منى جبور - هاني أبي صالح والقصة الحديثة

هذا التقرير هو آخر ما كتبته منى جبور، أي عشية اختناقها.

خصص الإجتماع الأخير في نادي القصة الذي عقد بتاريخ 21 كانون الثاني في مكتب المنظمة العالمية لحرية الثقفة لمناقشة حديث الأستاذ هاني أبي صالح، حول الأقصوصة الحديثة في لبنان. وكان بين المناقشين الأساتذة يوسف غصوب، جورج قزي، سامي شقيفي، الياس الديري، جميل جبر، جان كمييلا، وصلاح مطر، روبير غانم، جورج هارون، بطرس خواجه ومنى جبور وقد بدأ الأستاذ هاني أبي صالح حديثه حول بوادر القصة في الأدب العربي القديم قائلاً بأن غاية الرواية القديمة كانت تدور حول وقائع تهم القوم وحياتهم. ولربما انتقلت في بعض الكتب إلى أسباب الحروب بين القبائل زفيها منالطرافة الشيء الكثير. ثم دخل عليها في ألف ليلة وليلة عنصر الخيال وبدأت تنتقل إلى عالم الوهم والحلم. لكنها كانت تدور بين الواقع والمغالاة ضمن إطار قصير بعيد عن الرمز والتحليل وعن البناء الأدبي الذي يجمع العناصر بوعي للوصول إلى غاية.

ثم كانت المقامة. غير أن التهالك على الصنعة اللغوية فيها ضيق من تطورها نحو أدب حي يتفاعل مع الحياة ويكسب منها المغزى النفسي والميتافيزيقي.

وهكذا فإن القصة العربية القديمة وإن أدركت فن الحديث والسرد والوصف السريع لم تكن من المرونة والإتساع للوصول إلى أبعاد القصة التي تشمل بتحليلاتها مفهوم الإنسان والمجتمع والكون والقيم.

ثم أكمل بعد ذلك قائلاً بأن القصة شهدت في لبنان نهضة لا بأس بها مذكراً بقصص جبران ونعيمه وتوفيق عواد. وقال بأن القصة عند هؤلاء دخلت مفهوم الرواية مع تنوع في النزعات الرومنطيقية الشعرية والرمزية الممتزجة بالأسلوب وفي اللغة والواقعية الغنية بعنصر الملاحظة والتي يتداخل فيها سرد القصة مع أهمية الإطار والكشف النفسي.

ثم انتقل إلى واقع القصة بمفهومها الحديث فقال : القصة في لبنان طرية العود بتحديدها تدور حول حدث ومفاجآت وشخص أو اشخاص وتتطور في ظروف وتنتقل إلى نقطة الذروة في العقدة فهناك موت أو نهاية غير منتظرة أو مغزى فلسفي أو نتيجة تبرز بطل الرواية في وضع إنساني عام. وهي تحمل ضمن إطارها والإكتشاف أولاً فالتأثير في القارىء ثم الإثارة بمحاكاة الحياة أحياناً وبخصوص عالم الأحداث الغريبة أحياناً أخرى. وهكذا أصبحت القصة في هذه المرحلة من وضع المؤلف ومن خلقه. كما أصبحت ملاصقة للواقع بشخصياته أو محيطه الإجتماعي وابتعدت عن غاية التندر أو الكشف عن طرقه.

وهكذا تنوّعت القصة وفقاً لأسلوبها وغايتها فبرزت القصة الواقعية والسوريالية والرمزية والشعرية والأطروحة وقد أعطى المحدث تحديداً لكل هذه الأنواع وقال أن للقصة وجوها كثيرة فهي في المرونة بحيث أنها تستطيع الدخول إلى أبعاد الحياة بجمالها وقبحها، بواقعيتها ودواخلها وهكذا ينبثق الأسلوب انطلاقاً من مصادر الإيحاء.

ثم أتي على ذكر بعض القصاصين اللبنانيين فقال أن يوسف حبشي الأشقر يتأنّى على غرار فلوبير في التعبير عن عالم النفوس الوضعية وهنا ترى أن أشخاصه عاديون من الجبل من فئة الفلاح والناطور وعلاقتهم بالأرض قوية...وقد لا تهمنا الحوادث في قصته لتفاهتها. ما يهمنا هو الجو الحميم والإنفعال الإنساني لمخلوقة من نوع الأرملة أو لأرض مهملة. غير أن مجال القصة عند يوسف الأشقر يظل موضعياً محلياً والمطلوب من أشخاصه أن يمثلوا كثافة إنسانية أعمق.

أما ليلى بعلبكي فتنحي ناحية القصة الشعرية المبنية على سرعة الصورة والإحساس ومزج الحالة النفسية بتفاعل حميم مع ما يقع عليه نظرها كأن هناك حواراً أو وجوداً في الحجر والشجر والمطر واللون والعطر. وهكذا فحيوية قصتها تتأتى من هذا الحوار الحاصل بالنظر فقط بين أبعاد النفس وأبعاد الخارج.

أما بصدد أشخاص رواياتها والعقدة القصصية عندها وعنصر المفاجأة والسرد فهناك ناحية ضعف فالأشخاص كلم شخصية واحدة شخصية المؤلف والعقدة مبنية دائماً على صراع هذه "الأنا" مع الغير من فضائلها محبة الحياة بزخم وشراسة وشهوة حسية جامحة.

أما أطروحة المرأة فلا تزيد قصة ليلى بعلبكي غوراً ولا تؤثر في القارىء مثلما تؤثر لهفة المرأة التي تتجسدها الكاتبة في قصصها.

واختتم حديثه قائلاً بأن المجال أضيق من أن يتناول بحديثه جميع القصاصين اللبنانيين وأنه ما انتقى هؤلاء الثلاثة إلا لإعطاء مثال عن نوع كل منهم.

وقد بدأ المناقشة الأستاذ يوسف غصوب متسائلاً لماذا بخس المحدث الأدب العربي القديم حقه مع أن فيه عناصر قصصيّة متنوّعة وقال بأن ألف ليلة وليلة كانت مصدر مدرسة غربية وكذلك كليلة ودمنة.

أما الأستاذ الياس الديري فقد اثنى على البحث الشامل لكنه لاحظ أنه غير مستوفي الدراسة وقال أنه لا يجوز قياس الكاتب اللبناني نسبة للكاتب الأجنبي. وتمنى على المحاضر لو اهتم أكثر بالقصة اللبنانية ووضعها في إطارها العام ودرسها بالنسبة لما أسلف من تحديدها للقصة وفروعها.

وقال الأستاذ صلاح مطر بأن الحديث أعطاه فكرة واسعة لكنه بما رأى الأستاذ غصوب بصدد الإجحاف بحق الأدب القديم مذكراً بالجاحظ وألف ليلة وليلة.

وقال الأستاذ جان كميد بأن الدراسة كانت منهجيّة ولكنها لم تكن منسجمة مع موضوعها الأساسي وذكر المحدث بأنه لم يأتِ على ذكر عناصر القصة في القرآن وقال بأن قصص يوسف حبشي الأشقر لم ينقصها التحليل النفسي كما ذكر في حديثه.

أما الأستاذ جورج هارون فقد استثنى عن جرأة البحث وعقمه. لكنه تساءل عن سبب تجاهل المحدث لما قبل جبران ونعيمة من قصاصين أمثال أحمد الشدياق ونجيب حداد وفرح أنطون

وقال الدكتور جميل جبر بأن الموضوع كان شاملاً وواسعاً والمخطط واضحاً وأثنى على أسلوب البحث ووضوح الأفكار ولاحظ بأن المحدّث وفق في ربط الحوادث بنقاط عامة وقد اقترح العودة إلى دراسته بصورة محدّدة أكثر.

ولاحظ الأستاذ بطرس خواجه إهمال المحدث لسليم البستاني. وقال : إني أعارض تصنيف القصة كما إني أتساءل عن سبب تصنيف المحاضر لقصص نعيمة بأنها فلسفيّة مع العلم أنها إجتماعيّة واقعيّة.

وقال روبير غانم أنه لم يكن يجوز هذا القفز في تصنيف الأدباء اللبنانيين.

أما الأستاذ سامي شقيفي فقد قال بأن المحدّث ذكر أن القصة القصيرة رائجة مع العلم أن دور النشر تشجع كثيراً هذا النوع الأدبي أما الأسماء التي ذكرها فلا تمثل جميع الأنواع القصصية في لبنان وتساءل عن سبب غياب اسم جورج شامي وقال الأستاذ جورج قزي بأن الأستاذ صالح لم يفِ الحديث حقه ولم يحدّد القصة بهيكلها وتكنيكها. ثم قال عن يوسف حبشي الأشقر بأنه لا يجوز أن يعاب عليه إقليمية قصصه ما دام استطاع أن يحبب للقارىء هذه الإقليمية وأما الكثافة الإنسانية عنده فموجودة خاصة في وصف أنطون وراحيل.

واختتمت منى جبور المناقشة مشيرة إلى أن البحث دار حول الأدب القصصي القديم تمهيداً للموضوع الأساسي الذي هو القصة الحديثة في لبنان وسألت هل أخذت هذه القصة الحديثة جذورها من القديم لتمهّد بهذه الطريقة قالت بأن الحديث كان مدرسيّاً تاريخيّاً مع أنها كانت تنتظر أن يكون تحليليّاً وسألت لماذا حدّد المحدّث أنواع القصة استناداً للأدب الغربي ثم حاول أن يطبق على هذا التحديد أمثلة من الأدب اللبناني. وقالت : لن يكون عندنا أدب ناجح إلاّ عندما تنبثق عندنا مدارس خاصة.

واختتمت الجلسة بأجوبة الأستاذ هاني أبي صالح على المناقشين.



* نفلا عن:
Last report by Mouna Jabbour

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى