونحن ضعاف. إنك العظيم، ونحن بائسون. نحن أشرار، وأنت كل الصلاح. أما كان الغفران أجدر بعظمتك؟ .. أو ما كانت أخطاؤنا أوفق لرحب قدرتك؟ .. نفسي اليوم حزينة، وحزنها قائم، أفكر في الأوراق المتناثرة، وفي الأحياء الذين يضحكون، وفي الموتى الذين مضوا، كأنهم لم يكونوا.) (مي).
نظرة في رسائل العقاد ـ مي:
ليس بوسعنا الآن في هذا المجال المحدد، أن نحيط بمراسلات العقاد – مي كلهّا إحاطة تامة، ولمثل هذه الإحاطة مجال آخر، فالكتب التي تحدثت عن هذه العلاقة قد اتسعت لها، وليرجع إليها من يشاء، وإنما أوردنا هذه المراسلات التي اختارها المتحدثون عن هذه العلاقة، وهي، من أهمّ المراسلات بينهما لنتعرف إلى واقع العلاقة. وفيما يخص المراسلات ذاتها، فأرى أن العقاد كان ينشد فيها الجمال الفني، وكانت (مي) تنشد الجودة فيما كانت تكتب إليه، وكان كلاهما يحاول أن يظفر بإعجاب الآخر، أو يزيد من إعجاب الآخر له فيما كان يبعث إليه من رسائل، كان كلاهما يتوخى الأسلوب المشرق الرقيق الذي يعكس حقيقة ما في نفسه نحو الآخر من أفكار وعواطف ومشاعر، فكانت رسائل العقاد تقصر وتطول، وتتراوح بين الشعر والنثر، وقلَّ أن تخلو رسالة من رسائله إلى (مي) من قصيدة شعرية، وكانت رسائل (مي) تميل إلى القصر والاختصار في أحيان كثيرة، وكانت نثراً خالصاً بأسلوب شائق جذاب، يرتقي إلى الشعر المنثور إلاَّ قصيدة أرسلتها إليه مترجمة إلى اللغة العربية من ديوانها (أزاهير حلم) الذي كانت قد كتبته باللغة الفرنسية في مطلع صباها. ويبدو أن رسائلهما كانت تتدرج من طور إلى آخر، فنرى (العقاد) يفتتح رسائله إلى (مي) بـ (آنستي الأديبة اللوذعية مي) ثم (سيدتي الآنسة العزيزة) ثم (عزيزتي) ثم (عزيزتي) ثم (صديقتي الآنسة الفضلى)، أمّا الآنسة (مي) فكانت تفتتح رسائلها بـ(الأستاذ الجليل العقاد) ثم (عزيزي الأستاذ)، ورسائل العقاد إلى مي في الطور الثاني، طور العلاقة العاطفية كما يسميه المتحدثون، كانت تنبض بخفقات قلبه نحو (مي)، وكان وهج الشوق إلى لقائها يلفح ثنايا سطورها، ويخيل إلى قارئها أنَّ ميّاً كانت متحفظة من البوح بما في داخلها إلى العقاد، وربما كان أصرح ما كتبته (مي) إلى (العقاد) هو المقطع الذي ورد في رسالتها المكتوبة إليه في برلين30 أغسطس/آب/ سنة1925، حيث تقول: (وحسبي أن أقول لك إنَّ ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول مرة رأيتك فيها بدار (جريدة المحروسة)، فقد يكون قلب (مي) قد خفق للعقاد ذات يوم، لكنه خفقان لم يدم إلاَّ لأجل قصير، وربما ورد ما يماثل هذا المقطع أو أكثر صراحة منه أحياناً في رسائلها إلى أدباء أو مفكرين أو آخرين، كرسائلها إلى جبران مثلاً. ومعروف عن (مي) أنها كانت تجامل الأدباء والكتاب والمفكرين وروّاد صالونها بالابتسامة حيناً، وبالعبارة الحلوة حيناً آخر، وكانت ترتاح إلى من يتغزل بها ارتياحاً يوحي له أنها تحبه حقاً، وقد تراسله مبدية إِعجابها به حتى ليظن أنها تحبه، وما هي كذلك، وكانت تمنح الشعور بالرضا لكل واحد من هؤلاء، وبأهميته عندها، وربما كان هدفها في ذلك أن تجذب هؤلاء إلى صالونها، أو تكسب ودهم، وصداقاتهم، وهم قاد ة الفكر في مصر وفي غير مصر أملاً في التأثير عليهم، أو كسبهم إلى جانبها في مناصرة قضية المرأة، ويتبين من قراءة رسائلها أنَّ (العقاد) كان مندفعاً إلى (مي) اندفاعاً لا نجد ما يماثله في رسائل (مي) إليه، حتى إنَّ عدد رسائل (مي) إلى (العقاد) لم يصل إلى عدد رسائل (العقاد) إليها، وكانت بينهما رسائل مختصرة جداً، فقد بلغ عدد رسائله إليها حوالي عشرين رسالة، بينما بلغ عدد رسائلها إليه عشر رسائل، والذين كتبوا، أو يكتبون عما يسميه هؤلاء بالعلاقة العاطفية بينهما، إنمّا كتبوها اعتماداً في جانب منها على مراسلاتهما، فللعقاد ومي مجموعات من الرسائل نشرها الذين كتبوا عن (مي) في مختلف الموضوعات، وفي طليعة هؤلاء الأستاذ (طاهر الطّناحي) الذي نشر عدداً منها في مقالات متسلسلة في مجلة (الهلال) خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في القرن الماضي، جمعت بعد وفاته في كتاب (أطياف من حياة مي)، وكانت تلك الرسائل متبادلة بين(مي) وعدد من الكتاب والأدباء والمفكرين بينهم (العقاد). ومن تلك الرسائل التي يزعم (الطّناحي) أنها كانت متبادلة بينهما، كتب المذكور قصة حب مستعرة بينهما في مقالاته التالية : (العقاد – حياته وإيمانه وحبه) و(دموع الحب بين الآنسة مي وعباس محمود العقاد) و(غرام العقاد والآنسة مي) كما كتب ابن أخيه عامر العقاد فصلاً عن النساء في حياة العقاد في كتابه (لمحات من حياة العقاد)، تحدّث فيه عن علاقة الحب بين عمه العقاد وعدد من النساء بينهن (مي زيادة). وعن علاقة الأخيرة بعمه، اعتمد عامر العقاد أحياناً مقالات (طاهر الطّناحي)، وعلى هذا فإن مقالات الأستاذ (الطّناحي) تعد المرجع الأهم لكل من كتب، ويكتب في هذه العلاقة، لا يتقدمه أو يوازيه إلاَّ قصة (سارة) التي يروي فيها مؤلفها العقاد علاقته مع بعض النساء، بينهن (مي) أما عن مدى صحة الرسائل، فأود أن ألفت النظر إلى أنَّ رسائل (مي) إلى (العقاد) كما تبين لي ليست مكتوبة بخط يدها، ولم أجد رسالة واحدة مكتوبة بخط يدها ! وهذا موقوف على دقة الأمانة للمؤلف الراحل ليس غير، فالمؤلف لم ينشر هذه الرسائل في حياة (مي)، وإنما نشرها بعد أن رحل عن الحياة من نسُبت إليه الرسائل، ومن له الحق في الاعتراف بها، أو إنكارها، وقد نشرت الصحف والمجلات عدداً غير قليل من رسائلها المصورة، مكتوبة بخط يدها، بعثت بها إلى أعلام عصرها إلاَّ رسائلها إلى العقاد، لم نعثر، على رسالة واحدة مصورة بخط يدها!! رغم أنَّ عدداً من رسائلها إلى (جبران) مكتوب بخط يدها، كان مصوراً ومنشوراً !! فأين رسائلها التي كتبتها بخط يدها إلى (العقاد) ؟ وكيف تنشر في الصحف والمجلات والكتب دون أن تكون مصورة بخط يدها ؟ ولماذا لا تصوّر؟ وإذا كانت قد صوّرت حقاً، فلماذا لا تُنشر هذه الرسائل المصورة؟ ويحدثوننا أنَّ ميّاً ردّت إلى العقاد رسائله إليها، واستردت منه رسائلها حين اشتدت عليها الخطوب، فكيف حصل الأستاذ (الطّناحي) على هذه الرسائل؟ ولماذا لم يصورها كما كانت بخط يدها، قطعاً للشك، كما صورت بقية رسائلها؟ أمّا أنا فلا أشك أنَّ بين (العقاد) و (مي) رسائل متبادلة عكست علاقة بينهما من نوع ما، وبلغت إلى أجل قصير جداً درجة ما من العطف والود، و إلاَّ فهل من المعقول أن تراسل (مي) أعلام عصرها، ولا تراسل (العقاد) أحد روّاد صالونها، وهو في أوج شبابه وتألقه؟ ثم هل من المعقول أن يراسل (العقاد)، وهو المعتد بنفسه، امرأة، لا تراسله؟ لكن السؤال: هل كل ما نسب إلى (مي) من رسائل تعبر عن الطور الثاني في علاقتهما، طور ما يسميه المتحدثون بالحب أو العلاقة العاطفية كما أوردها (الطّناحي) كانت (مي) قد أرسلتها إليه حقاً؟ أمّا أنا فلم أصل إلى مرجع آخر، يتحدث عن العلاقة بين هذين الأديبين الكبيرين على نحو مخالف، ولم ينشر أديب آخر -عرفهما عن قرب كالطّناحي- الرسائل المتبادلة بينهما، ولو حدث شيء من ذلك، لكان بوسعنا أن نقارن بين ما نُشِرَ، وما صُوِّر عن هذه الرسائل، لعلنا نصل إلى الحقيقة، أو نقترب منها، وإذاً لم نملك الآن دليلاً ينفي صحة بعض الرسائل المنسوبة إلى (مي) التي يزعم (الطّناحي) أنها بعثت بها إلى (العقاد)، مع أنَّ رسائل العقاد إليها المنشورة كانت مصورة بخط يده، فإذن، لابد لنا من قبول واقع رسائل (مي) إلى (العقاد) مثلما وردت على علاّتها في مقالات كاتب عرف الأديبين عن قرب، وانفرد دون سواه بكتابة قصة بينهما، زعم أنها قصة حب، لا أرى واقع العلاقة التي عكستها مراسلاتهما، يرتقي إليها.

حسين حمدان العساف


28/04/2017 2:53 م
حسين حمدان العساف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى