نقوس المهدي - مضاعفات المفارقات اللغوية..

تجرنا قضية رفض اعتماد السفير الباكستاني " ميانغيل أكبر زب " في سنة 2013 والتي خلقت توثرا دبلوماسيا بين دول الخليج وإسلام آباد، واسم دبلوماسي من موريتانيا الشقيقة ينطقه المذيعون عندنا بوجل وبصوت خفيض، إلى الحديث عن المفارقات اللغوية بين الأمم والشعوب، والمضاعفات اللغوية الهجينة التي تطرأ على اللهجات وتشوهها من حيث النطق او المعنى، فقد يعني هذا الاسم الغريب عند أهل الباكستان " صاحب الملامح الوسيمة " او " الصديق الوفي " بالنسبة للأخير، لكنهما يسببان معا احراجا فظيعا للمستمع العربي الذي نشأ على العديد من المحرمات والممنوعات .. زيادة على أن اللغة حمالة أوجه، وتتفاوت في استعمالاتها بحسب التجمعات البشرية والقبلية أو الجغرافية .. حيث تتناقض لهجة أهل الشمال عن نطق اهل الجنوب وأهل الشرق عن الغرب في تسمية بعض الأشياء .. وكل هذا تناولته اللسانيات في تناولها لكل ماهو لغوي ولفظي، و السيميائيات لكل ما هو لغوي وغيره، وتتعدى الدلالات اللفظية إلى البصرية.

( تتميّز لغة المرأة عن لغة الرّجل. فللنّساء طريقة في النّطق تختلف عمّا ينطق وفقها الرّجال فيعرف بهذه أو بتلك جنس المتكلّم، بل ويوصف من ينطق بطريقة النّطق النِّسْويّ من الرجال بالتخنّث أو بالرغبة في التّشبّه بالنّساء. وقد اختصّت نساء أقطار المغرب العربيّ (تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا) بنطق حرف [r] الفرنسيّ على الطّريقة الباريسيّة، أي بين الخاء والغين، في حين يتميّز الرجال عنهنّ بنطقها على الطّريقة الإيطاليّة أي كأنّها الرّاء العربيّة.

وقد تناولت دراسات عدّة لغة النّساء باعتبارها متميّزة عن لغة الرّجال من وجهة النّظر التّداوليّة (الدّماثة والتّأدّب، وأثبتت استعمال النّساء لقدر من أفعال الجهات والالتماس والاستفهام أكبر ممّا تستعمله لغة الرّجال التّي يغلب عليها الأمر والنّهي والإقرار).

و دعونا ننظر في عدة كلمات معاكسة تماما لما نود قوله.. وتخلق لنا نوعا من الأضداد (الاوكسيمور) .. الذي يجمع بين الشيء وضده في معنى واحد .. بل وتخلق لنا حرجا كبيرا مع أصدقائنا ، فوضى الحروف هذه لها مضاعفات وسلبيات متعددة .. ولو بإزلاق المعانى عن مقاصدها.. وتأويلها بطريقة أو أخرى.

في بحثي عن مثل هذه المفارقات اللغوية وقفت على العديد من الحكايات الطريفة بهذا الخصوص والمتداولة في مجتمعاتنا العربية ، فإبان انتفاضة الخبز بتونس الشقيق خرج الغاضبون الى الشوارع يرددون " احنا شعب صغير والطبونة غالية "، وفي حدوثة أخرى يتوجه تونسي يزور المغرب لأول مرة لام مضيفه بكل براءة مثنيا على خبزها " ... مليح يا حاجة "، و" الطبونة " هو الاسم الذي يطلقه الإخوة التونسيون على الخبز، وهو نفس الاسم الذي يسمي به أهل سوريا في لهجتهم العامية "صندوق السيارة الخلفي " فيما يعني لدينا " فرج المرأة "، وهو الحرج نفسه الذي تسببه كلمة " الكسكس " لاهل المشرق العربي .. كما نجد في التراث العديد من الفقهاء والشيوخ وضعوا العديد من المصنفات الأدبية حول الجنس والباه ولم يتحرجوا عن ذكر الأشياء بمسمياتها ووصف محاسن المرأة بطريقة جريئة ووصف اعضائها .. مما ينتقده حاليا رجال الدين ويسعون لتجريمها وحظرها بشتى الطرق.

زد على ذلك العديد من الألقاب والأسماء العائلية التي يتم بها تقييد الأشخاص في سجلات الحالة المدنية، ونصادف العديد من الأمثلة لهذه الأسماء الهجينة لمست تأثيرها على امرأة أمازيغية احمر وجهها خجلا حين سمعت اسم "خناثة" ، أو إسم "بثينة" حين تناديها امرأة في الشارع المغربي بطريقة حرفية.

و بثينة كما جاء في قواميس اللغة اسم علم مؤنث عربي، وهو تصغير "بَثْنَة"، وهي الأرض اللينة السهلة، والرملة الناعمة، والزبدة الناعمة. يقول ابن منظور: "وينبغي أن يكون اسم المرأة تصغيرها، أعني الزُّبدة، ولهذا وصفت المرأة الحسناء البضَّة بها" .. أو تسجيل بعض الأسماء بطريقة خاطئة مثل تحويل بدر الى بضر او بظر .. والعديد من الأسماء الغريبة لمحلات تجارية التي أصبحت ظاهرة لافتة لاجتذاب أكبر قدر من الزبائن.

هذا الى جانب بعض الترجمات التي يعرب بها المركز العربي للتعريب والترجمة بعض الأسماء الأجنبية مثل كلمة "سندويتش" التي يترجمونها بــ "شاطر ومشطور وبينهما طازج"، ومصطلحات أخرى لا تكاد تعني شيئا.

استحضر مقالا بإحدى الجرائد الوطنية للدكتور بنسالم حميش يتكلم فيه عن موضوع انشاء كتبه لابنه ذات مرة، وحينما قرأ معلم اللغة العربية الموضوع شطب كل الكلمات التي اعتقد أنها عامية وغامضة، فيما اتضح بعد تفسير معانيها أنها مفردات عربية فصيحة.

و بخصوص الأسماء الشخصية، تؤكد المادة 21 من القانون المتعلق بالحالة المدنية بالمغرب على أن " يجب أن يكتسي الاسم الشخصي الذي اختاره من يقدم التصريح بالولادة قصد التقييد في سجلات الحالة المدنية طابعا مغربيا و ألا يكون إسما عائليا أو إسما مركبا من أكثر من اسمين أو اسم مدينة أو قرية أو قبيلة و ألا يكون من شأنه أن يمس بالأخلاق أو النظام العام. و يجب أن يثبت الاسم الشخصي المصرح به قبل الاسم العائلي حين التقييد في سجل الحالة المدنية وألا يكون مشفوعا بأي كنية أو صفة مثل مولاي أو سيدي أو لالة .. كما يرفضون تسجيل بعض الأسماء الأمازيغية كنوع من تضييق الخناق وفرض نوع من الوصاية على المواطنين. ويجوز لكل مغربي مسجل بالحالة المدنية أن يطلب تغيير اسمه الشخصي، إذا كان له مبرر مقبول بواسطة حكم قضائي صادر عن المحكمة الابتدائية المختصة.

* نشر في:

Emancipations - تحرريات مغربية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى