إبراهيم درغوثي - وقائع ما جرى للمرأة ذات القبقاب الذهبي.. رواية

تصدير أوّل

بطُعم من الكذب نصيدُ سمكة من الحقيقة.
وهكذا نحن المتمتّعين بالحكمة والنّفوذ
نكتشف بالطّرق الملتويّة والحياد عن الهدف،
الوجهات الصّحيحة.
* " هاملت "
وليم شكسبير

تصدير أوّل: مكرّر

- يا ملّاح ويا ملّاح
ريتش زينة الملاح؟
- ريتها ريتها
في الصّحراء خلّيتها
طفلة من عجب
تمشي بقبقاب من ذهب.
* من خرافة : الغول وبائع الملح
خرافة شعبيّة من الجنوب الغربي التّونسي


كان أوّل عهدي بها يوما مشهودا مازلت أعاني من تبعاته حتّى الآن. فقد جاءت متأخّرة عن الدّرس وجلست في الصفّ الأخير من المدرّج بين مجموعة من البنات والشّباب. ولم تفتح دفتر الدّروس وإنما رأيتها من بعيد تفتح حقيبة يدها وتخرج منها مرآة صغيرة وأدوات الزّينة وظلّت تتبرّج مدّة ثم قامت. اخترقت مرّة أخرى صفوف الطّلبة والطّالبات وبدأت تنزل على الدّرجات الجانبيّة للقاعة وهي تحرّك ردفيها بطريقة ماجنة وتطرطق بحذائها العالي على جلّيز القاعة بشكل منغّم موزون ممّا أثار انتباه الجميع، فعلت في الجوّ همهمة وضحكا وتعاليق بذيئة. وتجرّأ طالب فوقف وبدأ يصفّق على وزن وقع مشيتها، فتبعه جماعة أخرى من الطّلبة والطّالبات في جوقة تصفيق وتصفير هزّ المكان هزّا، وهي تهبط الدّرجات دون أن تلتفت لأحد إلى أن وصلت الصفّ الأمامي، فاختارت الكرسيّ الّذي في قبالتي وجلست. فأشـرت للفوضى أن كفّي وواصلت الدّرس. رأيتها تدوّن على دفترها خربشات لا تمتّ للدّراسة بصلة: دوائر ومربّعـــات ومثلّثات ومستطيلات وإمضاءات وصور كاريكاتوريّة إلى أن انتهيت من الكلام، فغـــادر الطّلبة القــاعة وغــادرت معهم وأنا ألملم أوراقي وأعجب لحال هذه البنت.
عند الباب الرّئيس للجامعة وجدتها في انتظاري. مدّت لي باسمة يدا لعوبا مخضّبة بالحنّاء وسلّمت باحترام شديد وهي تقول:
- آسفة أستاذ للإزعاج الذي تسبّبت فيه اليوم في القاعة. ما كنت أقصد ذلك وما كنت أسعى إلى تشتيت انتباه الطّلبة وتعطيلهم عن الدرٍّس، هي عادتي في المشي وليس في مقدوري تبديلها. ولكنّ الجماعة رغبوا في استفزازي بالتّصفيق والتّصفير فلم أمانع واستجبت لرغبتهم. وظلت تحكي وهي تحرّك يديها وحاجبيها وعينيها، وتمــاشيني إلى أن وصلنا جانب سيّــارتي فوقفت، ووقفت محرجة لعدم ردّي على كلامها وعدم انتباهي لما تقول. ومع ذلك زادت وهي توسع أكثر في ابتسامتها: إن كنت لا تمانع أستاذي الفاضل، يسعدني أن أدعوك لكأس شاي في الصّالون القريب من هنا. فاعتذرت لها بلباقة ووعدتها بأنّني سألبّي دعوتها بالتّأكيد في مناسبة أخرى. فاستدارت على عقبيها وهي تتمتم: أنت الخاسر.
وذهبت في حال سبيلها، ففاح في المكان عطر الأميرات في القصور السّلطانية. ونسيـت تلك الطّالبة، فغابت حكايتها عن الذّاكرة وذهبت مع الرّيح ، إذ لم أر لها حضورا في قاعة الدّروس حتّى موفّى الشّهر الأخير من السّنة الدراسيّة، فذهب في ظنّي أن حكايتها قد انتهت مع رفضي كأس الشّـاي الّذي دعتنــي إليه، وأن لا عـــودة لها للدّراسة، إلى أن فاجأتني بحضورها ونحن نتهيأ للامتحانات. جاءت هذه المرّة في ثياب محترمة جدّا. كــانت تلبس معطفا من الصّوف الكشميري الأزرق السّماوي وتغطّي رأسها بفولارة لونها أزرق داكن وتنتعل حذاء بلون المعطف، فحيّتني بأدب جمّ وجلست في الصّفّ الأوّل. ولم تنبس ببت شفة إلى أن جاء موعد الاستراحة فخرج الطّلبة والطّالبات إلا قلّة بقوا يتناقشون في مواضيع تخصّهم، فترجّتني أن أقف معها لحظة. وحين استجبت لها وضعت في يدي ورقة صغيرة فيها رقم هاتف جوال وغــادرت دون تسليــم فخبّأت الورقة في جيب سروالي وأنا أعجب لحــال هذه المرأة إلى أن وصلت إلى قاعة الأساتذة فأنستنيها، ولو إلى حين، النّقاشات الدّائرة عن حال البلاد والعبـــاد وعن الفوضى التي سادت في المدن والبوادي بعدما هرب هــولاكو في الطّيــارة وترك للشّعب الكريم القصر والسّيارة. ولكن في الّليل وأنا أبدل ثياب النّهار بثوب النّوم تذكّرت الورقة المدسوسة في جيب السّروال فبحثت عندها وتمدّدت على السّرير. كانت السـّـاعة تشير إلى منتصف الليل إلّا قليلا، فتردّدت في الاتّصال بها في مثل هذا الوقت المتــأخّر ولــكنّ جرأة ما ركبت رأسي وشجّعتني على الفعــل، ففعلت. رنّ جرس هاتفها مرّة، وفي المرّة الثّــانية استقبلت النّداء وهي تقول:
كنت على يقين بأنّك ستتّصل، لذلك بقيت في انتظارك، ثم مرّت للسّلام والتّرحيب والسّؤال عن الحال. فرددت عليها بألطف ما في عبارات الودّ من مقال. وطالت دردشتنا إلى تباشير الصّباح. فكلّما حاولت قطع الكلام رتقته بحرير لسانها وحسن بيانها. إلى أن اتّفقنا على التّلاقي على أن لا يكون في مكان عامّ خوفا من القيل والقال وكثرة السّؤال. فاستبشرت خيرا وذبحت طيرا. وتنادينا إلى النّوم وشمس اليوم الجديد تنادي العباد أن حيّ على الجهاد.
في مسـاء اليوم التّالي، التقينا في مقهى صغيـر على ضفاف البحيرة. كان المقهى أنيقا جدّا وعدد روّاده قلّة قليلة من العشّــاق انزووا في الدّاخل والخارج كلّ يغنّي على ليلاه ولا واحد منهم يلتفت للآخرين. قالت إنّها معتادة على زيارة هذا المقهى وإنّها تعشق الجلــوس في مقابل جبل بوقرنين تنظر إلى سنامي الجمل الأسطوري الرابض أعلى قمّته. هو جمل كبير أخضر تحوّل بقدرة ســاحر جبّار إلى جبل، كما تقول ، يكفي السّـــائس أن يقف وراءه ويزجره حتى يقف بشجره وحجره. وتعجبني الاستعارة ولكنّني أصمت حتّى لا أشجّعها على التّمادي في جنونها فأكتفي بالسّـؤال عن ظروف دراستها في كلّية الآداب وعن قراءاتها في كتب الأدب وعن جنونها بأحلام مستغانمي وغادة السّمان وحميدة نعنع وعشقها للفنّ والغناء والطّرب الأصيل لدى فنّاني ستّينات وسبعينات القرن الماضي: محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيــــرة وفريد الأطرش وأم كلثـوم وكــارم محمود ووردة الجــزائرية وفيروز وعلية ونعمة وموشّحات أيام زمان، وعن ليالي الوصل بالأندلس...
ويطول بنا الحديث ويتشعّب وأنا في كلّ لحظة أزداد إعجابا بهذه الفاتنة الّتي قالت لي مرّة ، خلتها دعابة منها، إنّها عاشت أعمارا كثيرة وفي أزمان عديدة ومتعدّدة. وكنت أضحك كلّما حدّثتني عن عشق جعفر البرمكي لها وعن تولّهه بها قبل أن ينكبهم الرّشيد في تلك الوقعة الشّهيرة الّتي ظلّت أسبابها غير معلومة حتى يومنا هذا. ولكنّها قالت لي لو عرفت السّبب لبطل العجب. ووعدتني بأن تحكي لي في مرّة أخرى ما عاشته بالتّفصيل أيام نكبة البرامكة وكيف أنّ الرّشيد طمع في مالهم وذهبهم وخاف من جاههم، فنكبهم بذلك الشّكل الرهيب ونكّل بهم وجعل الدّهر يزري بحالهم ولا يرحم صغيرهم ولا الكبير حتى صاروا يستجدون قوتهم ويهابون النّوم في بيوتهم. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. وكانت في كل مرّة يحلـــو فيها السّهر وترى إعجــابي بما تقول وتذكر، تعدني بأن تبعث لــي ذات جنون بنصّ كتبته في مثل هذه المواضيع ودبّجته بشكل بديع. نصّي " يتيمة الدّهر " كما تقول، خرجت فيه عمّا كتب العامّة وسطّر الخاصّة من نقّاد العرب في فنّ الأدب.
وتضيـف: أريــدك أن تقرأه بقلبــك فلا سلطــان للعقل عليه.
وظللت أنتظر وصول هذا الكتاب الذّي كان محور جلساتنا وفاكهة مسامراتنا حتى ظننت بها الكذب... فقد كانت دائما تتعلّل بأنّ وقتها كلّه صار ملكا لبحثها عمّا يقدّم الإضافة لشهادة الماجستير في الحضارة العربية الّتي تعدّها لنهاية السّنة الدّراسيّة. وكانت قد اختارت لها عنوانا ظريفا طريفا هو:" قراءة أسطوريّة في كتاب الأغــاني لأبي الفرج الأصفهــاني ". فظللت أنتظر نصّها اليتيم على شوق حتى فاجأتني به يوما ونحن نغادر كعادتي مذ عرفتها ، مقهى صغيرا مدسوسا في شارع جانبي من شوارع وسط تونس العاصمة اعتدنا أن نمضي وقتنا فيه هربا من المقاهي العصريّة الكبيرة الّتي عشّشت على جادّة شارع الحبيب بورقيبة بالطّــول والعرض. تلك المقــاهي التي صرت أمقتها مقتي للجرب والكلب بعدما أصحبت محجّا لكل من هبّ ودبّ من سكّان العاصمة وأحوازها ومن الأفّاقين الّذين غزوا هذه المدينة الجميلة في السّنوات الأخيرة بعدما أفقر الحشّاشون الجدد جيــوب الغلابة من بني الشّعب الكريــم...
يومها، كانت تتهيّأ لركوب سيّــارة التّاكسي الّتي أوقفتـــها لها حتّى ترجع للمبيت الجــامعي حيث تقيم، حين اختطفت منّي محفظتي وبحثت فيـها عمّا لا ادري بعض الوقت ، ثمّ دسّت داخلها رزمة أوراق وهي تقول :ها قد وفيت بوعدي. هي ذي خربشاتي أملى عني جزءا منها أبو الفرج الأصفهاني بصوته الأجشّ المبحوح من فرط معاقرته لبنت العنب، وكتبت الباقي وحــدي من واقــع الحياة الّتي عشتها بالطّول والعرض خلال إقامتي في حاضرة هذه البــلاد الجميــلة الّتي تحتفي بالحياة هي وناسها وحجرها وشجرها، فتعلّمت فيها كيف أجعل من جسدي ملكيّة خاصّة بي لا شأن للآخرين بها ولا سلطة لهم عليها إلا فيما يعطيهم كرمي التّونسي. أريدك أن تقرأها بعدما تغلّق نوافذ مسكنك وتحكم إغلاقها بالمسامير حتى لا تنتحر مباشرة بعد القراءة . ثم صارت تضحك وسائق التّاكسي الملتحي حديثا يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويستحثّها على الإسـراع في الرّكوب مهدّدا متوعّدا بأنّه سيغادر المكان إن تمادت في الحديث والضّحك والاستهتار. وتحرّكت عجلات السّيارة فلحقت بها قبل فوات الأوان وهي تلوّح لي بيدها الصّغيرة بالتّسليم وتبعث لي من وراء زجاج السّيارة بقبلات طائرة. فأعدت إغلاق المحفظة وعدت أحثّ الخطو باتّجاه المقهى، فقد كنت على موعد مع صديق لشأن من شؤون الحياة. وكنت أبتسم للمفاجأة التي انتظرتها طويلا. فقرّرت بيني وبن نفسي أن أستجيب لرغبتها المجنونة. فلن أقرأ خربشات " درّتها اليتيمة " إلا بعدما أطمئنّ على حياتي وأؤجّل موتي إلى فرصة أخرى غير قراءة نصّ أدبي لا تأتــي من ورائه إلا المصـائب. وهل في مقدوري أن أهدر دمي بسبب جنون هذه المرأة الّتي لا تشبه نساء العالمين من قريب أو بعيد ؟ولكنّ مشاغل الحياة اليوميّة ومتاعب التّدريس في هذا الزّمن الصّعب أنستني اضبارة الأوراق الّتي دسّتها مجنـــونة أغــاني الأصفهـــاني في محفظتي، حتّى كنت يوما بصدد البحث عن ملفّ نسيته في محفظتي التي أهملتها منذ يوم حادثة التّاكسي، فوقعت الأوراق بين يديّ وتذكّرت باسما " الدّرّة اليتيمة ". وأغراني عنوان الإهداء الّذي قالت إنّه يعنيني أكثر من غيري يوم سلّمتني أوراقها، بعدما أكّدت لي أنهّا كتبته بمـــاء القلب لشخصي الكريم كمقـــام تعظيم، ولذاتـها المعذّبة منذ بدء الخليـــقة واكتشافها عالم الغيب والحقيــقة.
فنسيت البحث عن الملفّ وانهمكت في قراءة نصّ صديقتي الطّالبة، على حدّ زعمها على الأقـــلّ. ولم أغلّق النّوافذ والأبــواب بالمسامير وأنا أقرأ النّصّ. فلا خوف على رجل مثلي يعيش بسبعة أرواح.


* إهداء:
إليك وحدك يا صاحب الظّلّ الطّويل.

هل أنا تلك الفتاة التّي عايشت الحزن وحدها منذ أن بدأ صراخها في وجه العالم الذي رفض قبولها، فأهملها تحت شجرة زيتون عجوز وتركها للرّيح والمطر حتّى مرّ قربها ملّاح عجوز يقتات من بيع الملح المرّ للصّابرين من بني البشر، فأشفق عليها وحملها في عدله وهرب بها من الغول الّذي جرى وراءه والنّار تشتعل في شعر رأسه سائلا عنها وعن قبقابها الذّهبي المدسوس ضمن ثيابها. وخاف بعد ذلك أن يكتشف الغول أمره، فلم يكلّف نفسه مجرّد تسجيلها في دفاتر بلديّة المدينة مدّة طالت شهورا وهو يمنّي نفسه بموتها حتّى يرتاح منها ويريح منها العالم. أو لعلّي تلك البنت الّتي كانت تودّ أن تكون حزينة بإرادتها، هكذا لوجه الله ،حزن برغبتي ولا دخل للآخرين فيه. هؤلاء الآخرون الّذين عاشرتهم حتّى سنّ المراهقة في إقامة واحدة كبيرة وموحشة. فقد ظلّت الدّموع ترافقني دهرا، وأنا أرنو إلى العالم من وراء نظرة سـوداء تبحث لها عن أخ أو أخت حقيقيّة في عالم مليء بالبشر حدّ التّخمة لتضع رأسها على حنانها وتنـام دون أن تخاف غدر الشّياطين المعشّشة في القلوب.
هل أنا تلك الطّفلة الطّيبة، السّاذجة الّتي كانت تركض في كلّ الاتّجاهات دون أن تجد لها مستقرّا فوق الأرض وتحت السّمـاء؟
هل أنا تلك الطّفلة التعّيسة الّتي كانت ترى نفسها مختلفة عن كلّ الأخريات بشعري الأصفر وبشرتي الشّقراء وعينيّ الزرقاوين ؟
هل أنا تلك الّتي رغم نجاحاتها في دراستها ورغم تكديسها الجوائز في أواخر كل سنة دراسيّة كانت لا تجد لمن تسلّم فرحها وجوائزها وانتصاراتها الصّغيرة، فتحتفظ بها منسيّة في بئر أحزانها العميق؟
هل أنا تلك الجميلة الّتي كـــانت ترى محاولات التّقرب من موائد جسدها في عيون الشّباب في بدايات مراهقتها، لعلّهم يغنمون شيئا من كنوزها الزّاخرة باللآلئ والجواهر الكريمــــة، لكنّها ما كانت تأبه لنداء الجوع الّذي كـــانت تشعر به في دواخلها الحميميّـة وتراه في عيونهم، عيـون ذئاب صغيرة تعوي بنداءات وحشيّة وصراخ محموم...عواء ذئــــاب جوعى للعق دمها الفائر والنّهش بالظفر والنّاب من لحمها الطريّ الباذخ في حسنه وجماله. لقد صادفها حظّ عاثر منذ أن حطّ طائرها على هذه الأرض العجـــوز.فلم تعرف طعم ابتسامة الحياة المشرقة بالنــّار والنّـور، ولم تعرف معنى الضّم على صدر أمّ تحنو عليها ولا أب يضحك في وجهها الصغير. فكانت أسطورة حزن قادمة من زمن آخر، حزن سماء عطشى لسحب المطر، حزن أرض بور منذ بدايــات الخليقة. حزن تحسّه في داخلها ولا تعرف كيف تعبّرعنه بالكلمات، فيتزاحم الكلام داخل حلقها ويتلاطم تلاطم أمواج الشّتاء على شاطئ قفر ....ولكنّها تكبته ... وتصمت هي التي كانت دائمــا تتســاءل عن الحياة وعن نصيبها منها ولماذا أسلمها الملاح بحذائها الذهبي إلى هذا الملجأ ولم يحتفظ بها لنفسه؟... فكلّما أغلقت أبواب الرّحمة في وجهها تداعت إلى قلبها أسئلة حارقة لا تجد لها أجوبة: هل هي دمعة حرّى دائمة الحضور في العين والقلب والوجدان، أم هي ابتسامة ظلّت تحلم بها العمر كلّه ولم تتحققّ إلا فــي مناسبات صغيرة سرقتها من جيب القدر وهو نائم؟
وتزيد فتعتب على هذا القدر ولا تسأم من العتاب: لم تخبّئ عنّي الفرح بوشاح سميك يحجب نور شمسي ويغتال أزهار بساتيني ويقتّل ورود العمر الجميل؟
لم كلّما حـــاولت الاقتراب من فرحة الحياة هربت مني هروب الرحمة من قلب الكافر؟
وتظلّ تسأل ولا جواب يشفي غليلها.
وأنا الّتي كنت أودّ...
وكنت أرغب...
وكنت أحلم ...
دون أن أظفر بشيء ممّا طمحت في الحصول عليه. كنت أرى صديقاتي وهنّ يتغامزن ويلمزن ويهمزن ويهزلن ويلعبن غير عابئات بالعظيم من الأمور وبحقيرها.. كنّ يحكين عن الجسد وعوالمه.. عن الّلذه الحرام.. عن الحب والموت. عن العادة السرّيّة الّتي لا تتقنها إلا المجنونات منهنّ وعن الموت الحلال بين ذراعي المحبوب. وأنا وحدي كالبلهاء أسمع قولهن ولا أفقه منه شيئا. فكأنّني قـادمة من عالم سحريّ مسكون ببراءة الطفولة فقط لا غير. وأنا وحدي المختلفة دائما، فكلّما حاولن الولوج إلى عوالمي أوصدت في وجوههنّ أبواب سماواتي بكل مفاتيح الدّنيا، وانطويت داخل عذاباتي كحلزون عنيد. فما أعسرها الحياة على فتاة بلا سند. فتاة لا تريد أن تختلف لمجرّد الاختلاف ولكنّها لا تعرف كيف تغادر متاهتها لتمدّ يديها للفضاء الوسيع .فتاة تريد أن تخرج من متاهتها وتطير وحدها بجناحي ايكاروس في السّماوات دون أن تخاف من لهب الشّمس المحرقة. فتاة لا تنفكّ تبحث عن طريق تظنّ أنه يفتح أمامها الدنيا الجميلة... ولكنّها تخاف الغول الذي ظل يعمّر داخـل ذاكرتها المسكــونة بالخرافة.
أنا أخاف ...
أنا أخاف ...
أنا أخاف...
تلك كانت ترنيمتي الّتي ما كنت أتعب من ترديدها كلما دعتني الحياة إلى ما تدعو إليها مثيلاتي من بنات هذا العالم المسكون بالغرابة.
أخاف أن تتفتّح ورود الربيع فوق صدري.
أخاف أن يحطّ عصفور على شعري.
أخاف أن يداعب نسيم الصّباح الوردي خصري.
أخاف أن تتعثّر خطواتي فوق زهور الحقول.
وأخاف....
أخاف ...
أخاف...

أخاف حين يدغدغ غزل سمعي...
وحين يهطل بين يديّ مطر الكلام الجميل...
فأرتبك ولا أعرف بماذا أجيب النداءات السّحرية...
ياااااااااااااااااااااااااااااااااه
كم أنا غريبة عن هذا الواقع.
فكيف أعيد عصافيري إلى أعشاشها؟
كيف أجعل ورودي تينع في حقول فساتيني البنفسجيّة؟
كيف أحيا كما الكناري بعيدا عن القفص السّحري المدفون في قلبي؟
يا أنا...
كم أنا وحدي...
كنت أعتبر البكاء ملاذي الأوّل والأخير.
فأبكي لموت عصفور جمّده الصّقيع.
وأبكي لنداء قطّة أضاعت صغيرها.
وأبكي لمرأى ثكالى لا أعرفهنّ ولا يمكن لي أن أعرفهنّ. كلّ ما في الأمر أن حزنهنّ هزّني وأنا أتابع الأخبار التلفزيونيّة، فأبكيهنّ كما لو كنّ شقيقات لروحي المريضة بعذاب أبديّ لا أعرف من يأتي ولا أين يذهب بي.
يا أنا... كم أنا وحدي في عالم لا يرحم وحدتي.
كم أنا وحدي في مأوى لا أجد فيه دفء الشّمس وطلاوة الرّبيع وحلاوة تغريد عصافير الشّوق الأبديّ إلى الحياة .
ومرّت سنوات العمر الأولى تنداح بطيئة، سوداء، بلا روح وبلا معـنى.
مرّت دون أن تنعش القلب نسمة باردة في صيفه القائظ... نسمة تطفئ استعار الحرّ المدفون في أعماق روحي ، حتّى أنّني كنت أقف ساعات تحت المطر حين يهطل، فأتعرّى وأعرّي شعري وجسدي لطوفان الهطول، فيبتلّ الجسد وتظلّ الرّوح عطشى لبلل لا أعرف كيف أحصل عليه من سلطان هذه الأمطار الرّحيمة. فأعود من حيث أتيت جافّة كأغصان أشجار الطرفاء في صحراء بلقع.
يا أنا...
كم أنا وحدي... أقيم في ركن مسكون بالظّلام والفجيعة في ملجأ لايعرف رحمة الرّب إلا لماما..
كنت شهرزاد الحكاية القديمة وأنا أنتظر قدومك على حصان أبيض.
ولا أملّ الانتظار...
وأنا لا أنتظر سواك...
يا أنت ... يا صاحب الظلّ الطّويل...
وجئت...
إلى حدّ هذه الساّعة لم أعرف من أيّ الطّرق أتيت؟
من أيّ مسارب الجنّة شققت طريقك إلى قلبي فسكنت فيك؟
أعطيتك مفاتيحي كلّها، دفعة واحدة، ولم أندم...ولن أندم أبدا.
لم أكن أعرف عنك إلا القليل القليل، ممّا سمعته من طالباتك الّلاتي لا يعرف الملل إليهنّ سبيلا حين يتحدّثن عنك، ولكنّني أحسست وكأنّني أعرفك منذ دهور، منذ البدايات الأولى للخلق...
أعرفك وأتملّى ملامح وجهك علّني أجد فيه ما يذكّرني بك أكثر...
ما ينير فوانيس الرّوح لتستدلّ عن إشارة عرفتها فيك ونسيتها...

أعرفك ... يا صاحب الظّل الطّويل ولا أدري في أي مكان... في أي زمان ... أضعت طريــقك
لأظلّ كلّ أعماري أفتّش عنك ... ولا أتعب...
يا أنت يا صاحب الظلّ الطّويل...
كم أنا وحيدة بدون حضورك.
تتآكلني نيران جهنّم ولن تقدر كلّ مياه انهار الدّنيا وبحورها على إطفاء لهيبي.
فقط هي جداول جنّتك القادرة على إسكات هسيس النّيران المشتعلة في أعماق روحي، فلا تتركني لشياطين الجحيم تلتهمني بدون رحمة...

*****

إلى عند هذا الحدّ توقّّّفت عن القراءة في هذا النّص الّذي أحسست وكأنّه موجّه لروحي مباشرة. وتساءلت بيني وبين نفسي إن كنت قد عرفت هذه المرأة حقّا في عمر من أعماري الّتي عشتها على هذا الكون الفسيح. فأنا على يقين بأنّ روحي عرفت روح هذه المرأة . ولـــكن أين ومتى ؟
ذلك هو السّؤال الّذي عليها أن تجيب عنه ، وعليّ أن أسعى وراءه حتى نهايات عمري. فأعدت الأوراق إلى المحفظة وقرّرت أن أستجيب لندائها وأن لا أتركها لشياطين الجحيم، فكم أنا أيضا في حاجة إلى امرأة مثلها أتبادل معها جنوني، فهاتفتها دون تردّد. وظلّ رنين الجرس يدقّ حتّى يئست من ردّها ولكنها استجابت في آخر لحظة، فطلبت منها أن نلتقــي تحت عمــارات مبيتها الجامعي. وشغّلت محرّك السّيارة دون أن أترقّب ردّها. ومضيت في طريق مزدحم بالعربات الخفيفة والثّقيلة وبالتّاكسيهات وبالمترجّلين الّذين لا يحلــو لهم السّير إلّا وسط المعبّد، فقد كانت ساعة خروج الموظّفين في انتظاري والازدحام الكبير يكتظّ في دواخلي قبل الشّوارع. فكلّما راوغت سياّرة وجدت أخرى قبالتي ترفع زمّورها في وجهي وتشعل أضواء الخطـر أمامي... إلـى أن وصلت إلى ظلال العمارات المسكونة بالجمال الفتّان وبأحلام الحسان، فركنت السّيارة جانبا وعدت أضرب رقمها من جديد على شاشة الهاتف. والجرس يدقّ والنّداء يعلو مرّة ويخفت أخرى وهي لا تردّ... إلى أن أطلّت من باب العمارة الكبير. جاءت مصحوبة بكل رياحين الرّبيع، فزمجرت جياد الفيافي الهائجة في جسدي المحموم ولكنّني ألجمتها.. إلى حين. وعدت إلى محرّك السّيارة أشعل فيه النّار بسعار كلب محموم، وإلى المقود أضغط عليه بشدّة بيديّ الاثنتين، فاستجابت السّيارة وسعت في الشّارع سعي حنش في أدغال غابة عذراء... إلى أن وصلنا إلى الكورنيش المطلّ على البحر ومبــاهجه، فخففت من سرعة السّيــارة وأرخيت الّلجام للفرس السّاكن في قلبي .
كانت السّاعة تقترب من الواحدة بعد منتصف النّهار. وكان حصاني قد طحن لجامه تحت أضراسه الحديدية، فحاولت تقبيلها ونحن لمّا ننزل بعد من السّيارة الّتي ركنتها تحت ظلّ ممدود لشجرة أوكالبتوس قصيرة وملتفّة الأغصان. لكنّها امتنعت في غنج ودلال وهي تصدر أصــوات تأوّه تخـرج الملاك عن طوعه، وخبّأت وجهها تحت خمار كانت تغطّي به شهوتها، فلم ألحّ كثيرا رغم هيجان الفرس واندفاعاته الهوجاء في وجه الرّيح. فقد كـــانت منذ أيــام، وعلـى غيــر عــادتها تبـــدي الخــجل كلــّما أفرطت في بذاءاتي، وتتمنّع عن الطّلب كلّما مددت يدي نحو أغصانها المثمرة، وتحكي عن الفريضة الغائبة وتقول لي سترى منّي العجب العجاب قريبا. فقلت في نفسي سأجعل الخيط يطول أكثر وأترك للسّمكة متّسعا من الوقت حتّى تعلق، فالزّمن كفيل بكلّ شيء وما علينا سوى الانتظار، دقيقة، أو ساعة، أو يوما، أو شهرا، أو عاما، أو دهرا بحاله... وتركتها تنزل من السّيارة وتسوّي التّي شيرت الأزرق فوق سروال الدجين الكابس على فخذيها بشدّة، ثم لحقت بها بعدما أغلقت أبواب السّيارة أوتوماتيكيا، فاشتعلت الأضواء وانطفأت وهي تغمز مرتعشة.
كــانت لولوا تغطّي عينيها وراء نظّارة سوداء لتحميهما من وهج الشّمس ونورها. وكان رأسها يناطح السّحاب وهي تحثّ الخطو نحو رمال الشاطئ، فاقتربت منها حتى حاذيتها ووضعت يدي على كتفها المتأنّق في جماله، فالتفتت التفاتة خفيفة واهتزّ كامل بدنها بارتعاشة تغري بالّلثم والتّقبيل. ولكنّها واصلت صمتها وهي تبدّل خطوها ببطء كمن ينتظر أن يحط ملاك على كتفيه، ثم فجأة أعطتني يدها الصّغيرة المعطّرة، فدسستها داخل كفّي بطريقة مدهشة إلى أن أحسست بها تخفق وترتعش كجناح طائر وقع في الشّرك. وقالت بغنج قهرمانة في قصور الدّولة العليّة العثمانيّة أيام مجدها التّليد :
أنا خائفة يا سيّدي، لا أدري لم أنا مسكونة بالخوف هذا اليوم؟
فهززت يدها بلطف مشجّعا بينما الضّحك الأسود يتلاطم داخل صدري تلاطم نيران الجحيم. ثم قدتها نحو رمال الشاطئ، فلم تمانع. ومشت ورائي مرتبكة تحطّ خطاها فوق آثار قدميّ المرسومة على الرّمل الطّريّ. ومرّت أمامنا جماعات من الشّبان والشّابات يغنّون ويرقصون وهم يلتهمون الساندويتشات ويشربون الكوكا المعلّبة والجعة المثلجة ويلعقون الآيس كريم. وغاص حذاؤها في الرّمال الرّطبة الخفيفة وغاص معه قدمها فما عادت تعرف كيف تخرج من ورطتــها. فاقترحت عليها أن تنزع زوج الحــذاء وان تمشــي حافية. وبادرت فنزعت حذائي وجريت فوق رغوة الأمواج المتكسّرة على الشّاطئ قبل أن ترتدّ إلى الماء وهي تزفر وتصرّ. تردّدت برهة ثم نزعت زوج الحذاء وصارت تؤرجحه في الهواء في تناسق مع خطوها الّلذيذ داخل ماء البحر. وأعجبتني الصّورة فطلبت منها أن ترمي بزوج الحذاء في الجوّ.
قلت لها: انظري ، هناك نورسة تراقبنا من فوق قد تكون في حاجة لهما. لعلّها بصدد التجهيز لعرسها وينقصها زوج حذاء.
فضحكت عاليا حتى شككت في أنها هي من كانت تضحك، وأن صدى ضحكات أخرى تأتي من بعيــد فتتردّد داخل حلقها فقط لا غير. ورمت في فورة ضحكها بزوج الحذاء في الفضاء بكلّ ما أوتيت من جهد ،فطارا في سماء الله الواسعة وارتفعا في الجوّ وحلّقا بجناحين من بهاء. وانتظرنا أن يحطّا على اليابسة أو في ماء البحر ولكن بدون طائل. ورفرفت النّوارس في الأعالي وهي تثرثر وتصخب بأصواتها المبحوحة. ولم نر أثرا للحذاءين فكأنّ السّـماء ابتلعتهما في جوفها الأزرق الشّفـاف، وكأنّ المزاح تحوّل إلى جدّ. فضحكت وأنا أرى على وجهها ارتباكا وعلى جبينها حبّـــات عرق. وزاد تعــرّق يدها المدسوسة في يـــدي رغم طراوة الجــوّ، فأجلستها على الرّمــل وأرجلنا تتلامس باشتهاء داخل الماء الفاتر في بحر شهر أوت إلى أن قالت بعدما عاد لها بعض من الاطمئنان: هل سأعود إلى البيت حافية القدمين يا سيّد النّوارس ؟
فأشرت برأسي إلى البعيد وقلت: انظري هناك.
في الأفق كان طيفا رجل وامرأة يتمشّيان على حافة البحر. وكنت أتشهّى المشي معها على الحافّة، فأنهضتها برفق وسرنا حافيين نمشي على الرّمال المزروعة ببقايا القواقع المدبّبة والأعشاب البحريّة الّلزجة. وأحسست بوخز القواقع داخل باطن قدميّ، فتأوّهت بلذّة. ورأيتها تطأ على بقايا القواقع وتصدر من فيها صوتا ذكّرني بأصوات الفراش ساعة الّلذة المجنونة، فارتفعت تأوّهاتي أكثر فأكثر ونحن نحثّ الخطى في اتّجاه الطّيفين اللّذين صارا يقتربان منّا كلّما أوغلنا في السّير باتجاههما إلى أن تقاطعنا. كان الرجل يحمل وجها كوجهي وكانت المرأة تلبس زوج الحذاء الذي قذفنا به قبل قليل في اتّجاه النوارس. فالتصقت بي لولوا حتّى خلتها حلّت في جسدي وهي تبكــي وترتجف وتفتـح فمها تريد أن تقول شيئا ما، ولكنها لا تقدر، فتخرج من جوفها همهمة وصفير يرتدّان بسرعة صوب حلقها فتغرغر بالكلام وكأنّها في النّزع الأخير.
بعد نصف سـاعة تقريبا من العـذاب والّلجلجة عاد لها رشـدها، فمسحت بيدي من على شفتيها آثــار رغوة وزبد تكدّس حتّـى حنكها حين غابت عن الوعي. وقمت أغتسل فجـءت تقف ورائي وسط مدّ البحر. وكانت الأمواج الصّغــيرة تضرب رجلينا فيصل طشيــشها البــارد حدّ الفخذيـن من عرينا. والنّوارس فوقنا تنعب وتتصايح. وعياط الشّباب يملأ المكان صخبا: جري وعراك وتبادل للشّتائم البذيئة وقبلات وهيجان. وانظري أقول لها من جديد هناك في البعيد طيفان يقتربان منّا، وتقاذف بكرات الرّمل المبلّلة، وقفز على حواجز وهميّة وغزل وفكاهة و نكات بذيئة تلقى بأصوات عالية وضحك وعربدة، وعلب بيرة فارغة يقذف بها ماء البحر على الرّمل، فتعرّي لولوا للأمواج فخذيها حتى حافة تبّانها القصير ثمّ تنطلق في جري محموم داخل البحر، فتتبلّل ثيابها وشعرها ووجهها ولا تكفّ عن الجري الّا حين يغمر الماء أكثر من نصف بدنها فيخفّ عدوها وتبدأ في الّلهاث فتتعثّر وتنكبّ على وجهها. وأنا أعدو وراء خطاها صائحا أن كفّي عن جنونك وتوقّفي. وأصل حين يبدأ الماء في التّسرب إلى جوفها وهي تبقبق، فأنتشلها من الغــرق وأحملها في حضنــي وأجرجرها إلـى الشّـاطئ حيث
نبقى غريـبين وسط ما يجـري حوالينا من لغط الشّباب، إلى أن يصل الطّيفان مرّة أخرى حيث نجـلس، فيقف الرّجل فوق رأسها وتجلس المرأة على الأرض قبالتها فتضع رأسها على فخذيها وتعرّي وجهها من الشّعر الذّي كان يخفي ملامحها فترتعب لولوا ويصفرّ وجهها وتصيح: هذه أنا وهذا أنت. فيبتــلع الجسم الجسم . ويلتئم الجرح تحت شمس تنزل من السّماء كشواظ من نار رغم رذاذ مياه البحر الذي يبعث في الجوّ بردا وسلاما.
ولولا رحمة من ربّك يا لولوا لابتلعنا حوت يونس، ذاك الذي يطفو ويغــوص هنـاك عند الأفق ليطلق من خياشيمه ماء كالنافورة يصل رذاذها حتى الشاطئ ولكنّا الآن في جوفه الشّبيه بغوّاصة من غوّاصات الأسطول السّادس السّابح على مدار السّاعة في مياه البحر المتوسّط.
ثم عدنا من جديد لدنيا النّاس.عدنا نمشي على الرّمال. تارة نتلاصق وطورا تسبقني أو أسبقها وأنا أرغب فيها وهي تتمنّع. أرى في عينيها قبولا وأسمع داخل صدرها قرع طبول القلب الرّاغب في الوصال وهي في تمنّع لا أعرف له معنى، إلى أن هدّني التّعب والإعياء فسألتها أن كانت ترغب في شيء يسدّ الرّمق فلم تمانع هذه المرّة وعبّرت عن القبول بإيماءة من عينيها الشّبيهتين بعيني غــزال، ثم قالت وهـــــي تنتفض تحت مياه البحر: ولكنّني مبلّلة حتّى النّخاع كما ترى. ثيابي مبلّلة وعقلي مبلّل وقلبي مبلّل أكثر من كلّ أشيائي الأخرى.
فقلت: لا يهمّ، سأتدبّر الأمر.
فقامت والماء يتقاطر على وجهها و تحت رجليـــــها ويتسرّب إلى أعماقها السّحيـقة. وقمت واقفا وأنا أحسّ بارتعاشة خفيفة في أصابعي وبدقّات قلبي
تزداد سرعتها وبضوء باهر يخترق حدقتي عينيّ فأحسست بالعمى أولا ثم بدأ النّظر يعـود تدريجيّا إلى بصيرتي وبصري، فاخترت عصا ممّا رمى به البحر على الشّاطئ قريبا من متناول يدي. كانت العصا غريبة في شكلها ولونها كلّما نظرت فيــها تغيّرت ألــوانها وتعدّدت أشكــالها وكــانت على شكــل أفــعى تتلوّى وتضطرب في قبضتـي وأنا ماسك بها متشبّث بطرفها حتّى لا تهرب من كفّي. ثم سمعت هاتفا يصيـح بي أن أشر بعصاك إلى البحر ولا تخف. فلوّحت بها في وجه اليــمّ فسكن وهدأ هديره وتجمّدت أمواجه حتّى صار كرسم على لوحة زيتيّة. وأشرت إلى النّوارس بالعصا فتوقّفت عن الطّيران وهي تفرد أجنحتها المتيبّسة. وظلّت معلّقة في الهواء بلا حراك . ولفت هدوء الشّاطئ الرّواد فوقفوا يشاهدون ما يحدث على الأرض وأعينهم شاخصة نحو السّماء. فحوّلت عصاي نحوهم فصاروا تماثيل من رمل وملح يسطع نور الشّمس فوقها وتتلألأ بالأنوار. ولولوا تنظر مشدوهة ولا تتكلّم إلى أن اقتربت منها ووضعت على جسدها العصا برفق، فتزيّت كأجمل ما تكون العروس وصارت تنظر إلى هيأتها مبهورة لا تدري بماذا تجيب. ومشينا إلى أن بلغنا حافّة رمال الكورنيش والنّوارس المعلّقة في الجوّ تحملق فينا بأعينها المفجوعة.
قالت: يا موسى هلّا رحمت عبادك؟
فقلت وأنا أشير للمكان بعصاي: لا تجزعي ستعود الأمور إلى نصابها عند مغادرتنا هذا المكان.
والتفتنا في نفس الّلحظة نحو البحر. كانت الأمواج تصطخب على الشّاطئ والنّوارس تحلّق في الجوّ وهي تنعب بصياحها المجروح والشّباب يصخبون ويتقــاذفون بالسّباب فتصل بذاءاتهم إلى السّيّارة .ويا موسى خذ عصاك فما عادت لي بها حاجة، في هذه الأوقات على الأقلّ. ورميت بالعصا في الجوّ فتلوّت كما تتلوّى أفعى هائجة ثم اختفت في ملكوت السّماء.
وضحكت وهي تسأل منبهرة بما كنت آتي به من خوارق وأعاجيب أذهلتها وبلبلت أفكارها: هل يحبّك نبيّ الله موسى بن عمران إلى هذه الدّرجة أيها الرّجل العجيب ؟
فقلت لها: هو رجل الخرافة الفرعونية يا زينة الملاح. جابه بعصاه منفردا سحرة الفرعون الأعظم وتغلّب عليهم جميعا فأكلت عصاه أفاعي السّحرة. وشقّ بها البحر فانفلق نصفين و...
فقالت: كفى... يكفيني ما رأيت اليوم من هذه العصا المباركة التي كستني من أفخر ثياب مغازات الموضة وغطّت عورتي وأبانت لك سبيل الرّشاد.
ومشت واثقة الخطو نحو السّيارة ،فأشرت لها بالمفتاح الأوتوماتيكي فاشتعلت أضواؤها الأربعة دفعة واحدة. ارتعشت لحظة ثم انطفأت. وأشرت لها للباب الأوّل من جهة اليمين وقلت باسم الله مجراها، فجرت بنا السّيارة تشقّ الشّوارع شقّا وأنا لا ألتفت للأضواء الحمراء والخضراء، فالكلّ صار عندي سواء ما دامت هذه المرأة الفرعونية تجلس بجانبي مكسوّة بلباس من الحريـــر خفيف وشفّاف يعري أكثر ممّا يستر.
ووحدها ظلّت المباركة تسير بنا خببا إلى أن توقّفت أمام مطعم أنيق يغطّي مدخله زجاج شفّاف مدهون بالّلون الرّمادي. كان عدد الزّبائن المنتشرين حول طاولات قصيرة قليلا جدا. عجوز فرنسي يضع على رأسه مظلّة من سعف النّخيل. وثلاثة شبّان في ثياب البحر ومجموعة من السّياح الألمان يرطنون بلغتهم الشّبيهة بنباح الكلاب البرّية في فيافي إفريقيا وشابّتان أنيـقتان ظلّتا في نقاش علا فيه الصّوت بعض الشّيء، وسكتتا حين اقتربنا منهما ولكنّهما ظلّتا متنمّرتين، ورجل بدين في جلباب أبيض أنيق يجلس بجانبه ولد وبنت وتجلس قبالته امرأة طويلة تغطّي رأسها بخمار أسود بينما تلفّ جسدها البضّ بعباءة خمريّة. قالت لولوا: خمر على حزن. وهي تشيــر للمرأة . فكثيرا ما كانت تعلن عن رأيها هكذا بصوت عـــال وعلى الملأ. فوضعت إصبعي على فمي أن أسكتي الآن ولا تفضحيني، يا يرحمك الله، قبل أن نجلس في ركن خفيّ، بعيدا عن أعين المتطفّلين.
وجاء النّادل يعرض علينا قائمة بها ما توفّر من مأكولات ومشروبات المطعم، فطلبت بيتزا بغلال البحر وقارورة ماء وطلبت هي بيتزا ملكيّة ومثلّجات ورجت النادل أن يرفع قليلا من صوت الموسيقى في الراديو المعلّق قريبا من السّقف.
كان عبدالوهاب يغنّي:
" مين عذّبك بتخلصّو منّي
وأنا ذنبي إيه بتعذّب فيّا...
ليه العواذل حاسدني دول حقّهم يبكو عليّا...
أنا الّلي مهما اتعذّبني ساكت على الغلب وصابر...
وان شفت غيري متهنّي أصبّر القلب الحائر...
وإمتى بقى حترحمني هو العذاب دا مالوش آخر...
ليه العوازل حاسدنّي دول حقّهم يبكوا عليّا.
فقلت لها وأنا اضطرب: حين يغنّي عبد الوهاب أحسّ وكأنّ ملايين النّجوم تلمع داخل قلبي، وكأنّ كلّ نمل العالم يتحرّك على جسدي، وكأنّ كلّ نائحات الدّنيا اللّاتي بكين أحبابهنّ يعولن داخل جمجمتي. وبـدون أن تطلب إذني رأيتها تقف وتتّجه نحو الكونتوار. كان عود يرقد قريبا منه فوق طاولة أنيقة وصغيرة مغطّاة بشرشف أبيض مذهّب الحواشي. هو عود المغنّي الأعمى الّذي رأيته مرّات عديدة هنا يحيي السّهرات الّليلية لروّاد المطعم السّكــارى. احتضنت العود احتضان أم لولــــيدها الأوّل وعادت به إلى طاولتنا وبدأت تجسّ أوتاره بمهـارة ما حسبت أنّها تمتلكها، ثمّ قامت فأغمضت عينيها واعتمدت برجلها اليسرى على كرسيّ قصير وداعبت أوتار العود بريشة السّحر ثم طلبت من النّــادل أن يسكت صوت الرّاديو ففعل، وبدأت تغنّي كما لم يغنّ عبد الوهاب، فأجادت حدّ البهاء والكمال:
موش لاقي حد يسلّيني حتّى المنام عز علي ّ...
والدّمع كان بواسيني منين أجيب دمع عنيّ ...
مادام حبايبي هجروني مين اّللي حيحن ّعلي ّ...
ليه العوازل حاسديني دول حقّهم يبكوا عليّ...
يا طيف حبيبي اللّي عشقتو تعال شوف اللّي جرالي...
يكفى العذاب اللّي انا شفتو وتبقى فرحة عذّالي ...
ويبقى ليلي اللّي سهرتو من حبيب يبكي على حالي...
ليه العوازل حاسدنّي دول حقّهم يبكوا عليّ...
فوقفت أصفّق كالمجنون ووقف الحضور يصفّقون معي، حتّى السّياح الأجانب الّذين كانوا يتابعون المشهد عبّروا عن إعجابهم بغنائها فقاموا يصفّقون معنا. وهي تتمتم بكلام الودّ وتردّ على التّحيّات بيديها المضمومتين إلى صدرها وبانحناءات لا أعرف لها مثيلا إلا لدى الفنّـــانات المحترفات. ثم قــالت وهي تجلس إلى جانبي بعدما أعادت العود إلى الطاولة الصّغيرة: أتعرف أنني غنّيت في الجوقة التي كانت تصاحب عبد الوهـــاب عديد السّنوات؟ فسكتّ ولم أعلّق على كلامها، فرمقتني بنظرة من تحت أجفــانها وهي تقــول: أعرف أنّك تكذّبنـي ولكن لا يعنينـي تكذيبك فقد اعتدت على ذلك. المهمّ أن أصدّق نفسـي وأصرّ على التّصديق ولو كذبني كلّ العالم. فأنا أعرف من أكون.
وزادت: قلت لك اسمي لولوا، لكن ليس هذا اسمي الوحيد. سمّني بالاسم الذي يروق لك ويعجبك من أسماء مغنّيات العهد القديم أو من فنّانات هذا العصر، سأردّ عليك دائما وبدون انتظار: حاضر أفندم وسأضرب لك سلام تعظيم، فقد اعتدت على هذه المراسم.
فقلت لها : لا تهتمّي لأمري يا ستّ الملاح ونجمة الصّباح. أنا أعرف أنّك واحدة في كثيرات من النّساء. وأنك كثيرات جمّعن في واحدة تزهو على العالمين، فقرّي عينا ونامي ملء جفنيك على سرير الهناء. فقد آمنت بك وصدّقت كما آمن الحواريون بعيسى بن مريم البتول وصدّقوا به رسولا من ربّ العالميــن. لكنّني، وأنا أرى الزّهو يرقص داخــل عينيها والطّرب يهـزّ عطفيها، داخــلني شيء من الحسد الأسود و صــار ينخر داخل قلبــي كــدودة عمياء، فعدت أذكّرها بحكـــاية الغول وببائع الملح ،وبقبقاب الذّهب المخبّئ في لفافة الثّياب الخلقة المركونة تحت الزّيتونة العجوز بجانب الطّفلة المرتجفة من الخوف والبرد، وبالطّفلة المدسوسة داخل عدل الملح، وبالغول الذي أعماه الغضب وهو يبحث عن طفلة الذّهب صــارخا بصوت هزّ ما بين السّمـــاء والأرض :
- يا ملاح ويا ملاح
ريتش زينة الملاح؟
والشّيطان – حميّك - المتخفّي في ثياب ملّاح عجوز أعرج يسوق حماره بعصـاه ويردّ عليه بخبث الشّيــاطين ومكرهم المتـأصّل فيهم منذ أن غدروا بأبينا آدم عليه الصّلاة والتّسليم، وهو يضحك خفية تحت ثيابه الرّثة ويرمش بعينيه حتى لا يكتشف الغول كذبه:
- ريتها ريتها
في الصّحراء خلّيتها
طفلة من عجب
تمشي بقبقاب من ذهب.
وكنّا نلتهم البيتزا بنهم جوعان لم يذق الطّعام منذ ثلاثة أيام، فرأيتها وقد انتهت من طعامها تشرع في قضم أناملها بأسنانها وفي طحن أجسام تشبه الحصى تحت أضراسهــا وقد اضطربت واصفرّ وجهها ودخلها شيء من الرّعب ممّا صدعت به في حضورها. لكنّها عادت فتمالكت نفسها وقالت بثقة عجيبة:
أنا طفلة العجب. تغلّبت على الغول وقهرته وأنا لم أزل طفلة فهربت من قصره لأعيش عيشة الفقراء في ملجأ للرّحمة. فكيف لك بي أيّها الرّجل المسكين؟ كيف لك بامرأة أخرجها جنّي من قمقم الظّلمات إلى أنوار هذا العالم الجميل؟ كيف لك بمن آمنت بأنّ الجسد هو مفتاح كل الأبواب الموصدة بطلاسم السّماء والأرض؟ كيف لك بمن أقسمت بأنها لن ترحم كلّ من عرّت له مرّة في حياتها الزّند والرّدف؟
فقلت لها : ستعلمين أنّي مغرم بك من عهد ساسان وملوك الجان الذين تشرّدوا في الجزر المنفيّة في أقاصي المعمورة بعدما أنعم ربّ السماء على آدم برحمته .ووضعت يدي على كتفها أهدّئ من روعها، لكنّها أنزلت كفّي من على كتفها برفق وهي تقول:
ولكن، تلك حكاية أخرى يا صاحبي لم يحن بعد أوانها ، سنحكي تفاصيلها عندما تزهر أشجار الّلوز، وعندما يكتمل القمر في الّليالي البيضاء. وقامت. اتّجهت نحو الباب وخرجت تعبّ الهواء وتمسح عن وجهها العرق بمنديل حريريّ في لون الورد أخرجته من حقيبة كتفها ، فذهبت أدفع ما عليّ لصاحب المطعم ولحقت بها. ولم التفت لنداء الرّجل الّذي كان يذكّرني بأنّني تركت باقي النّقـود على الكـــونتوار. فوجدتها واقفة أمام السّيارة وصدرها يعـو ويهبط فيرتجف لاهتزازه نهداها الصّغيران ارتجاف فرخي حمام في العشّ البارد، ففتحت لها الباب وترقّبت إلى أن استقرّت في مكانها ثم ذهبت أجلس أمام مقود السّيارة. لكن قبل أن أدير مفتاح تشغيل المحرّك وضعت يدا باردة كالثّلج فوق يدي وقالت مغمضة العينين: هلاّ أخذتني إلى مدينة العجب؟ ظللت أحلم بها طــول عمري. وهاهي لحظة الزّيارة قد أزفت بعدما رأيتك اليوم تحرّك عصا موسى بين يديك فتأتيك طائعة فتصنع بها الأعاجيب. رجاء لا تخيّب ظنّي فيك هذه المرّة أيضا. أنت دائما تعاكسني ولكن جرّب مرة واحدة أن تطيع رغبتي. ولن تندم باقي عمرك. صدّقني لن تندم بقية العمر.
فقلت : مدينة العجب؟
وسكتّ أداري حيرتي وارتباكي.
فعادت تردّد: نعم تلك المدينة التي ما آمنت بها يوما رغم إقرارك بإمكانيّة وجودها. فقد قلت لي مرّة، في ساعة صفاء، إنك سمعت حكايتها وأنت طفل فتيّ من شيخ مغربي يلعب بالرّبــابة أمــام بيوت قريتكم ويبادل عناءه وحكاياته بالتّمر وبأشياء أخرى تجود بها عليه ربّات البيوت الجريديّة في غفلة من أزواجهنّ وهنّ يستمتعن بالغناء وبرنات الخلاخيـــل على الأرض. قلت إنك تذكر أنّها موجــودة في جنـوب ما. في بلاد الزّنج أو في ممالك الطّوارق الصّحراويّة، أو تحت الأرض أو في كهف جبل أو في غيران واد سحيق أو في شارع من شوارع مدينة نسيها التّاريخ. وتحكّ رأسك لحظات ثم تهمهم : لكنّني على يقين أكبر بأنها في جبــال الـبربر الأمازيغ الّذين فرّوا إلى الصّحاري وسفوح الجبال هربا من دويّ سنابك خيل العرب المسلمين وصليل سيوفهم عندما جاءوهم بدين جديد ولغة جديدة. خذني لتلك المدينة الّتي لا يسكنها سوى المغنّيــن والمغنّيات وضاربي البربط والعود والدّف والطّبل والمزمار والرّاقصين والرّاقصات
الثّملين ليل نهار، لا فرق عندهم بين الظّلام والضّوء، والكلّ في الهوى سواء.
فقلت : ولكنّني نسيت الدّرب الّتي توصل إليها وعميت عن طرقها المتربة. فتلك حكاية قديمة والذّاكرة ما عادت تسع لكلّ التّفاصيل. رجاء انسي هذا الموضوع ولنذهب إلى مقهى الكــورنيش نتمتّع ببعض القهوة والمبرّدات.
وسأحكي لك حكاية مدينة العجب مرّة أخرى عندما يكون الذّهن صاف والقلب مرتاح.
وحـاولت تشغيــل المحرّك.أدرت المفتــاح في القفل ولكنّه أبـــى الدّوران.
وأديره وأضغط عليه بأصـابعي ولكنّه ظلّ ثابتــا في موضعه لا يتحـــرّك ولا يدور. فأخرجته من مكانه وأعدته إلى موضعه بأناة وتؤدة وأدرته ولكن هيهات... ظلّ كما هو لا يدور ولا يتحرّك قيد أنملة. والتفتّ نــاحيتها فوجدتها تنظر لارتباكي وتبتسم. كان في عينيها بريق كبريق النّجوم القادمة من سديم المجرّات الّتي أكلها الثّقب الأسود، ذلك الغول السّاكن في نهايات الكون. بريق بلون لا وجود له في طيف الألوان المعروفة للعين الآدميّة. هو مزيج من كلّ الألوان، ولا لون له. ظلت تنظر في عينيّ وظلّ ذلك الّلون يسطع داخل رأسي، فأحسست بخدر لذيذ يسري في بدني وبأجفاني تثقل وبوزني يخفّ ورأيت وكأنّ السّيّارة ترتفع بنا عن الأرض شيئا فشيئا. ثم سقطت في بئر بلا قرار.
عندما عاد لي الرّشد، كنت في نفس السّيارة والمرأة تجلس بجانبي كالعادة ولكن تلك الابتسامة الّتي كانت تزيّن ثغرها اختفت. فقط، ظلّها مازال يحوم في الأجواء المحيطة بنا فيبعث في الجسد خدرا لذيذا كالوسن. ودعتني هي للنّزول من السّيارة هذه المرّة. دعتني بثقة الواثق من نفسه وممّا يفعل إلى النّزول إلى عالم غريب. كانت جبال جرداء تحيط بالمكان من كلّ جانب وبعض النّخل الباسق يرفع جريده في وجه السّمــاء. نخل أعجف ضامر كأنّه لم يذق ماء منذ مائة عام أو يزيد. وكان سرب من الغربان يحوم فوق رؤوسنا وينعب وسط ضوء يثقب البصر.
قالت : سر بنا إلى هناك ، وأشارت إلى مرتفع يبعد عنّا حوالي كيلومتر. ولكنّها لم تنتظر أن أبادر، فقد بدأت السّعي وهي تجدّ للوصول إلى تلك التّلة تحت شمس الصّيف الحــارقة. فلحقت بها وقد بدأ العرق يسيـــل تحت إبطيّ وعلى وجهي وفوق صدري. عرق لزج وكريه ما شممت له مثيلا في حياتي. وظللت أجدّ في السّير وراءها لاهثا وهي تسعى كما الحيّة الرّقطاء فوق الرّمال الصّاهدة والحصى المبعثر على جـوانب المسرب الصّغير الّذي حفرته أرجل المارّة منذ سنين بعيدة، إلى أن وصلنا إلى ظلّ ظليل يشرف على كهف منحوت في تربة الجبل، فتوقّفت عن السّير ووقفت بجانها ألهت ككلب يقتله الظمأ.
قالت: ها قد وصلنا. وهلّلت وصفّقت بيديها الاثنتين تصفيقا كألطف ما يكون التصفيق، ونادت بلغة لا أفهم معــانيها، لها مخارج حروف شبيـــهة بالعربيّة ولكنّها تختلف عنهــا في نفس الــوقت، فخرجت من بــاب المغارة جارية صبوح كأنّها الدّر المكنون وقد استجابت للتّصفيق والنّداء وكأنّها كانت وراء الباب في حالة انتظار. فسلّمت على لولوا بالّلثم على وجنتيها ومدّت لي يدا صغيرة في رقّّة الحرير، ووقفت مستعدة لتنفيذ الأوامر وقد نكّست رأسها .
كانت الجارية كتلك المرأة الّتي غنّى عنها نزار قبّاني في رسالته من تحت الماء :
" عيناها سبحان المعبود
فمها مرسوم كالعنقود
ضحكتها أنغام وورود
والشعر الغجري المجنون
يسافر في كل الدنيا ".
امرأة بيضاء، رشيقة القدّ مليحة الخدّ مع امتلاء جميل في الرّدف والنّهد، يكاد الضّوء يشفّ من جسدها والنّور يسطع من جبينها.
نظرت صاحبتي في عينيّ وقالت: هل عرفتها؟
فقلت : كيف لي أن أعرفها وأنا أراها لأوّل مرّة ؟
فسكتت مدّة وهي ساهمة ثم أضافت: هي تلك التي صدّر بها الكاتب روايته انظر هناك. وأشارت بإصبعها السّبّابة إلى رجليها. تبعت الإصبع فإذا بي أراها تنتعل قبقابا من ذهب يشعّ بنور يخطف الأبصار.
ثم زادت: هي ذي زينة الملاح التي هربت من غول الحكاية مع الملّاح الذي أخفاها داخل عدل الملح. هي ذي صاحبة قبقاب الذّهب الّتي عاشت طفلة في قصر الغول ردحا من الزّمن وخدمته كما لم تخدم بنتا والدها، فأجزل لها العطاء وكشف لها أسرار خزائن الذّهب والفضّة المدفونة تحت أساسات القصر، ثم هربت عندمــا اكتشفت أن له صفتـــين ظــاهر وباطن. وأنــّـه في النّهــار إنسيّ من خير ما أنجب آدم من رحم حــوّاء، وفي الّليل يتحوّل إلى غول يقتات على جيف الكلاب والأحمرة والخيول، فسرقت منه مفتاح القصر وهربت مع الملاح. ثم قادته إلى جبّ النّــار حيث انتحر وذهــب إلى الجحيـم. وبعدها حوّلت قصره إلــى مديــــنة سمّـتها " مدينة العجب " نحن اليوم في ضيافتها يا صاحبي فلا تجزع ولا تبتئس وليهنأ بالك ما دمت معي.
فقلت متعجّبا: ولكن زينة الملاح هربت مع الملّاح وهي طفلة صغيرة؟
فردّت: عجيب أمرك يا صاحبي ، تنسى بهذه السّرعة أنها بنت خرافة، وأنّ بنات الخرافة يكبرن في لمح البصر ؟
نعم، هي ذي زينة الملاح الّتي سحر الغول إخوتها بعدما استدرجهم إلى قصره وحوّلهم إلى حمائم سجينة تهدل على أسطح القصر ولا تقدر على الطّيران. وكلّف بهم أسدا ولبؤة تمنعهم من الخروج إلى رحمة السّماء. فظلـّوا هناك ينظرون إلى العالم بعيون عمياء ولا يقدرون على الفعل بعدما سلب منهم الغول إرادتهم وحوّلهم إلى أحياء في صيغة موتى حتّى عرفت هي بحيلتها وحذقها كيف تحتال على الوحشين وتسرق منهما سرّ السّحر الأسود الّذي جعل من إخوتها هذه الحمائم الوديعة البلهاء.
ودفعتني برفق وراء الجارية الجميلة الّتي امتزجت بها فتداخلتا حتّى صارتا اثنتين في واحدة مرت من خلال الحائط القائم في وجوهنا. ولم اعرف كيف اجتزت وراءها الحائط الّذي تحوّلت حجارته بقدرة قــادر إلى هواء شفّاف مرقنا كلّنا من خلاله وكأنّنا في حلم. فوجدتني داخل ساحة كبيرة مفروشة بالزّرابي والطّنافس والأرائك وفي وسطها بركة ماء صغيرة تتلألأ بالنّور ونافورة مصنوعة من الرخام الأزرق المزركش بالذّهب والفضّة تنفث عطرا أحلى من المسك الأذفر وتلطّف حرارة المكان.
قالت الجارية الجميلة: مرحبا بكم في قصر السّعادة. سنفرح بكم ،إخوتي وأنا، وسندعو مغنّيات القصر تسمعكم ما لا أذن سمعت منذ عهد الرشيد والمأمون وملوك الطوائف في بلاد الأندلس. لقد دعونا الأصفهاني فجاءنا بكلّ مغنّيات كتابه وكلّ شعراء أغانيه وكلّ ملحّني أشعاره، فأفردنا لكلّ مغنّية جناحا في هذا القصر الكبير وجمعنا الفنّانين والشّعراء في جناح آخر. وتركنا لهم حرّية التأليف والتّلحيــن والغناء. وسنطلقهم في آخر الزّمان في بلاد العرب. فقــد بلغنا أنّــه في آخر الزّمــان يرخص في بــلاد الضّاد سوق العلوم والأدب و يعلو شأن الغناء والطرب. فقلنا فيما بيننا لماذا لا نستثمر أموالنا التي استعدناها من قصر الغول في هذا الباب وسيصل منّا للعالمين الجواب. وارتفعت على جنبات السّاحة أصوات آلات موسيقيّة قديمة وحديثة وعلت الأنغام تردّدها أصوات ملائكيّة طازجة خرجت لتوّها من ديار النّعيم.
فقلت في قلبي : أحفل موسيقي صاخب في الجنّة ؟
وكأنما كانت الجارية الّتي رافقتنا من الباب إلى السّاحة تقرأ في أفكاري فردّت على تسآلي:
- بلى يا إنسي ، هذه جنّة على الأرض وهبها لـــنا سلطان الجنّ فلا تسارر نفسك بعد الآن كما يفعل دائما بنو البشر، ذلك الجنس المسكين، الدّعيّ، القاصر عن الفهم . نحن نقرأ ما تسرّ وما تظهر في لحظة من خلال النّظر داخل عينيك، حتى لكأنّك كتاب مفتوح على الدّوام فوق طاولتنا. وكلّما كنت صريحا في عالمنا وجدت بيننا القبول والتّقدير. فأنت يا صاحبـــي في الجنّة التي وهبها لنا جدّي سلطان الجنّ المؤمنين، فتوارثناها عنه أبا عن جدّ حتّى يوم الجنّ هذا. فجدّي يا إنسيّ جــاءت فيه القصّة الّتي رواها البخــاري ومسلم في صحيــحيهما وهي من روايــة ابن عبـّـاس رضي الله عنهم إذ قــال:" انــــطلق رســـول الله صلى الله عليه وسلّم في طـــائفة من عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب فرجعت الشّياطين فقالوا: ما لكم ؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب. قال ما حــال بينكم وبين خبر السّماء إلّا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الّذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمـــر الّذي حال بينهم وبين خبر السماء، قال:فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنخلة وهو عامد إلى ســوق عكاظ وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن تسمّعوا له فقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. وأنزل الله عز وجلّ على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ {الجـن: 1} وإنما أوحي إليه قول الجنّ. "
أعرفت أمرنا يا إنسيّ؟ نحن من جنّ نخلة الأصليين نؤمن بربّ العالمين. كـــان جدودنا حـــالهم كحال جدودكم ضربوا في مماــلك الجنّ بحدّ السّيف فدخل الدّين الحنيف على أيديهم من الجنّ ما لا يحصي عدده إلا الله. ولكن دوام الحال من المحال، فقد تدهورت أحوالنا على مرّ الأيام وكرّ الدّهور فعوّضنا السّيف بالدفّ، والرّمح بالعود والدربوكة حتى صرنا اليوم محجّا لكلّ مغرم بالفنّ والرّقص وهزّ البطـن والرّدف، يقصد حيّنا هذا المغرمـــون بالجمــال من كــلّ أصقـــاع المجرّة من إنس وجان. فينعمـون ويسلـــون وهم في أحسن حـــال.
وعندما رأت استغرابي قالت: ربّما تسأل عن طريــقة التّفاهم بين كلّ هـــؤلاء الشّعوب من انس وجان وملائكة الرّحمان. فهززت رأسي أن نعم وأنا أقول:
هي الأنجليزية وربّ البيت العتيق والسّماء والطّارق.فقالت : لا وربّ محمد ون وما يسطرون. الإنجليزيّة لغة زائلة حالها كحال كل الّلغات الّتي ماتت واندثرت كالمسماريّة لغة بابل والهيروغليفيّة لغة فرعون ولغات هنود أمريكا اللاتينيّة.

وزادت: أو لست مسلما ؟
ألا تعرف أن العربيّة هي لغة أهل الجنّة الّتي اصطفاها سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين؟
ثم قالت وهي تستردّ أنفاسها: لغة الأعراب من قيس وكلاب ستدوم إلى يوم الحساب.
فقلت خائفا: بلى أشهد أن لا اله الّا الله وأن محمدا نبيه ورسوله وأومن بمن سبقه من الأنبياء والرّسل وبكتبهم وبالآخرة وبالقدر خيره وشرّه.
فقالت: إذن لا تستغرب من أن عربيّتكم هذه المحقّرة في دنيا النّاس في هذا الزّمن، سيكون لها شأن عظيم عندمــا تقوم القيامة، فستكون لغــة الإنس والجان من عهد نوح وساسان وكلّ جنس الفايكينغ والرّومان من فرنسيس وأسبان وإنجليز وروس وترك وطليان.
وطال حوارنا إلى أن سمعت مناديا ينادي: هلمّوا إلى الحافلة الّتي ستقلّكم داخل مدينة العجب. هلمّوا ولا تتأخّروا فمن فاتته الزّيارة سيندم عليها مدى عمره. فاستأذنت من هذه المرأة الفاتنة العالمة العليمة ولبّيت النّداء. فسمحت لي بالذهاب ولكنّها قالت:
لن تفلت منّي، سأكون دليلتكم في هذه الزّيارة. وسبقتني إلى الحافلة التي كانت تعجّ بالخلق من أجناس الأرض قاطبة، بيض وسود وصفر، من مختلف أنواع الطّين الّتي جلبها جبريـــل للربّ عند بدء الخليـــــقة، فصنع منها الربّ بشر هذه الدّنيا الفانية في أشكالهم وألوانهم المختلفة. وكان الواحد من هذا الخلق المتدافع نحو الحافلة،إذا اعتلى الدّرجة الأخيرة من العــربة ودلــف إلى الداخــل، تحــوّل إلى قــزم في حــجم الخــنصر يقــفز كالسّعدان بين الكراسي ويطير في الهواء بجناحي نحلة أضاعت سبيل الرشاد في غابة كبرى. وكانوا يرطنون بلغات عديدة ومتعدّدة منها ما أعرف عنها الكثــير، ومنها ما لا أعرف إلا القليل من ألفاظها، ومنها ما لم يطرق سمعي جرس تنغيماتها. وصاحبتي ذات القبقاب الذهبي واقفة في باب الحافلة تقوم بدور الدّليلة، تستقبل الجميع بابتسامتها الآسرة وهي تسلّم على هذا، وتدلّ تلك على مقعدها في الصفّ الأوّل، وتترجم لآخر لا يحسن من الّلغات سوى الآرامية ويرفض أن يتكلّم بغيرها زاعما أنّه قدم لتوّه من مدينة المسيح الأولى وأنّه عمّده من ماء نهر الأردن قبل أن تصبّ فيه "إسرائيــل " فضلات معاملها الكيمياوية والبكتوريولوجية. فتهشّ في وجهه وتربّت على كتفه، وتواصل اجتهادها في استقبال بقيّة الضّيوف إلى أن اكتمل النّصاب فتحرّكت بنا العربة داخل الشّــوارع المحيطة بالقصر والمرصوفة بحجارة صقيلة ملساء. فسارت تتهادى كهودج العروس قرابة نصف ساعة وسط غابات من نخيل التّمر الّذي يرتفع باسقا ريّان إلى عنان السّماء تحطّ على جريده أنواع مختلفة من الطّيور ويصدح الفاخت في الأعالي منبّها صغاره إلى عدم الاقتراب من التّراب الّذي حيّر راحته الصّغار، فكثيرا ما تسكن الفخــاخ تحته. وأنا العليـم بلغة ذاك الحمام الغابي أنبّه نفسي وأذكّرها حتّى لا تقع على الفخاخ حين يحين حين تجوالنا في مدينة العجب القــادمة على مهل مع اقتراب الحاــفلة من أسوارها العــالية.
وكانت صاحبة قبقاب الذّهب ترطن بلغات بابل مع ضيوفها وهي تضحك وتسويّ خصلات شعرها وتمسح عرقا نزل من جبيـنها على جيدها الطّويل إلى أن رست العربة أمام باب الأسوار، فنزلنا نتدافع بالمرافق ونمنّي النّفس بالإدهاش المنتظر. وجاء عبدان ضخمـان أسودان في ثياب حمـــراء زاهية يضع كل واحد منهما على رأسه قلنسوّة مزركشة بخيــوط فضّية ويحمل في يده رمحا طويلا، فسدّا الباب في وجوهنا بواسطة الرّمحين وهما يكشّران عن أنياب كالفضّة. وظلّا هكذا منتصبين أمام الباب كأنّهما صنمان من أبنوس وهما يبرقان تحت نور الشّمس إلى أن وصلت ذات القبقاب الذّهبي فوشوشت في أذن كل واحد منهما على حدة. ودسّت في جيب جلباب الأول مزمارا وعلّقت في عنق الثّاني حبل طبل كبيـر كان يجرّه أمامها عاملان لا أدري من أين جاءا، فكأنّهما هبطا من السّماء أو رمت بهما هنا ريح صرصر عاتية. وفتـح لنا العبدان الباب وأوسعا في الطّريق بعدما شرع الأول في العــزف على المزمار وبدأ الثّاني في القرع على الطّبل.
كان لصوت دوي الطّبل الّذي امتزج بعزيف الجنّ دور المخدّر الّذي سرى في أبــداننا، فبدأنا نتــطاوح ذات اليميــن وذات الشّمال والرّجلان يتلاعبان بنا تلاعب الهندّي بأفعاه إلى أن خرّ الجميع على الأرض صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. ولم نفق إلا عنــدما اشتدّ قرع المرشدة السّيــاحية الّتـي رافقتنا في الحافلة على قبقابها الذّهبي وهي تمشي حافية الرّجلين بين الأفاعي والعضّايات والثّعابين هاشّة بين الحين والآخر مجموعة من الغربان كانت تريد أن تقع على رأسها وعلى كتفيها وهي تنعب والرّيــــش يتطاير من أجنحتــها كلّما لامستها أصابع المرأة. ودعتنا الدّليـــلة إلـى أن نصطفّ بانتظام قبل الدّخول إلى غيـران المدينة التي تؤدّي إلى عشبة الحياة ، فركب بعضنا ظهر بعض وعلا الصفّ حتى بلغ عنان السّماء. واشتعلت الرّؤوس بنيران الشّهب الّتي ترجم الشّياطين على مرّ السّــــاعة منذ أن ظهر الوحي لسيّد المرسلين وآخر أنبيــاء الله ، محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، النبيّ الأميّ. وسمعنا أصواتا كالتّراتيل منغّمة تهبط على القلب كقطرة العسل المصفّى لذّة للشّاربين، فزدنا اقتناعا بأنّنا بلغنا المنى وإنّا لشاربون من أنهار الخلود. وكنّا كلّما مرّ صفّ على صراط مستقيم مدّ أمام أقدامنا علا صفّ آخر في الفضاء واندفع نحو الصّراط لا يلوي على شيء. وأصابع الخنصر ذات الرّؤوس الآدميّة وأرجل كأرجل الدّيناصورات المجنّحة تتدافع من أبــواب الحــافلة بدون انقطـــاع وبعدد لا يعلمه إلا الله، إلى أن سدّت مابين الأرض والسّماء. فلن يدخل مدينة العجب إلا من اجتاز الصّراط المستقيم. وظللنا على هذه الحال، كلّما مرّ صفّ جاء بعده صفّ آخر إلى أن سمعت مناد ينادي أن قد بلّغت المنى يا ذات القبقاب الذّهبي فأغلقي باب الحافلة بقول لا إله إلا أنت يا ربّ السّماوات والأرض، يا صاحب العزّة والبقاء، يا مالك الملك، تجري الفلك في البحر، وتجعل المكوكات تطير في الفضاء وتدكّ الظّالمين بالصّواريخ العابرة للقارّات. ترحم الضّعيــف من عبــادك وتطرد الباغيــن من رحمتك وأنت الحكيم، العليم، الجبار القوي.
يا أنت، يا الّله، يا أرحم الرّاحمين.
وبحثت عن النّاجين فوجدت عددا قليلا منهم في النّعيم، على الأرائك متّكئين يشربون من كأس دهاق. ورأيت جمعا آخر وقد اسودّت وجوههم من الهول والثّبــور، ولكنّهم تخطّوا الهلاك وقد احترقت منهم الثّياب وغاب عن يمينهم الكتاب وهم في حيرة من أمرهم لا يعرفون هل هم من أهل اليمين أم من أهل الشّمال، وقد ذاق بهم الحال ولجوا في القيل والقال وكثرة السؤال.
و أذّن ديك الصباح وبان الفجر ولاح، فخرجت من الحكاية وعدت إلى الحياة. وأنا في حيرة من أمري:
هل الحياة خرافة أم أن الخرافة هي الحياة الحقيقيّة ؟
ويا شهرزاد الحكاية افتحي لنا بابا في كتاب الليالي لعلنا نقدّم إضافة جديدة لما لم يعرّف به الأصفهاني وما لم يدونه في كتـــــاب" الأغاني ".

تنبيه لعموم القرّاء

هذا بعض ممّا وجدت في إضبارة الورق الّتي سلّمتني إيّاها طالبتي فوعدتها بقراءتها. وقد بدأت بالقراءة ثم تركتها من أجل ذلك الّلقاء الذي قادني فيه معها إلى مدينة العجب. وها أنا أعود اليوم إلى تصفّح بقيّة الأوراق الّتي تركتها تلك المرأة في عهدتي.
ولعلمكم، فلست مسؤولا عمّا ما قد يرد فيها من بذاءات وسوء أدب قد لا يروق لبعضكم، فما أنا إلا وصيّ على نصّ أورده لمن يشتهي من القرّاء الولوج إلى عوالمه، وأنبّه من لا يرغب فيه بالخروج منه قبل فوات الأوان.
والله على ما أقول شهيد.


مواقف ومخاطبات

" وقال لي
لو نطق ناطق العزّ
لصمتت نواطق كلّ وصف،
ورجعت إلى العدم
مبالغ كل حرف.
* من كتاب"المواقف و المخاطبات"،
للشيخ محمد بن عبد الجبار النفّري

الموقف الأول،

المخاطبة الأولى :

أوقفني أمام قصره الفخم
قصر يطلّ على البحر والجبل
حيطانه
من رخام ومرمر
وسقف البيوت
من خشب الآبنوس
قصر
كصور سلاطين الخرافة القديمة
قصر
أكبر من قصور السّلاطين
وقال لي :
في هذا القصر سبعون بيتا،
في كل بيت سبعون بابا،
وراء كل باب سبعون سريرا،
على كل سرير سبعون فاتنة،
في كل فاتنة سبعون فتحة،
في كل فتحة سبعون مفتاحا،
وضعتها كلها في هذا الصندوق العجيب.
وقال:
انظري ...

فرأيت بقلبي ما لم أره بعيني
مفاتيح صغيرة على شكل نجوم السّماء
تبرق بنور يخطف الأبصار
ومفاتيح كبيرة من خشب الآبنوس
تتلألأ داخل لون بنّي داكن
ومفاتيح بين هذه وتلك
من الذّهب الخالص
مرصّعة بالياقوت الأحمر
وقال: هل أفتح لك باب القصر؟
فقلت : حتى تعطيني مفاتيح قلبي...
وسكت...
فسكتّ...


شهادة:

قال ابن الجوزي في ذكر أبي الفرج الأصفهاني :
إنّه يصرّح في كتبه بما يوجب عليه الفسق،
وإنه يهوى شرب الخمر،
وربما حكى ذلك عن نفسه.


1

أنا " لولوا " تلك الّتي سمعتموها تغنّي في المطعم القريب من الشّاطئ وهي تضرب على عود محمد عبد الوهاب الفنّان المصري الذي كان يحيي الحفلات في قصر الخديوي فاروق ملك مصر قبل الثّورة الّتي حاكها ضدّه الضّباط الأحرار سنة اثنتان وخمسون بقيادة البكباشي جمال عبدالنّاصر طيّب الله ثراه. ها أنا أصرّح لمن سيقرأ كتابي هذا و بمحض إرادتي وأقول:
- يا ناس ... يا عالم... يا من يعنيه كلامي... يا من لا يعنيه هذا الهذر... لقد تبت بعد كل ما جرى لي توبة نصوحا... توبة صادقة لوجه الـواحد الأحد، الله الصمد، الذي لم يلد ولم يولد. وأعرف أن هذا الأمر يعنيني وحدي دون خلق الله قاطبة. لذلك أقول لكم بالفم المــلآن، من يصدّق منــكم كلامي هذا فهو عاهر عهرا بيّنا لأنّني على يقين بأنّكم لن تصدّقـوا كلامي.
ولكن عليكم أن تعلموا أن رأيكم في توبتي لا يهمني. كما لا يهمني أن تقدّروا اختيــاراتي لغطاء رأسي ولا لون الكساء الطّويل الّذي صرت ألفّ به بدني ولا لنوع تباّني القصير. أعرف أنكم تكذّبون هذه التّوبة وتقولون عنّي ما لا يقدر عليه الشّيطان الرجيم. ولكنّني أعرف، وأنتم تعرفون أيضا أنّكم أكذب من أن أصدّقكم، لذلك أطلب منكم أن تصمتوا حتى لا أفضحكم وأعرّي عوراتكم على قارعة الطّرق السّيارة. ( حلوة الطريق السّيارة هذه: يعني الأوتوروت بالعربي يا سيدي).
تبت يا سادتي الكرام ويا سيّداتي الكريمات توبة نصوحا. ومن تاب غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، لأنّ التّوبة تجبّ ما سبقها من ذنوب ولو كانت في حجم جبل أكبر من جبال الهملايا . (على الأقل هذا ما همس به في أذني الشّيخ الّذي ألبسني فستاني الطّويل حدّ الكعبين وهو يعدني بقصر في الجنّة فيه غلمان مخلّدون كأنّهم الّلؤلؤ والمرجان يعملون لحسابي الخاص طول الّليل وآناء النّهار. كان شيخي ذاك، ذا لحية بيضاء تنزل حدّ ركبتيه، وكان ذا نهم مرضي للّحم الأبيض الطريّ. نهم ضبع جائع لا يشبع أبدا. فلم يترك جزءا من بدني إلا ولمسه وهو يبسمل ويحوقل ويهمهم ويغمغم ويتمتم بكلام لم أفهم منه إلّا:
إنسيّة في صورة جان.
فبأي آلاء ربّكما تكذّبان.
لهذا ولغيره ممّا سأفصح عنه لاحقا، ممّا يعجز عن فهمه الرّجل الّلبيب ، فإنّ هذه التّوبة يا سادة يا كرام لا تعني غيري كما سبق أن قلت لكم. لا تعني من في السّماء ولا من في الأرض من إنس وجان وملائكة الرّحمان.توبتي لا تعني واحـدة أخـرى غيـري أنا الأمة الفقيــرة إلى رحمة ربّها. لا تعنـي الّلــواتي في المـاخور مقيمـات، زانيــات، ولا من هــنّ في المسجد متعبّدات قانتات ساجدات تائبات. لأنّها توبتي الّتي تخصّني وحدي. توبتي أنا عمّا اقترفت وما لم أقترف من لذائذ الدّنيا التي يتشهّاها كلّ واحد منكم سواء قـدر عليها أو لم يقدر على اقـترافها، كلّها أو شيئا منهـا.
تبت توبة نصوحا. وخيركم، خيركم ( لا يهمّ إن ذكّرت المخاطب هنا أيضا فمعشر النّساء دائما في الذّيل ولن أشذّ عن القاعدة) التّوّابون. وأنا يا سادة يا كـــــرام، لا أترقّب عطفكم المريض، ولا ارتيابكم المقيت وهمزكم ولمزكم، فموتوا كمدا وبدون رحمة. فأنا أعرف أنّني أشرف منكم ومن كثيرات من نسائكم. وأعرف أنّكم تعرفون ذلك ولكنّكم تتستّرون. تعرفون وتسكتون عنه يا أبناء الزّواني حتّى لا تفوح فضائحكم فينتن ما بين السّماء والأرض.
تفوووه...
لو حكيت ما أعرف وما أكثر ما أعرف عنكم وعنهنّ( أعني ربّات الخدور قاصرات الطّرف، العائشات داخل بذخ أسوار الفيلات والقصور) لما بقي لحرّة أن تدّعي أنّها أشرف من بائعات الهوى، ولا لواحد منكم أن يقدر على المشي دون أن يغطّي وجهه بحافظة أستلّها من بين فخذيّ في أيّام الطّمث.
تفوووه...
وسأحكي...
ترقّبوني قليلا...
سأحكي ولن أسكت عن الكلام الّذي سيجرح كبرياءكم المريضة...

سأحكي وأقـول مــا تستّرت عنه شهرزاد بنت شهرنار وما لم تعرفه دنيــازاد من كلام العــار... سأفضحكم كلّكم، أنتم يــا من عرفت عـن قرب حتّى صرت كأنّي أنفاسكم، كأنّي أرواحكم، كأنّي جيوبكم، كأنّي ذنوبكم...، ولن أتستّر على أيّ منكم رغم الشّيكات الّتي دسّها بعضكم في جيوبي وفي حقيبة يدي حّتى لا أكشف المستور ولا أعرّي ما تخفي القدور. ولن أسكت رغم تهديدكم بقتلي ورمي لحمي للكلاب السّائبة في فجاج الجحيم وضباع الصّحّار الموبوءة بالجوع .
قال لي مرّة واحد منكم، والله يا كلبة يا بنت الكلبة لو تكلّمت لأعددت لك نارا حامية كنار جهنّم. نارا تلظّى تصلينها يا شقيّة يا بنت الشقيّة لأن الجنّة لا تليق بمثيلاتك ، ولأحضرت لك تلك النّار كما هي مذكورة في التّوراة اليهوديّة وفي قرآن المسلمين إلى هنا، إلى دنيا النّاس، ولوضعت في عنقك الأصفاد وكلّفت بك زبــانية لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا وأنا أضع بين أيديهم الأورو والدولار، فكيف تتصوّرين ما سيصنعون بك بعدما يدسّون رشوتي في جيوبهم الكريمة.
وأنت تعرفين أنّني قادر، قاهر، جبّار، عنيد...
ومع ذلك، ورغم كلّ تلك التّهديدات الّتي ذكرت وما لم أذكر بعد، لم أخفك أيها الجبّار العنيد... وسأحكي عن زوجتك المصون، الفنّانة المشهورة التي ما عدت قادرا على إشباعها وأنت الفحل ابن الفحل سليل الفحول فاقترحت عليها حتى لا تخونك خيانة حقيقية أن تكون خياناتها لك افتراضية عن طريق الهاتف وأن تنام مع من تشاء ولكن بالصوت فقط. فأنت لا تقدر على أن تراها تحت رجل آخر...

يا حــرام على الرجـال الكـرام والنّساء الحرائر. وأنا سأبدأ بــك وسأفصّل.
فحكايتك تستحقّ أن يرويها أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه وأن يبوب لها ويفسّر وأن يفكّر بها ويقــــدّر. وما دامت زوجتك مغنّية فمن حقّها أن تجد لها مكانا في كتاب الأغاني الجديد.
أبو الفرج الأصفهاني، يا أبا الفرج...
ستفرّج كربتي وستهديني سواء السّبيل... فإن وافقت فلك أجران. وإن رفضت وتركتني وحدي فلك أجر واحد لأنّك صاحب السّبق في هذا الباب.
نعم ، اخترت لك أبا الفرج ليروي حكايتك لأنّ زوجتك فنّانة ولأنّك مغنّ تنفخ في المزماز وتضرب على الدّربوكة والطّبل و الطّار. وترقص كالسّعدان تحت أقدام أسيادك . تحرّك ردفيك وتقفز برجليك، وتنهق إذا طلبوا منك أن تمثّل دور الحمار.
يا حمار يا ابن الحمار.
وقد زعم من له علم أنّك ذلك الفنّان الّذي اشتهر بانتهاز الفرص واقتناصها من العامّة والخاصّة. ليغنّي ويتفنّن في الغـــنــاء والطّرب مصحوبا بالجواري الحسان ، اللّاتي لم يطمثهنّ انس ولا جان، ليهديهنّ لعجائز من الرجال المتمليرين الجدد، ذوي الأرجل الطويلة العجفاء كسيقان المعيز، فيتفخذوهنّ ويتنعّموا ببهائهنّ ولحمهنّ الأبيض، البضّ، المكتنز، الرّخو، السّمين، الأسمر، الأبنوسي، المتوهّج كنور الشّمس، كنار جهنّم ، كخبز الطّابونة الخارج من التّنور سخنا شهيّا يسيل له الرّيق، وتتشهّاه الأنفس، وتلذّ له الأعين .
أوووووووووووووووووووووه.... يا ربّ السّماء والأرض وما بينهما... والله الكريم، والله العظيم، والله الذي لا اله إلا هو حامل السّماء بدون عمد، لو كان بيدي لسقيتك قبل هؤلاء الرّجال العجاف، السمر، النّحاف كتمر نخلة عجوز، من سمّ الأفاعي عوضا عن رضاب البنات الشّقراوات. هؤلاء الرّجال الّذين لا يعرفون معنى للحياة إلا بين قينة ودفّ. بين قارورة خمر وردف. أفففففففففففففففففففففففففففففف. وتفففففففففففففففف. على الّذي أوصلهم إلى هذا المكان القصيّ، العليّ. أففففففف وتفففففففففففف. أف على قلب ما عاد يعرف من يحبّ ومن يكره. قلب ما عاد يفرّق بين العزيز عليه و القريب منه بحسنه وجماله، أم البعيد عليه بكثرة مـاله .وتف، وهي من تفوه، على الطّمّاعة الّتي تجوع فتأكل من ثدييها وتنسى الحرّة التي تسكنها وما إليها.
ربّما سأعود إلى حكاية ذاك الدّيوث. ربّما فقط لأنّ الأمور قد تتشابك أكثر ممّا توقّعت وأنساها، فيسألني عنها أحدكم ويتّهمني بأنّني أعد ولا أفي بما وعدت. وقد ( أردت أن أستعمل كلمة طحّان لأنها أبلغ في توصيل المعنى عندنا في تونس ولكنّني فضّلت عليها كلمة ديوث حتّى يصل معناها الحافّ لكلّ العرب، لا أستثني منهم أحدا إلا من رحم ربك برحمته الواسعة، طبعا، وما أقلهم ) بعدمـا انتهي من " التّخضريط " وهذا التّخضريط هو من الضّريط والضّـــــراط وما شابههما. لأنّ كلّ كلام بلا معنى هو ضراط في ضراط في ضريط، وطيط وطرمبيط..سأعود إلى تعريّة المستــور وهتك المخبّأ عن عيــون الشّمس لأنّ للشّمس عــيونا تـرى ما لا يرى ولكنها تصمت، فلو تكلّمت لفضحت العالمين. سأحكي عنك و عن تلك البنت الّتي فتحت لها في الجنّة أذرعا وبنيت لهـا قصورا في صحار السّراب. بنت بنّوتة يا حليلتها، حلوّة كعسل النّحلة البكر. كانت قد تركت مقاعد الدّراسة في الجامعة قبل أن تنتهي من إعداد شهادة عليا حول الغناء في الحضارة العربية، اختارت موضوعها عن أغاني أبي الفرج الأصفهاني ،حتّى قالت وبتشجيع كبير منك، وبعد أن حشوت دماغها بكلامك الموبوء بكل إشارات إحباط العزائم :
" واش نعمل بالقراية الّلي ماعادش تنفع في شيء. انولّي استاذة في الفيزيك والا في التّمينييك والا في الماتيماتيك . تيك تيك . تيك تنيك ما يهمّش الكل كيف بعضو. ناخد الّليسانس بعد أكثر من عشرين سنة قراية ورباية وأخلاق حميدة . هيه وبعدين وبعداش . نستنى الدّور .
ميات ألف ويزيد قبلي عندهم الّليسانس في كلّ علوم القراية والرّباية يستنّو في دورهم باش يولّو معلّمي صبيان وصبيّات ينعمون بفساء الأطفال ونزق أولياء أمورهم. وآنا رقم آخر ينزاد للعدد. واستنّي يا دجاجة حتّى يجيك القمح من باجة. واستنّى يا السّردوك الدّكدود حتّى اتجيك الدّقلة من توزر، من غابة نخل بوك سردوك السّراديك .
و رجعناناش توّة للتّمينييك والتّيك والميك والميكا نيك .
وزادت فقالت: قيلني من هذا الكل ، وهيا يا بنت النّاس اختار أقصر الطرق الّلي توصل للرّبح. ولكن هاك الطّريق تمرّ حتما من بين الفخذين .
جمّارة النّخلة يا وليدي يا حنّي. وآنا فخذيّ جمّار فيه الدّبير احتار. وغير حضّري الجّمار يا بنت النّاس وما عادش يهمّك في حتى شي آخر.

وشهادتك قالت مرّة أخرى لنفسها الأمّارة بالسّوء ؟؟؟
الشّهادة الّتي قطّعت سروال الدّجين حتّى تحصّلت عليها؟؟؟
قال قائل عادت به الذّكرى الآن إلى واجهة الأحداث ليكون محل شاهد، قائل يسمع ولا يرى. يعيش في القلب ويقتات من دمه:
- أما تلك فبلّيها واشربي ماها. ههههههه. بخّر بيها للجن ربما يحلّولك كنوز النّبي سليمان ويورولك الطّريق إلّلي يوصّل لخزائن الملوك والسّلاطين في بنوك سويسرا ونيويورك ودبي وهونولولو وبيونس آيرس.
عليك بالبترودولار يا بنت النّاس كان ربّي حابّك.
قلت البترودولار ؟؟؟ وكيفاش نوصلّو وأنا جاهلة بنت جاهلة بنت جاهل جهول في هذه الأمور وما شابهها من التّدابير الّتي يشيب لهولها الولدان.
فرنّ هاتف في أذني من وراء الغيب عليك بصنّاجة العرب وسلطان الطّرب، يا بنت الناس.
قلت: صنّاجة العرب؟
ومن هو هذا الصّنّاجة؟ وما جنسه؟ وما دينه؟ ومن نبيّه في هذا الزّمن الذي اختلط فيه الضّارب بالصاروخ بالقاذف بالمدفع؟ (هذه محاكاة فجة لاختلاط الحابل بالنابل في زيها العصراني) .
قه قه قه قه قققققققققققققه...
هههه...
خلّيني انموت بالضّحك على روحي الكلبة بنت الكلب المكلوب المتكالب على العودة للوراء دائما أبدا ما نتفكّر كان في " إلى الوارء در"...هههههه...

هذاكا فاش شاطرين يا عربان آخر الزمن.
وكالعادة عدنا للتّمنييك وما أدراك ما هو .
فقال الصّوت ( الّذي يسمع ولا يرى ): صنّاجة العرب هو ذاك الّذي يعرض ثديي الحرّة في سوق النّخاسة العصري( بعدما كانت تجوع ولا تأكل بثدييها ) فيبيع الفخذ والنّهد بفلس ، والثّغر والجيد بدرهم إذ تحوّل الغناء والطّرب في بلاد العرب إلى سوق للنّخاسة وباب من أبواب النّّجاسة وسوق للتّنجيم والفراسة يحوّل بين ليلة وضحاها بنات المعاهد الصّغيرات إلى نجوم زاهرات، تطير في السّماوات تحصد الملايين في الليلة الواحدة، وتكسب المليارات وهي قاعدة.
فقلت : ذاك الّذي قرّرت أن أبدأ به مسلسل الفضح... ولن أندم ولو تعرضت للذبح وإلقاء أشلائي في سباخ الملح.ولن أسكت حتى بعدما يسكت ديك الصّباح عن الصّياح ، وتسكت الكلاب عن النّباح، وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح لأنّ كلامي يخرج من باب المباح ليدخل باب المفضوح الّذي لا سكوت عنه. ومن سكت عنه فهو شيطان أخرس.
جو. رجعلنا للكلام الكبير. شيطان أخرس يصطاد في الماء العكر الملوّث بالدّيزنطاريا وببول الحمير والخنازيييييييييييييييييييييييييير .
تفوووووووووووووووووووووووووووووه
تفوه عليكم يا قوّادة آخر الزّمان بالفعل والبرهان تقتلون بالضّيم الشّجعان وترفعون من شأن الجبان وتعيشون في مزابل الهوان.
يا كلابا تبول على مرأى ومسمع من العالم، وتشرب من بولها ولا تخجل.

قلت لأجرّب أمري مع هذا الصّناجة الجديد والفرقد الفريد، لعلّ بعد العسر يسرا، فيفتح في وجهي باب النّجاح بعدما يئست في الجامعة من الفلاح. وقصدت ديـاره بعدما جلبني لعالمه سطــــوع أنواره .
وارتبكت كما لم ارتبك في حياتي عندما وقفت أمامه أول مرّة. فقد رأيت في عينيه ما يشبه ذاك البريق الصّادر عن عيني ذئب تمكّن من فريسته. ذئب جائع وفريسة سمينة بلا دفاع شرعي عن النّفس. وعرفت أنه لن يفلت منّي حتّى وان حاول التّظـــــاهر بأنه لا يقــدّر جمــالي ولا يلتفت لحــالي، فأنا أعرفهم هؤلاء الرّجال من خلال النّظرة الكسيرة الّتي تطيح من أعينهم حين يرون الجمال الفــاتن، ويقــدّرون أن زمنهم قد ولّى وفات. وأن قطـــار رجولتهم قد ذهب بــدون رجعة. فحتّى حبوب الفياغرا ما عادت تقدر على إنقاذهم من مذلّة وهوان ذلك الكلب العجوز النّابح بين أفخاذهم.
أفخاذهم أعرفهم، فأزيد في تعذيبهم وقتلهم. أزيد في إرباكهم وأنا أنظر عنوة بين فخذيّ الواحد منهم، ولا أغضّ الطّرف عندما يمسكــونني بالجرم المشهود. فأزيـد في شيّهم فـوق نـار كما نار منفــاخ الحدّاد، وهي عندي أقوى من نار جهنّم لأنّ هذه ترى وتلمس والأخـرى يسمع بها مجرد سماع ( وليس من رأى كمن سمع ).
ولا أرأف بهم أولئك الفحوووووووووووووووووول.
على الأقل حسب ما يدّعون ويروّجون في مجالس خاصّة الخاصّة وهم بين ردف ودفّ وقينة وعود وتحايا المواعيد....
تثبّت في قامتي وهندامي وقاسني مليّا من رأسي حتى أخمص قدميّ وهو يحرّك نظّارتيه المقعّرتين فوق أرنبة أنفه ثم طلب منّي أن أجلس أمامه، فوقعت على أريكة وأنا أفرج ما بين فخذيّ بطريقة استفزازيّة. وأعرّي كيلوتي الصّغير ليرى كنزي فيطمع فيه. كنز ككنوز علي بابا. وهاهو الحرامي واقف أما باب المغارة وقد نسي كلمة السّر:
افتح يا ... فلفل
افتح يا ... طماطم
افتح يا ... بصل
افتح يا... فجل
افتح يا... خراء
افتح يا... بول
وعرفت أنه نسيها، الدّيوث بن الدّيوث
نسي سمسم وسماسم ...
وافتح يا... سمسم...
فغنّيت له من حيث لم يحتسب:
" والمان يا عينيّ
والحوت عليك وعليّا.
حط ايدك تحت السّرة
واش تلقى تحت السّرة ؟
تلقى الدّقلة الحرّة
كول وخلّي شويّا
والمان يا عنيّا"

فرأيته يرتجّ، يلتهب، يشتعل، يولّع نار، يشعلل، يزفر، يعرق، يحلّ الكرفتا، وزرّ القميص الفوقاني واّللي بعدو... اّللي بعدو ايقوّي سعدو... ثم ينزل بيديه إلى ما بين فخذيه ويحكّ هناك ويزفر. وأنا كأنّني لا أرى شيئا. تعاميت عما تفعل يا ولد الكلب. تركتك تحكّ الّلحم بالّلحم وتتأوّه وكأنّك وحدك حتى سال العرق على جبينك وبلّل إبطيك، فخرج صنانك ليعطّل مفعول عطور الماركات الغالية: " agent provocateur " و" versage " اللّتين تزيّن بهما طاولتك وتتعطّر بطيبهما كلّما صافحت ضيفا من ضيوفك العظام أو مددت يدك الكريمة لصيد جديد جاءك يمشي برجليه طائعا مختارا ، مستكينا يمدّ لك السّكّين الّتي ستذبحه بها . لكن افرازاتــك ،افرازات رجل الغابة، الشّامبنزي الظّريف السّاكن تحت جلدك منذ ملايين السّنين تظلّ تفضح الحضارة التي تدّعيها أنت وأمثالك من قردة هذا العالم الجديد.
وامتلأت القاعة الفسيحة برائحتك الكريهة وبعرقك الممزوج بعطر "عون الإثارة " فجئت إليك، عند الطّاولة الّتي تجلس وراءها. تأمّلت من فوق صلعتك الّتي تلمع تحت ضوء الإنارة الخافت المنبعث من شبابيك صغيرة مبثوثة تحت السّقف ثم طلعت فوق طاولتك بحذائي الأحمر الّلماع، ذو المسمار الحديديّ الرّفيع . وقفت فوقها وأدرت لك عجزي حتى صار أمام وجهك - عجزي يزي من الكلام الكبير يا بنت العاهرة... قولي ترمتي- وضعـــت ترمتي فوق صلعتك وجعلت أدعك وأنت تتأوّه بهــدوء أوّلا ثم صرت تصـرخ كالمهبــول ... وتنادي بكل أصواتك المعلومة والمجهولة القادمة من أعماق أدغال غابات إفريقيا المطيرة : صوت أسد عجوز جائع... صوت ضبع أعمى وقع في جبّ... صوت غوريلاّ مغتلم يبحث عن أنثاه ... وأنت تنادي عن بقايا رجولتك الّتي خانتك في وقت الشّدة. شدّة لم تنفرج ولن ينبلج ليلها أبدا.
تقول وأنت مغمض العينين: لا تدقّي بكعب الحذاء على بلّور الطّاولة يا زينة الملاح، دقّي به على رجولتي المفقودة، دقّي به على هذا الجرو الميّت، دقّي به عليه لعلّه يستفيق من نوم السّبعة الرّقود. دقّي به لعلّه يحرّك ذاك الشّيء الّذي مات من زمان وما عاد يقدر على رقصة الطّائر الذّبيح. ثمّ أنزلني إلى حضنه وراح يمتصّني بدءا من شحمة أذني حتّى كعب الحــذاء الحديــديّ. لا فرق عنده بين الّلحم والمعدن. الكلّ سواء. وأنا أتعجّب من خلق الله وأبصق على صلعته وأمسح عليها بكفّي، فيزيد اهتياجه ويبدأ في الهذيان إلى أن أغمي عليه.
وخفت ، قلت مات ولد الكلبة، ونا مابديتش في الحكاية. ايفسّدها عليّا من توّه هاو بالحرام كان نعملها فوق راسو ويكون ما يكون. وبديت انّحّي في كلسوني بالشّوية بالشّوية. وولّيت لعنت الشّيطان وبطّلت قلت خلّيني نزيدو فرصة أخرى ربّما ينقذ الموقف.
آه ... واش جابو هالشّيطان لحكايتي...واش جابو من فيافي الخرافة العتيقة لعوالم قصّتي ؟ انخاف لا يفسّدها وهو ملاحق بلعنة منذ العهد الأشوري الثاوي في ألواح الطّين مرورا بتوراة بني اسرائيل المسروقة من حضارات البابليين والفراعنة والفينيقيين . هذا الشّيطان الملعون إلى يوم الدّين ... وآنا انحبّو برشة هالشّيطان قدّاشو تحفون . فيه زوز قرون ملويّة كيف قرون كبش العيد وبعبوص كيف بعبوص الشّامبنزي ينشّ بيه في الذّبان. وفمّو كيف فم قرد البابوان العجوز .وانيابو تخوّف . وعينية صغروووونة تحت حاجبين كثّين أشيبين عمرهما من عمر الدّنيا. أمّا راهو طيّب برشة عمــرو ما ياذي بني آدم . بنو آدم هــوما الّلي عاملين فيه حاله دخل من فم بوهم آدم وخرج من دبرو وهو طين تشوي فيه الشّمس. وقلت قدّاش من مرّة لأصحابي ما اتسبّوشي راهو مسكين. راهو مظلوم. قال ما نصليّش كان الربّي. وما نركعش لها الفخّار المشوي . وهكّاكا جاتو لعنة حرام . جاتو لعنة بــاش أحنا المومنين نلقوا علاش انعلقـــوا خطـايانا . وآنا
نبحث في الكتب، طاحت بين ايدي دراسة لصادق جلال العظم جنّنتني ودخلّتني في بعضي وخلّتني نفكّر في عبادة الشّيطان. حتّى لين اسمعت توّه بناس تعبد في الشّيطان. قال عبدة الشّيطان قال. يا لله ثمّة واحد أشطن من هالدّيوث الّلي يفرفت تحت رجليّ توّة. ثمّة واحــد إبليس كيف ها لكلب الّلي العالم الكل يظن فيه ملائكة. وهو ذاتو عامل روحو شيخ شيوخ المومنين، وهو المغروم بالّلحس والّلمس والجسّ ولا غير...
قالّي كيف ما نقدرش على الّلحم يلزمني نشرب المرقة. فبلت له في فمه. صار يشرب البول ويتمطّق وكأنّه يلحس من عسل النّحلة. يا ولد العاهرة يا قوّاد القوّادين . لهنا وصلت وآنا أول ما شفتك ظنّيت روحي قدّام إمام الحرمين الشّريفين وأنت طلعت قوّاد. وهذي حكــاية أخرى مـــازال وقتها.
وشبيّا بديت نجبد فيها من توّه. حكاية القوادة مازالت بعيدة. في آخر المشوار يا سي زكري. يزّي مالتّخلويض. كان عييت برّة ارقد شويّا وخلّي الخلا في خلاه...

- نرقد. كيفاش نرقد وآنا بديت نحكيلكم عن شيخ القوّادة وزعيم القوّادين ؟ أوّل ما ريتو قلت هذا الّلي باش نشريه بثمــار الجسد. هذا الّلي باش يشبعني أنا المحرومة منذ لعنة حواء بعدما أكلت من تفــّاح الجنّة الحرام.
ومنها حاجة منها حويجة . والدّنيا هكّة، كول ووكّل لكن علاش رب السّماوات والأرضين حرّم التّفاح على حوّاء وحلّلوا بعدين للنّاس الكل؟ قالّي واش اسمك وآنا واقفة قدامو أوّل ما دخلت . قتلو سمّيني لولوا ، سمّني حبيبة ،سمّيني ميمة سمّيني حوّاء ،سمّيني عليّه سمني دنانير ،سمّيني حباب ، سمّيني مرجانة ، الاسم الّلي يعجبك سمّيهولو، راهو الاسم الّلي يجي يركب عليّ ونا نركب عليه.
فقال مترنّما : حوّه يا حوّه ، يا زين بلا لوله. حوّه يا حوّه حرمك ربّك مالتّفاح وآنا نقشّرهولك . تفّاح تركية يا حوّه. تفّاح أحمر وتفّاح أخضر وتفّاح أزرق وتفّاح بردقاني وتفّاح وردي كيف خد بوقرعون. وآنا انقشّر وانت تاكلي ... آنا انقشّر وانت تاكلي... آنا انقشّر وانت تاكلي ومرسي يا شوشو ( هكّة يتربّج على الشيطان كيف ايظلّي شايخ ايناديلو شوشو يا شوشو ايجي بحذاه، ايبوسو ويتمطّق وايصب على شعرو من عطر "عون الإثــارة " مرّة صب عليه دبّوزة كاملة وقـــالو برّة ارقص في مسرح قرطــاج وفسّد عليهم الحفلة علخاطر مادّبرش فيها راسو .
مشى مسكين وقريب ياكل راسو طلعولو البوليسيّة الأنتيقون. ويا ضرب على راسو ويا جر من بعبوصو وهوّ ايقللهم راني الشّيطان راني نلعب وشويّة لاهزّوه للدّيكي كــان كي شفعت فيه الفنــّانة الّلي كـــانت تغنّي على الرّكح وقالتلهم سيبوه راني نعرفو راهو شيطان صنّاجة العرب. وقاتلو هاني شفعت فيك اليوم ومّرة أخرى دبّر راسك. وغمزتلو وقاتلو سلّم على صاحبك وقلّو الّلعب راهو موش معانا نحن . ماك تعرفني أنا سلطانة الشّياطين وفي ايدي الحل والرّبط يا تريض يا تو نبعثلك واحد من جنون سيدنا سليمان يفرغلك قمقم من نحاس على قدك وايدكك فيه وايهزك في طيارة و يلوحك في بحر العرب من السّماء السّابعة .تتذكّر ماهو بحر العرب؟ ماهي أصبحت مقبرتكم الجديدة، ولا من شاف لا من درى . وربّي يغفر وايســامح يا سي صنّاجة العرب وملك ملوك العجب.
قلتلكمش راهو مسكين الشّيطان ويستحق الشّفقة في هذا العالم العجيب الّلي صارت فيه شياطين الإنس أقوى منّو .وتخفر في القبور في وسط البحور. لكن بعدين ومنذ تلك الحـــادثة عرفت الّلي سي صنــّاجة العرب وملك ملـــوك العجب عمرو ما كان الرّاجل الّلي آنا نحلم بيه. فبعد المعاينة الأولى دعاني إلى منزله كعادته مع كل زائراته من بنات الجنس الّلطيف والدّم الخفيف والثوب الشّفّاف والنهد الهفهاف. ذهبت معه ولم أبال بالخطر الذي قد يحدق بي في منازل لا اعرف أسرارها ولا مفاتيح أدوارها. وأنا البنت الّتي فتنت الخلق أجمعين بجمال قدّها ورقّة خدّها حتّى أنّ السّيّارات كانت تقف احتراما لي أكثر ممّا تقف احتراما لإشارات المــرور.
وكان راكبوها ينزلون منها ليسألونني متى غادرت الجنّة ؟ وهل حور العين التي وعد بها الله عباده المتّقين كلّهنّ على شاكلتي؟ ثم يتطوّعون للقتـــال في بلاد الأفغـــان مــرّة وفي صحـــار بلاد المغــرب أو في أرض الصومال مرة أخرى لعلّهم عندما يستقبلون الشّهادة ، يفوزون بواحدة مثلي في جمالها وقدها واعتدالها.
وظلّ الرّجل يحكي طول الطّريق وهو يدخّن من سيجاره الكوبي الضّخم المغروس بين شفتيه الغليظتين محرّكا رجليه فوق دوّاسة البنزين برفق وممسكا بمقود السّيّارة كما لو كان يقود مكوكا فضائيّا أو طيّارة، إلى أن وصلنا إلي بيته، فعاد يحيّيني وإلى جانبه يدنيني وهو يعرض عليّ أريكة فخمة وكأسا من الخمر المعتّقة في إنـاء فخم من الكريستال. فتنــاولت من يده الكـأس ووضعتها على الطـّاولة بعدما رشفت منها بضع رشفات.
ورأيتني من جديد أنظر ما بين فخديه فوجدت السّروال خاويا على عروشه. وتعجّبت كأشدّ ما يكون العجب من هذا الرجل الأسطورة الذي يحكي كل الوسط الفنّي عن مغامراته الجنسيّة وغزواته الرّمحيّة وهجماته الّتي تدكّ الأسوار فلا تبقي ولا تذر.
وينو ها الشّيء الكبير الّلي عندو وهو الطّريق الكل وهو يخرّفلي عن الّلذة الّّتي تصنع الحياة وتجعل الشّيخ شابّا في ريعان الصّبا وتحوّل الجحيم إلى جنّة والصّحراء البلقع إلى جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار. خلّيتو في البيت يحرّك الثلّج في كأس الكريسطال ويمصّ من الويسكي كيف ما ايمص الرّضيع من ثدي أمّه باشتهاء ولهفة وامشيت لبيت الرّاحة كما قرأت على لافتة صغيرة تدلّ عليها. فتحت الباب فوقفت منبهرة بما أرى.
يا ملائكة السّماء ارحميني فقد تعطّل دماغي وما عدت قادرة على التّمييز بين الأشياء. هذه طواليت أم قصر صغير فيه حوض سباحة أوسع من بحر مدسوس وراء ستائر من السّاتان والمخمل وجهاز تلفزة كبيـر معلّق قريبا من سماء الغرفة وأشرطة فيديو في كل مكـان وقطع صابون بكلّ الألوان وكرائم تفوح بعطور لذيذة مخدّرة وشمبوانات معطّرة ومناشف وقمصان نوم حريريّة حمراء وورديّة وبنفسجيّة وكيلوتات صغيرة جدّا تعرّي أكثر ممّا تغطّي وآلات جنسية من البلاستيك والبلــّـور و عجائب وغرائب ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت وما لا يخطر على بال إنسان. فذهلت وأصابتني رعدة وأنا أراه يقف سادّا فتحة الباب يتفرّج على انذهالي وفزعــي من وراء ابتسامة صفراء بــاهتة سرقها من علـــى وجه دراكيلا، فأصابني رعب شديد وبدأت من حيث لا أشعر في الهذيان والصّياح وأنا أرتعش كحمامة وقعت في شرك محكم الإغلاق:
وعلاش تتفرّج يا ولد الكلبة؟ وعلاش جايبني لهناي؟ وشنو هالبازار انتع الفساد هذا ؟ أنا عمري ما كنت انظن انّك بهذا الشّكل من القذارة. توقّّعت كلّ شيء ولكن هذا فاق كل تقديــراتي. وما اتصورتش انّك قادر على الإتيان بمثل هذه الأفعال. فخرجت الكلمات من بين أسنانه دون أن تتحرّك شفتاه، وكأنّ شخصا آخر يتحدّث عوضا عنه:
- مازلتي ما شفتي شي. حضّري روحك للقادم الأجمل يا زينة الملاح.
وسكت.
ولم أدر بماذا أردّ ولسان حالي يقول:
- بوهاليّة وغبيّة...يا بنت النّاس،... بوهاليّة وهاي الدّنيا تعلّم فيك. حضّري روحك لهذا العــالم الّلي جيتو برجليك كيف ما قالك. وتوقّّّعت منه أن يغادر المكان ويغلق وراءه الباب حتى اهتمّ بنفسي وأقوم بشؤوني، لكنّه ظلّ واقفا في فتحة الباب. ومن وراء حيرتي وارتباكي وفزعي من القادم الجميل الذي وعدني به رأيته يلج إلى الدّاخل ويغلق وراءه الباب. ورأيت في عينيه احمرارا وشرّا مستطيرا، فتوقّّعت الأسوأ وتهيّأت للمناورة أوّلا ثم للمناجزة إذا دعت الحاجة لذلك. ولكنّه فاجأني بما لم أتوقّع. فقد دفعني بسرعة كبيرة بقبضة يده وسط ماء المسبح . دفعني بما عليّ من ثياب، وبما أحمل في حقيبتي اليدويّة من وثائقي الرّسمية : بطاقة تعريف وطنيّة وشهادة الإجازة في الّلغة والآداب العربيّة مصوّرة ومعرّف بإمضائها في بلديّة حيّ الازدهار والتّرقي وقلم أحمر شفاه وثلاثة كبابيط انقليزية واقية من الحمل أحملها معي دائما لتكون في متناول اليد عند الحاجة ( واحدة من العادات الّتي تعلّمتها في الجامعة حتى لا يقع المحظور مرة أخرى وأحصل حصلة الضّبع كما وقع لي ذات مرّة مع رفيق وعدني بالحبّ حتّى آخر العمر وفرّ عندما تأخّرت عادتي الشّهرية أسبوعا واحدا ) و مشط صغيــــر وقارورة عطر رخيصة جدّا ليست كتلك الّتي رأيتها على طاولته، و قلم حبر جاف. و... بدأت أتخبّط وسط الماء وأنا مسجونة داخل ثيابي الّتي بدأت تثقل... وأحسست بأنّ المسبح أكبر مما كــان عليه في الحقيـــقة، فخفت أن أغرق وأمــوت وأنا مازلت لم أشبع بعد من هذه الدّنيا العـاهرة. وبدأت ثيابي المثقلة بالمــاء تعــوقني عن الحــركة فشــرعت في انتزاعها من على جلدي إلى الجحيم، إلى أن صرت عارية ولا شيء يغطّي سوأتي سوى سروالي الصّغير. فحتّى حمّالة النّهدين رميت بها من حيث لا أدري إلى حيث لا أدري وأنا كالمجنونة لا أعي ما أفعل ولا أقدّر حركاتي وسكناتي وأنا أخبط بيديّ ورجليّ مياه تحوّلت إلى زئبق يرتفع بي إلى جبال عالية ثم يهوي بي إلى قرار مكين ...
ولم أدر إلّا وهو معي في المسبح يأخذني من خلف. فحاولت التّشبّث بالجدار، فلم أفلح لأنّ حافّته كانت زلقة ولا تسمح بالنجدة، فعدت إلى التّخبّط والصّراخ والهروب من جانب المسبح إلى الجانب الآخر.
ولكنّه ظلّ ملتصقا بي ويداه تتلاعبان بصدري وعنقي وفخذيّ وأنا الملتاعة صرت كالمجنونة، كلّما هربت إلى نجدة إلا وسدّها في وجهي إلى أن جاءتني فكرة ربّما قذفها في قلبي صديقـي الشّيطـــــان الّذي كــــان يحضر دائـما لنجدتي عندما تنغلق في وجهي كل الطرق المؤدّية إلى رحمة الرّب. إبليـس صادق جلال العظم الّذي حكى مرة عن مأساته في عالم الملكوت، جاء لنجدتي كما يجيء دائما عندما أفقد الرّجاء. ارتمى في الماء بذيله وقرنيه وبأنيابه ووجهه المضحك وأشار إلى أصابع الرّجل الّذي كان يحاول إدخالها في إستي، فانقضضت على يده اليمنى ، ( يد الرجل طبعا لا يد إبليس)، وبكلّ ما أحمل من ذلّ ومهانة و خوف وقرف ورغبة في الانتقام بدأت أعضّ إصبعه الوسطى حتى أحسست وكأنّ شيئا انكسر داخل فمي. ورأيت بقعة من الدّم تغطّي الماء القريب من وجهي. وسمعت خوارا كخوار ثيــــــــران جهنّم، ( ففي، جهنّم ثيران أيضا معدّة للشّواء للمؤمنين من البشر" ثلّة من الأوّلين وقليل من الآخرين ") يأكلون من لحمها وكبدها حتى الشّبع.( أعود بعد هذا الاستطراد للحكاية، فلساني يسبقني دائما إلى ما أحاول التّستر عليه لفرصة قادمة، وستجدون استطرادات كثيرة كمثل هذه فلا تنزعجوا منها ففيها متعة وإفادة، هههههههه.....)ورأيته يهجم على وجهي فيمسكني من شعر رأسي ويلويه ليّا شديدا على يده السّليــمة ثم يبدأ في جرّي من ركن المسبح الأيمن إلى الرّكن الأيسر وأنــا، وقد ملأت السّكينة قلبي ، صرت طــوع بنانه أسبح في المـاء فاردة يديّ على طولهما كجناحي يمامة أصابها رصاص في مقتل، إلى أن هدّه التّعب فأسلمني للرّغوة الّتي تحوّلت إلى بركة من الأحمر القانــي. وخرج والمــاء يصطخب تحت قدميه...
بعد دقائق من التّخبّط في الماء وأنا شبه مخدّرة بالتّعب والعذاب، فتحت عينيّ فوجدت بطاقة تعريفي تسبح بجانبي ملتحفة ببلاستيكها وقد بدأ ورقها يتشرّب الماء من كسر صغير في الغلاف، فغامت صورتي وبدأت ملامحها في التّلاشي حتّى ما عدت قادرة على تمييزها. وامّحت صفتي نهائيا من على الورقة المدموغة بطابع وزارة الدّاخلية... بقيت هنــاك داخـل الحوض أرتجف من البرد والخــوف غيــر عــارفة على مــاذا أقدم وماذا أفعل، إلى أن أزّ الباب وصرّ صريرا موجعا كمواء القطط المهتاجة. ورأيته وقد وضع ضمّادة لفّها بإحكام على يده، يقترب من حافّة المسبح وهو يفتح منشفة كبيرة الحجم من القطن الفاخر ويدعوني للخروج من الماء. فتحاملت على ضعفي وذهبت باتّجاهه. فلفّني بالمنشفة لفّا محكما ورفعني، فحملني على كتفيه وخرج متثاقل الخطو...
عندما فتحت عينيّ مرّة أخـــرى وجدت نفسي فوق سريـــر كبير، مذهّب الحـــواشي، مزركش الجوانب بأزهار وأطيار لم أر لها مثيلا في عالمي
الصّغير. قلت هي طيور الجنّة وعصافيرها، مناقيرها من ذهب وريـشها
من حرير. كنت أتحرّك فوق السّرير فتزقزق العصافير بأنغــام وألحان فريدة تهدهد البدن وتطرب الرّوح الشقيّة. ورأيت فوق رأسي نجفة ضخمة ملأت فضاء الغرفة حتّى لا يرى السّقف من خلالها. لها أغصان متفرّعة في كل الّاتجاهات. يحمل كلّ غصن منها ما لم أقدر على عدّه من الفوانيس المتلألئة الصّغيرة والكبيرة. وكلّها لها شكل التّفاح. وشممت رائحة التّفاح تفوح من خلال ثقب صغيرة منتشرة على جدران الغرفة مصحوبة بموسيقى هادئة لسمفونية ما عدت أذكر صاحبها إن كان باخ أو بتهوفن أو شتراوس أو فيفالدي أو فاغنر أو روسّيني أو شوبان أو تشاوكفسكي... ثم بدأت الأصوات تختلط متواترة بين الصّخب والهمس ليصبح الّلحن واحدا أحدا ،عرفته، هو للرّوسي نيكولاي رمسكي كورساكوف المجنون بسحر الشّرق وعبقريته. وأنا زينة الملاح ، صاحبة قبقاب الذّهب. أنا شهرزاد الحكاية. أنا شهرزاد الأغنية. أنا الغادرة المغدورة. أنا القابرة المقبورة . أنا الفكر. أنا الجسد . أنا القلب أنا العقل .أنا القحبة. أنا القدّيسة . أنا الملاك. أنا الشيطان. أنا الرّبّة .أنا إبليس.أنا الّلعنة . أنا الرّحمة. أنا التّبر. أنا التّراب. أنا العهر .أنا الفضيلة . أنا الكلّ في واحدة. أنا واحدة في كلّ لا يتجزّأ .أنا الواحد الامتناهيي. أنا البداية .أنا النهاية. أنا الصّفر. أنا حوّاء الخارجة من الجّنة. أضع ورق التّوت على سوأتي كما في صور فنّاني التّراث الشّعبي العربي وأتعرّى على كامل شاشة تلفزيون بلاسما بحجم مترين في ثلاثة في قصور المترفين في هذه البلاد التي ما عادت تعرف خيرها من شرها ورشدها من غيها.
و ... هل أزيدكم....؟
ولكنّني لن أقدر، فقد اقتربت خطاه من السّرير فأظلم سماء الغرفة بعدما انطفأ القمر والنّجوم الّتي كانت بلا عد ّ، تزيّنه - و ...إنّا زيّنّا السّماء الدّنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشّياطين- هكذا قال بصوت خافت يكاد لا يسمع. ولم أقدر على التّمييز إن كان الصّوت صادرا عن انسيّ أم عن آلة تسجيل، إذ ظلّ يتردّد متعدّدا بأنغام مختلفة، وكان جسمه يلتصق بي مرة أخرى من خلف. وشيء صلب كالحديد يولج فيّ باحثا عن ثقوبي المتعدّدة. تارة يضرب في الجيب الأمامي، وطورا يخبط في المؤخرة ومرات يدخل الفم بلا استئذان. وأنا أصرخ من الوجع واللذة. وهو لا يفتر ولا يهدأ. وساورتني الشّكوك. فهل هو واحد فقط أم مجموعة في واحد استباحتني على سرير واسع كما ساحة ملعب رياضيّ. سرير لم أقدر على تحديد مســاحته في الظّلام، فكلّما هربت إلى جهة من جهاته وجدت من يترصّد جسدي فيها ليسبقني إليه ويولج فيه بدون شفقة. وأنا أصرخ تحت قطعة قماش غطّى بها عينيّ وفمي، فيخرج صوتــي مكتــوما أجشّ كمــا صراخ خارج من قبر منسيّ في جبّانة هجرتها رحمة السّماء. وامتلأت الغرفة الكبيرة بالعرق والروائح الزّنخة الممزوجة بعطر"عون الإثـــــارة ". وغرقت في سوائل لزجة كريـــهة انداحت على كامل بدني وغطّتني من الرأس إلى أخمص القدمين....
ثم هدأت الحركة فوق السّرير رويدا رويدا، فعادت الغرفة إلى صمتها. وعدت إلى جسدي أتحسّسه خائفة مرعوبة كمن كانت تجري وراءه عصابة من الشّياطين الكافرة. والموسيقى الّتي كانت تصمّ الآذان ساعة الحشر، عادت إلى الخفوت حدّ الذّوبان في الصمت.
كانت موسيقى هادئة تعانق الروح الذّبيحة بسكاكين كلّ جزّاري العالم.
ويا عنقي من يستر عورتك فوق هذا السّرير...


الموقف الثّاني،

المخاطبة الثّانية :

أوقفني أمام الشّهادة وقال :
الشّهادة، شهادات
شهادة ولادة
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله
شهادة في حسن السّلوك والأخلاق الحميدة
شهادة الباكالوريا
شهادة طبّية
شهادة الإجازة في الّلغة والآداب
شهادة وفاة
شهادة أمام الملكين ناكر ونكير
شهادة الدكتوراه
شهادة في إصدار صكّ بدون رصيد
شهادة لدى عدول الإثبات
ألخ.... ألخ...
فقلت : أشهد ألاّ أنت صانعا للنّجوم الزّاهرة
في ليالي بيروت والقاهرة
ومفرّجا لكروب المهموم
وعذابات المحكوم
وأنك سيدي ومولاي


بك أستجير
وإليك أنيب.
وسكت...
فسكتّ...


2

عندما حدّثته عن مشاريعي في البحث في فنون الغناء و الطّرب وليالي الّلهو عند قدامى العرب، كنت فخـــورة بنفســــــي، مزهوّة كطاووس من طواويس ملوك بلاد فارس القديمة. فالموضوع طريف والدكتور المشرف على بحثي دعاني أكثر من مرة إلى زيارة أساتذة الفن والغناء ومطربي اللهو والهناء لعلّني أغنم من مكتباتهم الخاصّة ما لا أجده في المكتبات العامّة.وشجّعني أكثر على زيارة صنّاجة العرب فهو حسب ما ادّعى أستاذي ،عالم عليم لا يشق له غبار وفنان فهيم بالطّرب محدثه وطريفه وبالغناء شيّقه وظريفه. فشمّرت على السّاعد والزّند وعريّت الجيد والنهد ولبست أحسن ما أملك من ثياب تبرز القدّ، وتعطّرت وقلت هي زيارة قد يكون لها ما بعدها فلا تسرفي يا امرأة في الكلام وكوني تمام التّمام. و كان رأسي يناطح السّحاب ويحتكّ بزرقة السّماء الدّنيا وأنا أدقّ على جرس بابه بأدب المتأدّبين وحكمة الطمّاعين في كرم علماء الدّنيا والدّين. وجاءت خادم تفتح لي الباب وتطلب مني الجواب. فأخبرتها بأنّني على موعد مع صاحب العمارة وأعطيتها الأمارة فغـابت دقائق معدودات ثم عــادت هاشّة باشّة فأفسحت لي في الطّريق وأخرجتني من الضّيق وهي تقدوني إلى صالون فخم وتطلب منّي الانتظار حتى يحضر صاحب الدّار.
ولم تطل بي الإقامة حتى جاء صاحب السّعادة ومولى الرّيادة تسبقه عطوره الزّكية يدندن بأغنيّة بهيّة. وفتح لي ذراعيه مسلّما كأنّه يعرفني من عهد عليّة وزرياب وابن عائشة وحباب. فرددت على سلامه وأثنيت على كلامه وعرضت عليه فخورة شهادتي: إجازة في الّلغة والآداب العربيـّــة، أبليت من أجلها كثيرا من السراويـــــل وعــانيت للحصول عليها من الثبــور والويل. وزدت، فمددت له مشــروع بحث عــال في عنـاء العرب جعلت منه السبب لوصولي لداره والاستضاءة بنوره وناره. وأطنبت في الحديث عن ابن زيدون وولّادة وعن أبي نواس وإلحاده.
لكنّني رأيت الرّجل ينظر في الورقة بقرف. ويقول وراء حديثي أفّ وأفّ. صنّاجة العرب وملهم الغناء والطّرب تأمّل شهادتي مدّة من وراء زجاج نظّارتيه، ثم وضعها على الطّـاولة وهو يهمهم باحتقار :
- أما هذي بّليها واشربي ماها. هذي ما عادتش تنفع في شيء...
ثم أضاف، وغليونه يتحرّك بنزق تحت شاربيه الكثّين:
- ورّيني صدرك يا زينة الملاح. عرّي بزازلك والفخذ والفارة ودوّري قعرك. وورّيني خصرك...
وهزّي يا نواعم شعرك الحرير،
خّلي الشّعر الناعم مع الهوا يطير...
هذا اّللي حاجتي بيه. الباقي ما ايهمنيش وماعندي ما نعمل بيه
وزاد فقال :
كانك ناوية تولّي فنّانة مشهورة، الشهايد ما تفيدكش في شي...
يا ربّ محمّد... يا ربّ السّماء السّابعة... يا ربّ الإنس والجان... يا ربّ الأرباب... ماذا يفيد إذن في هذا العالم الّذي صار لا يقدّر الشّهائد العليا ولا يلتفت إليها؟ أنا ما جئت هنا من أجل الغناء والرّقص بل قصدت هذا العالم من أجل البحث في خزائن كتبه والنّهل من عيون أدبه ، فازدرى الشهادة وسفّه شقاء العمر بصلف وبلادة. وأنا أهمّ بالرّد على حديثه وبعرض مشروعي في البحث العلمي على طاولته، جاءني صوته من جديد كنباح كلب مسعور:
- برشة فنّانات هبّطتهم مالجبل. لا يقرو ولا يكتبو… باكالا يا ستّ السّتّات... وولّو سيّدات في مجتمع المخمل....
تعرفي واش معناها سيّدات مجتمع المخمل؟ هاهاهاهاهاها… حلوة سيّدات المخمل هذيّا. سيّدات في المجتمع الرّاقي الّلي ما يدخلو كان الّلي ايقول آني وآني… هاهاهاهاهاهاها… أنــا صانع النّجــوم الزّاهــرة يا زيــنة الملاح.
تعرفي النجوم الّلي في السّماء السّابعة؟ آني الّلي طلّعتهم الغادي... يا مولاتـي... وآنــي كيــــف نعجب بوحده وانحب انطلّعها للسّما،انحطها فــي صاروخ وانقلّو طير بللاّك يا سي الصّاروخ... فيطير سي الصّاروخ ويجنح، وما يوقــف كان في السّمــا السّــابعة... وكــيف انحب انسقــــطها، نسخطها بشهاب من مارج من نار. وتعرفي هاك الشّهب الّلي تتساقط من السّما في ليالي الصّيف، هذوكا امتاعي آنا، هذوكا المساخيط الّلي طيّحتهم من سمايا...
ويزيد في الضّحك والانبساط وهو ينظر ناحيتي باحتقار شديد. والقهوة التي عرضتها عليّ الخادم بردت وحطّ عليها الذّباب وريقي صار أمرّ من العلقم. وأصوات العود والغناء التي صاحبتني من مسكني الجامعي حتى باب هذه الدّار خرست. ومطربات الغناء العربيّ القديم الّلاتي أخرجتهنّ من بطون كتب التّراث متن داخل صدري وتعفّنت جثثهنّ ففاحت منّي روائح كريهة أحسستها تخرج من كل مسام بدني وتملأ القاعة بالوباء. وملحّني أشعار الطّرب في قصور خلفاء بني أميّة وبني العبّاس وأمراء الأندلس هجّوا تباعا من داخل جمجمتي وهم يدقّون على رأسي بآلات العود والرّباب حتّى كدت أجنّ، فصرت أتضاءل وانسحق. وتحوّلت إلى نملة عمياء تدبّ دبيب العييّ المتهالك تحت ثقل هذه الشهادة الجامعيّة والبحوث المصاحبة لها الّتي ما عادت تصلح إلا لمسح سوأتي ثم رميها في الزّبالة …
ويسقط ثقل الشّهادة على بدني، فيدكّني دكّا ويسحق في طريقه النّملة الّتي جاءت تتسوّل الشّهرة وتظنّ أن بيدها مفاتيح السّماء وهي تحمل على عاتقها ورقة ممهورة بخاتم الوزارة العــــالية. ومن وراء ذهولي وحيرتي وانسحاقي، رأيت الرّجل الكبير يعـــــــــود إلى الضّحك بصخب وهو يخبط برجلـــيه على الزربيّة الكبيرة التي كانت تغطّي أرضيّة الغرفة الباذخة في جمالها وثرائها ويزيد، فيعود إلى الضّحك كلّما انتهت موجة من موجاته بتردّدات مختلفة عــالية وهابطة وبطيئة ومسرعة. وأنا أحسّ بقرف ما بعده قرف وأنظر إلى رجليه الشّبيهتين برجلي قرد عجوز، إلى أن قال:
- هذي جاتني هديّة من بلاد فارس عن طريق باريس. إكراميّة من واحدة من الّلي حدّثتك عليهم وحدة كانت تمسح في شعرها المقمّل بزيت السّانقو، وتسكن في زريــبة مع الحيوانـــات المنزليّة، وما تـعرف من الّلبسة كـــان الرّوبافيكا، ومن الماكلة كان الكسكسي باللّفت والسّنارية والماكارونة المطبوخة في الماء. وما تذوق الّلحم كان مالعيد للعيد....
وتوّه، يا حلوتي، ما تلبس كان السّينيي من طرف أرباب الماركات العالمية، و ما تاكل كان بالشّوكة والسّكين في أوتيلات الخمسة نجوم. وما تشرب كان في الكريسطال. وتتدلّل ، ما تمشي كان مع أصحاب المارسيدس فنتوم . ويا بمبك يا بمبك...
ويعود إلى الضّحك بصخب وإلى الحديث عن مـــآثره في عالم الفن وعن غرائب وعجـــائب ما كنت أصدّق أنّها حدثت لولا أنّه كان يروي قصصها بثقة في النّفس واعتداد يحسد عليه.
- سمعت من مدير دار الثّقافة الّتي كانت هذه البنت تغنّي في كورالها، في قرية نائية، منزوية عند سفح جبل، وعرفت أن لها صوتا عذبا شببها بهسيس النّسمة فوق الزّهور وبترانيم الأطيــار في صباحات الصّيف الباكرة. و أكّد لي المدير خلال مسامرة شراب وعربدة أحيتها على شرفنا مغنّية عجوز بمناسبة صدور ألبومها الجديد الّذي لحّنت أغانيه ، أنّها طينة خام. جمالها وحشيّ خارج من الغابة البكر ونفسها أحلى من المسك. كأنها حــوريّة من حـــوريات الجنة. فقررت أن أراها لأستمع لصوتها وأستمتع بمغناها. فاتّفقت مع مدير دار الثّقافة على السّفر لبلادها والدّخول في شعاب الغابة ووهادها، علّنا نظفر بهذه الرّيم ونسعد بهذا النّعيم.
وكان ما كـــان. زرنا القرية فتعرّفت على هذه الفتاة التي سيكون لها شأن
مذكور على مرّ الأيام والدّهور. والغريب في الأمر أنّها كانت خجولة في تلك الأيّام وهي تقف أمامي في ثوبها القطني الخفيف منتعلة حذاء من البلاستيك أشهب كاد لونه يغيب تحت غبار الطّريق. فعرفت أنّني سأصنع بها العجب في عالم الغناء والطرب وأنها ستكون أحلى من أسمهــــان وأغنج من صبوحات الجنـان. ودعوتها للالتحاق بنا لعاصمة البـلاد، تونس المحروسة، فوافقت دون الرّجوع لرأي وليّ أمرها. فزدت اقتناعا بأنّها الّلقطة الّتي ظللت أبحث عنها طول العمر في عالم الجن والبشر. ولهذا حديث يطول يا بنت النـــاس علّمنيه الوسواس الخنّاس ،الذي يوسوس في صدور الجّنة والنّـــاس.
وزاد وهو يطوّح برأسه ذات اليمين وذات الشّمال كما الأعمى الذي فقد بصره وبصيرته:
- هي امرأة قادمة من زمن آخر، من زمن ضارب في القدم . ذاك الزّمن الّذي عاشه البشر في مغاور، وعلى الأشجار. تثيرك من أول نظرة بعينيها عيون المها، وبقدها الميّاس، يا قدّها المياس يا عمري...
وسألني فجأة وهو يلفّ جسدي بنظرة خاطفة إن كنت أعرف صاحب هذه الأغنية؟
فقلت له : لا
فقال : هي للعندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ. غناّها جماعة قبله، ولكنّني مغرم بها بصوته السّاحر.
وبدأ ينشد مغمض العينين :
قدّك الميّاس يا عمري...
يا غصين البان كاليسر...
أنت أحلى النّاس في نظري...
جلّ من سوّاك يا قمري...
وطلب منّي أن أغنّي معه ديو، قال، حتى أجرّب نبرات صوتك وحلاوته وطلاوته، وإن كان سيطرب السّلاطين وأرباب الملايين أم لا ، فنجاح الفنّان في الإطراب يا ستّ الملاح.
ثم زاد : نجاح الفنّان يا ستّي حين يجعل الأمير كما في الحكاية القديمة الّتي جاءتنا من شيخ شيوخ المؤرّخين للغناء في بلاد العرب، ومن جاورهم من الأمم السابقة واللّاحقة المفتونة باللهو والطّرب، العلّامة الفهيم سيّدي ومولاي أبا الفرج الأصفهاني نفعنا الله ببركته حين قال :
زعموا أن أميرا عربيّا كان يصيح حين يقتله الطّرب
- أطير يا مولاتي
فتردّ عليه المغنّية :
- ولمن تترك الملك؟
فيقول:
- إليك ، إليك...
ويشقّ جيبه نصفين ويرتمي في بركة من الرّخــــام المزجّج المكسوّ بالدّهب الخالص، مملوءة بالخمر المعتّق، تفرغ بالنّهار ويعاد ملؤها في العشيّ، في كل مرّة على هوى الأمير: ويسكي وجوني ووكر وسيدي رايس وبوخا و خمور بيضاء وحمراء وخمريّة. والرّجل يكرع مباشرة من قلب البركة ولا يخرج منها إلّا بعدما يقارب على ولوج أبواب الموت.
ويموت صاحب الغليـــون المرتعش تحت الشّــاربين ضحكا، وأنا أحتج صائحة، بأن الويسكي وسيدي رايس وما شابههما من خمور زمننا هذا، وبأن العرب العاربة لم تعرفها ولم تتذوّق طعمها، فيقول:
- وكيف تريدين لحكايتنا أن تكون عصريّة إذا اكتفينا بذكر المدام والرّاح والقهوة والرّحيق والسّلاف والشّمول والصّهباء وغيرها من أسمـاء الخمرة كما عرفها الآباء والجدود ،ثم استدرك ذهبنا بعيدا ونسينا صاحبتنا الفنّانة الّتي أخرجتها من مغاور الجبل وأسكننا في أفخر الفلل، فباعتني بفلس ونسيـــت البارحة والأمس. أمّا أنا ، رانـــي مانسيتهاش. نــارها في قلبي شعّــــاله وراني مانيش باش نرتاح كان كيف نعرف كيفاش نداويها.
ونظر ناحيتي مسكونا بالرّيبة والتّوجّس دون أن يسألني عن حاجتي الأصلّية التي قادتني إليه في هذه العشيّة ، ونبح بصوت مبحوح:
- إنت زادة اتحبّي اتولّي فنّانة كبيرة واتطيري في السّماء. اتحبّي اتولّي نجمة من نجوم السّماء السّابعة اّللي حدّثتك عليهم؟ ادفعي الثّمن بالحاضر يا للّا. لكريدي لا. حلفت عليه. وماعدش نحصل كالضّبع. عمّي الضّبع مد ايدك انحنّيلك. تعرفيه المثل هذاكا. أوخيّك اتعلّم منّو وماعادش يمد إيدو للحنّة كان بعدما يقبض الثمن.
رأيت في عينيه غيمة حزن مليئة بالمطر فيها دموع جافة حدّ اليباس.
و رأيت داخل الغيمة بروق تنذر بانفجــــار مطر مدمّرة ،لا تبقي ولا تذر لوّاحة للبشر، عليها تسعة عشر ... فوقفت وأنا أعتذر:
- تو انجيك مرّة أخرى، اليوم حالتك ما تعجبش.
ومددت يدي أريد لملمة أوراقي وأسئلتي الّتي كنت أنوي طرحها عليه في شأن بحثي العلميّ حول الحقبة الزّمنية الّتي عاشها أبو الفرج الأصفهاني وعن كيفيّة جمعه لكلّ تلك الأغاني في كتابه الشهير. وعن صحّة الخبر الذي يقول إن ملكا من ملوك العرب كان يحمل هذا الكتاب المخطوط بأجزائه الكثيرة عند سفره على قافلة من الجمال. وأسئلة واستفسارات كثيرة أخرى في هذا الباب. ولكنني لم أجرأ على ذلك لمّا رأيته على تلك الحالة ، فالتقطت حقيبة يدي أعيد إليها أدباشها الّتي أفرغها على الطاولة حال وصولي إلى بيته : مرآتي الصّغيــرة الّتي كنت بين حين وآخر أنظر فيها وإصبع أحمر شفاه وملقط شعر وطبلة حبوب منع الحمل.
كان وهو يفرغ محتويات الحقيبة فوق طاولة صغيرة وسط الصّالون أوّل ما جلست عنده يتأوّه ويطلب المعذرة لأنّ من عاداته السيّئة كما قال، إنّه لا يطيـق أن يرى حقيبة يد نسويّة مغلقه. وإنّه يخــاف هذه الحقـائب خوفه من حضور ملك الموت إلى بيته بعدما حاولت فنّانة معروفة جدّا في الوسط الفنّي اغتياله ذات مرّة بواسطة سكّين كانت تدسّها في حقيبة يدها.
ثم أضاف وهو ينظر في طبلة حبوب منع الحمل :
- منذ متى وأنت تستعملين هذه الحبوب يا مليحة الملاح؟
فرددت عليه وأنا ابتسم بخبث:
- منذ اليوم. سأبدأ تجريبها الآن والسّاعة إذا طلبت هذا الأمر يا ملك ملوك الطّرب. جئت بها خصّيصا من أجلك. قلت لعلّ وعسى يتشهّاك السّيّد، فكوني يا بنت في الموعد... فانفجر مرة أخرى في ضحك ما كنت أظنّ أنّه قادر على الإتيان به. ضحك هستيريّ وخبط على الكفّين ورفس بالأرجل ، حتى سالت الدّموع من عينيه. فمسحها بمنديل حريريّ بنفسجيّ الّلون أخرجه من جيبه وهو يقول:
- بالحرام يا أنت كان قحبة بنت قحبة. قحبة كلاص . إنت اتجي فنّانة محترمه على خاطر ما تعرفيش تكذبي.
على كل برّة روحي اليوم وخلّيلي تلفونك تو نتّصل بيك عند الحاجة.
وقام متّجها نحو الباب وهو يسرع في خطوه، فتبعته أدقّ جليز القاعة بقبقابي الذّهب. ولم أدر إن كان مدّ لي يده للمصافحة أم لا. فقد سمعت وراء ظهري اصطفاق الباب، ورأيت فوانيس الشّارع تملأ ليل المدينة بالأنوار...


الموقف الثاّلث،

المخاطبة الثّالثة :

أوقفني أمام جهاز مغطّى بقماش من حرير
وقال: هذا هو التّلفزيزن.
هذا الجهاز الأصم يسمع دبيب النّمل
هذا الجهاز الأبكم يتكلّم أحسن من عيسى بن مريم
هذا الجهاز الميّت تسكنه أرواح العالمين
هذا الجهاز يحيي ويميت
هذا الجهاز يتكلّم بكل لغات العالم
هذا الجهاز خافض رافع
هذا الجهاز السّاحر يغني بكل نوتات الموسيقى
وبكل أصوات الفنّانين.
ومن دخله فهو آمن.
قلت : أعرف كلّ هذا، فهات الجديد
فقال : لكلّ نبيّ آية
لموسى عصاه الّتي أكلت أفاعي سحرة فرعون
ولعيسى يده الّتي أبرأت الأبرص والأكمه.
ولإبراهيم ناره الّتي كانت عليه بردا وسلاما
ولنوح الفلك
ولمحمد قرآنه الكريم
وهذا آية أنبياء القرن العشرين.
هذه آيتي.

هذه معجزة المعجزات.
فقلت : وأنا آمنت بك وبها وصدّقت بكما.
وسكت...
فسكتّ...


3

جفنه علّم الغزل * ومن العلم ما قــتل
فحرقنا نفوســنا * في جحيم من القبل

بشارة الخوري

ترقّبت ثلاثة أشهر إلى أن يئست من الالتقاء بصنّاجة العرب مرّة أخرى، فبدأت في البحث عن ممرّ جديد وشخص فريد يوصلني لبغيتي ومنى قلبي في اقتحام عالم الفن وتوابعه وزوابعه بعدما كدت أيأس من النّجاح في مسعاي في البحث العلمي في بلاد لا تعترف إلا بالشّطح والرّدح وبتدوير الحزام للنّساء وللرّجال أيضا، ولا ينجح فيها إلا من امتهن الفنّ والغناء وإطراب السّكارى والمهمّشين في حفلات تدفع فيها الآلاف المؤلّفة من الدّنانير في حين يتحوّل أصحاب الشّهادات العليا إلى ذباب مزابل وجرذان قمامة يقتاتون من دم أولياء أمورهم الّذين طمعوا وهم يدفعون بهم إلى الجامعات في أن يصيروا يوما ما سندا لشيخــوختهم وعكّــازا يتّكئون عليه عند الحاجة.لكن جاءتنــي منه البشــارة قبل أن أتأكّد نهائيا من الخســـارة. فقد كنت بين اليقظة والنوم عندما وصلتنــــي منه رسالة قصيــرة على هــاتفي المحمول تنادي وتقول بأفصح الّلغات وأعذب الكلمات :
- دنانير، ستصل تاكسي بعد قليل أمـــــام بيتك. لقد دفعت للسّائق معلوم نقلك ذهابا وإيابا. رجاء لا تتأخّري، ولا تتركي رجل السّيارة يطيل انتظاره.
ساعتها ، كان قمر منتصف الّليل قد توسّط السّماء، وكنت في فراشي على وشك النّوم. وهاهو رجل الخرافة الجديدة يدعوني للمثول بين يديه. ويرجوني في القدوم إليه. فما عساني أفعل؟ وهل أرفض أم أقبل ؟
ظللت بين الرّجاء والتّمني والرّفض والقبول إلى أن صرخ زمّور سيّارة أمــام باب العمــارة، فهزّ سكــون الحيّ وهزّ قلبــي ووحدتي. فقمت واقفة لأصلح من شأني وألبّي نداء من دعاني. وجدت السّيّارة في انتظاري أمام باب المبيت الجامعي ورأيت داخلها رجلا كالشّبح يغطّي عينيه في الّليل المدلهمّ بنظّارة سوداء ماركة روبرتو كافالّلي ويحتمي من البرد بمعطف ثقيل من صوف كشميري .حييت الرّجل فرد ّعلى التّحية بإيماءة من رأسه وقام يفتح لي الباب وأنا أعجب لأمره، فليست من عادات ســائقي سيّارات الأجرة أن يفتحوا الأبواب للزبائن. ولكنّني اكتفيت بالسّكوت وأنا أنزوي في المقعد الخلفيّ للسّيّارة الّتي مرّت بنا تشقّ شوارع المدينة الخالية إلا من قطط ترعى في القمامة وسكارى آخر الّليل وهم يغادرون الحانات وحدانا وزرافات وبعض الفتيات الواقفات على نواصي الأنهج وهنّ يشرن إلى راكبي السّيارات الخفيفة الفارهة ويعرضن عليهم أنفسهنّ بمقابل. والرّجل الغامض الجالس أمام المقود يحرّك إبرة الرّاديو ولا يصبر على محطّة إذاعيّة واحدة. كان قلقا كأنّ الريح تحته، أو كمن فقد اليقيــــن. وكنت على وشك الصّراخ أن عد بي إلى بيتي حين أوقف السّيارة أمام باب قصر منيف، فأسرع خادم ليفسح لنـــا في الطّريق. وسمعت نباح كلاب ضخمة. ورأيتها تقفز في أقفاصها المنتصبة قريبا من الباب الكبير. ثلاثة كلاب من نوع البيلدوغ سوداء مرقّطة بالأبيض كأنّها شياطين مردة بعيونها الحمراء التي تقدح شررا وبأصواتها العالية الخارجة من سراديب الجحيم.
تركني سائق التاّكسي واقفة أمام الباب الداّخلي للقصر وذهب في حال سبيــله. وكنت مضطربة وأصـوات الكلاب المزمجرة تهزّ المكـان وتزعج سكون أشجار الحديقة الكبيرة الهادئة في سباتها حين خرج لي من حيث لا أدري رجل قصير القامة ذو جسم ضئيل مدسوس في مئزر أحمر به أزرار مذهّبة وشرائط ملوّنة، كأنّه واحد من الأقزام السّبعة الّذين شاهدتهم في شريط الصّور المتحرّكة " سنو وايت والأقزام السّبعة ". وأردت أن أسأله عن سرّ المرآة السّحرية لأعرف منها إن كانت توجد في العالم امرأة أجمل منّي وعن الأميرة بياض الثلج وهل أفاقت من موتها المؤقّت وعن تفّاحة الأحلام الّتي أكلت منها الأميرة الصّغيرة دون أن تعرف أن العجوز ما هي سوى زوجة أبيها المتنكّرة ، وأسئلة أخرى كثيرة مازالت عالقة في ذهني مذ شاهدت ذلك الشّريط وأنا طفلة صغيرة. وازدحمت في رأسي الأسئلة لكن "هابي " القزم السّعيد لم يترك لي فرصة للسّؤال بعدما حياني وهدّأ من روعي بابتسامة زرعها على شفتيه وهو يقول:
- أعرف أنّك ترغبين بالفوز بالمرآة السّحرية...لقد خبّأتها لك في قفص الكلاب. إذا قدرت عليها ستكون من نصيبك وستعرفين من خلالها من هي أجمل امرأة في العالم. هيهيهي... هيهيهيهي...هيهيهيهي...
ثم أضاف وهو يواصل الضّحك :
- لا تخافي هذا النّباح ، فما هذه سوى روبوهات على شكل كلاب مبرمجة لتقفز وتنبح كلّما فتح الباب الخارجي للقصر. حاولي أن تحصلي على التّفاحة المسحورة، فإذا قضمت منها الكلاب قضمة واحدة، فإنّها ستموت وستحصلين على المرآة بسهولة.
وواصل الضّحك : هيهي ...هيهي...هيهيهي... بخفّة عجيبة وهو يطلب منّي أن أتبعه. ثمّ قادني في ممرّات ودهاليز مضاءة بنور خافت كالّذي كان يهتدي به السّراق أو يستنيــر بضوئه العيّـــاق في شــوارع مدينة النّحــاس الأسطوريّة التي جاء ذكرها في" قصص ألف ليلة وليلة " ، إلى أن وصلنا أمام باب مكتب مغلق بإحكام ، فنقر عليه بإصبعه وهو يهمهم بمرح ويقفز فرحا كما رأيته يفعل في الغابة مع إخوته الأقزام وهم يجمعون الحطب قبل العودة إلى كوخهم الصّغير حيث في انتظارهم " بياض الثلج " الجميلة .
- افتح يا سمسم أبوابك نحن الأقزام... قالها سبع مرات.
وظلّ واقفا حتى جاءنا صوت يطلب منّا الدّخول، فدفعني بيديه الصّغيرتين دفعا لطيفا وولّى الأدبار هاربا من الدّيار وهو يقفز بمرح أرنب بريّ في غابة السّعادة.
وفاجأني هروبه، فالتفتّ ورائي، فرأيت الرّجل القزم يسير على عجلتين صغيــرتين مدســوستين تحت المئزر الطّويل. عجلتان تئـزّان و تصرّان صريرا لطيفا على جلّيز الممرّ. فتذكّرت كلامه على كلاب الباب والتّفاحة المسحـــورة والمرآة التي ترى العالم. وامتلأ قلبي بالتّرقّب والتّوجّس. لكن صوتا مطمئنا ناداني من وراء طاولة تكدّست فــوقها عشرات الكتب والمجلّات والجرائد، فقصدت الصّوت القادم من وسط غمامة من الضّباب وأنا أخبط خبط عشواء إلى أن اعتادت عينايا النّظر في المكان، فعرفت صاحبي، صنّاجة العرب وفنّان الغنـــاء والطّرب الّذي كنت التقيته في داره يوم جئته أعرض عليه شهادتي العلميّة راجية منه أن يفسح لي في مجالسته وأن يرغّبني في مؤانسته. لكنّ صوته فقط ظـلّ على حاله بينما تغيّرت هيئته وشكله، إذ رأيت وراء الطّاولة رجلا آخر غابت عنه الأناقة وهو يلبس ثياب الفاقة. فزاد استغرابي واشتدّ خوفي وعذابي
وندمت على استماعي لصوت القلب وتركي لما قاله العقل عندما وصلتني الدّعوة فلبيتها دون تفكير ووافقت عليها دون تدبير.
وقام الرّجل يستقبلني بالودّ ويفرش في طريقي الورد، هاشّا باشّا كأنّني نزلت له من السّماء السّابعة. فأحسست بالاطمئنان وكفّ قلبي عن الوجيب والخفقان. وبدون مقدمات قال، وابتســامة رائعة تزيّن وجهه العريض :
- سأحتاجك يا ست دنانير، فلا تبخلي علينا بما كسبت من علم ومعرفة وأنت صاحبة الشّهادة السّنية المدموغة بخاتم الوزارة العليّة. فتعالي أستعين بك وتستعينين بي ونتبادل الأدوار. فلعلّ كلّ واحد منّا يجد في جراب الآخر ما يغنيه عن السّؤال، فتعم الفائدة الجميع.
ثم أضاف وهو يتابع وقع كلامه في صدري وعلى عقلي. ويردّ على احتجاجي بفمه وبيديه عن الاسم الذي أسندني إليه :
- ألم تطلبي منّي أن أسمّيك بما أشاء من الأسماء عندما التقينا في المرّة السّابقة، وقد اخترت لك هذه المرة اسم " دنانير " لصوتك الفصيح ولونك المليـــح، فلا تردّي عليّ اختياري وأسعديني بقبـــول قراري.
وزاد عندما رأى علامات الرضا ترتسم على وجهي:
-لقد تقادم العهد على ما اختاره العرب من أصوات مائة ما عادت تقنع الآن السّاحة الفنّية في بلاد العرب ولا أذواق المستمعين للفنّ الجميل. وقد رغبت في إكمال كتابي بأصوات جديدة في الغناء لم يعرفها ابن سريــج ولا الموصلي، ولم تغنّها حبـــابة ولا علوية. أريــد أن أضيف إلى " الكتاب " مائة صوت جديد ممّا أطرب العرب بعد هارون الرشيد والواثق والمعتز.
وزاد استغرابي وأنا أتابع حركات الرّجل وهو يفتح كتابا ويغلق آخر ويمدّ يده إلى مجلة أو جريدة يتصفّحها دقيقة ثم يرمي بها أرضا ليعود لكتاب جديد ومجلّة حديثة، فقلت له:
- أنا يا سيّدي تنقصني الدّراية بأرباب الغناء وربّاته من الزّمن السّابق إلى هذا الزمن اللّاحق. لقد جئتك لأستفيد من بحرك الطّامي حتى أكمل بحثي العلمي. وها أنت تريد تعليمي الإطراب وتحدّثني عن المغنّيات وأصحاب الأصحاب.
فقال دون أن يلتفت لحديثي:
- لا عليك يا مليحة. سنتعاون في الحالتين. أنت تكسبين العلم والغناء، وأنا أكسب الأجر والثناء، وخيركم خيركم من علّم وتعلّم. ومازال الخير في أمتي حتّى قيام السّاعة كما قال سيّد الجماعة.
وبدأ يسرد على مسامعي أسماء المطربيـن والمطربات، الأحياء منهم والأموات. وهو يطلب رأيي في كل واحد وواحدة كأنّني مثله بالفنّ عليمة ولعوالم الغناء فهيمة:
ما رأيك في أم كلثوم ؟ كوكب الشّرق الزّاهي بنوره على مرّ زمانه ودهوره، تلك الّتي قتلت المحبّين بصوتها الفتّان ،وأخرجت عن طريق الصّواب الإنس والجان. سأختار لها الصوّت الذّي تقول فيه:
هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماضٍ من الزّمان وآت
الهوى أنت كلّه والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدّل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
وديار كانت قديماً ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعالى أحبك الآن أكثر
ويحتضن عوده ويبدأ بالتّرنم بهذا الّلحن بصوت أعذب من بلابل الرّبيع وأرقّ من شحارير الوديان والينابيع. وأنا أدقّ على خشب الطّاولة بيديّ وأوقع الأنغام برجليّ.
وعبد الوهاب. آه... وآه... من عبد الوهاب. صوته لذيذ أحلى من شرب النّبيذ ، وترديــداته وتنهّداته تعيد للشّيخ شبابه و تشرّع للسّرور أبــوابـــه و تحرّك للهناء أسبابه.
واحتضن العود ومرّر على أوتاره أنامله فأنّت وحنّت حنين الوالدة وشـدا للمولود. فأجاد وأطرب:
يا ضفاف النّيــــل بالله ويا خضر الرّوابى
هل رأيتنّ على النّهر فتى غضّ الإهــاب
أسمر الجبهة كالخمرة فى النّور المــذاب
سابحا في زورق من صنع أحلام الشّباب.
إن يكن مرّ وحيّا من بعيـــد أو قـــــريب
فصفيه وأعيدي وصــــفه فهــو حبيبى

******
يــــــاحبـــيبى هــــــــذه ليــــــــلة حبّي
آه لو شـــــــاركتنى أفــــــــــــراح قلبي...
والتفت صوبي وقال :
- تعرفين. لن أؤرّخ هذه المرّة للشّعراء كما فعلت في الكتاب القديم، بل سأذكّر بالمغنّين والمطربين. سأحدّث عن أحوالهم وأذكّر أفعالهم. فهم فرسان هذا الزّمن الّذيــــن استقامت لهم الدّنيا بمالها وجمالها فاحتضنتهم الدّور الفــاخرة والأنزال العــامرة، وهلّل لهم الصّغير والكبير والدّاب على الحصير. وقال كلاما كثيرا وأنا بين اليقظة والمنام. تارة أصحو فأجاريه في الغناء وطورا أغفو فلا أفيق إلا وهو يهمزني بريشة العود في فخذي...
وهو يغنّي لفناّني عصره ومن سبقهم: عبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة الصّغيرة وأسمهان و وردة الجزائريّة وحبيبة مسيكة وعبد الهادي بالخيّاط و ماجدة الرّومي وسميرة بن سعيد و عليّة التونسية ونبيل شعيل وعمرو دياب ومحمد عبدو وكاظم السّاهر وصابر الرّباعي وغيرهم ممّن لا أعرف له ذكرا ولم يخطر على بال إلى أن قال:
- سنبدأ بهؤلاء. نختار من بعض أغانيهم التي أطربت السّماع وأهاجت الأطماع ونخبّر عن سيرهم الزّكية ومناقبهم العليّة ثم نعود للبحث عمّا جادت به قرائح الشّعراء وأنامل الملحّنين من أنغام خالدة على كرّ الدهور ومرّ الأزمنة والمواقيت. وأخرج من تحت الطّـــاولة أجهزة تسجيـل حديثة راح يفرغ فيها ما وثّقه من أغــــان وهو يتمايل في طرب وينفخ صدره في عجب. وأنا أتابع حركاته وسكناته وكأنني في عالم مسحور.
وظللنا على هذه الحال مدّة لا يعرف مقدارها إلا العليّ القدير. فقد كنّا في مكان لا قدرة لي فيه على تقدير السّاعة، إلا أنّه كان في كلّ مرّة يأمر لي وله بما لذّ وطاب من المأكل والشراب، ويرشدني إلى الكنيف إذا رغبت في قضاء الحاجة .لأعود فأجده في حالة من الوجد القصوى. يترنّم بالألحان وينادي ليحضر مجلسه الفنّانة والفنّان. فتجيئه الأغاني طائعة مطيعة، فيملأ بها استماراته ويرتّب بها خياراته. إلى أن صاح مزهوا :
- الآن استوى كتاب الأغاني الجديد في نسخة فريدة ستزيّن مجالس الطّرب والأنس وليالي الجواري الخنّس.
وقام ، فمشى ومشيت وراءه إلى أن أوقفني أمام جدار عجيب انفتح فيه باب تلقائيّا كحال تلك الأبواب التي تستقبل حضورك في المغازات الكبيرة والمطارات الشهيرة. واجتاز الباب، فتبعته وأنا كالنّائمة إلى أن دخلنا حديقة فسيـحة تزدهي بالأشجار والأزهـار والأنهار، فقطعناها حتى وصلنا فسطاطا عظيما في وسطه دكّة عالية فرشت بالزّرابي والطّنافس والأرائك يجلس عليها فريقان : على اليمين غلمان كأنهم الّلؤلؤ والمرجان، وعلى الشّمال جوار حسان قاصرات الطّرف كأنّهنّ الدّرر المتلألئة في السّماء، وهم يلعبون بمهارة بالأرغن الرّومي والدّفّ والطّبل والطّنبور والعود والنّاي والبربط والرّباب. فترتفع من بين أصابعهم موسيقى عذبة تسعد القلب وتأسر الألباب، فقلت مشدوهة:
- يا الله... لهذه الألحان حلاوة وطلاوة السمفونيّات العصرية والأغاني الروميّة.
فردّ عليّ الرجل وهو يضحك:
- نحن لا نعرف هذه التوصيفات لموسيقانا. نحن نتعامل مع هذه الآلات كما نتعامل مع القلوب، فتطيعنا طاعة الحبيب للحبيب.
وقادني من يدي فأجلسني في صدر المجلس وهو يقول:
- جئتكم الليلة بدنانير المغنّية.
وصفّق فخرجت من وراء ستار من الحرير سبع جوار حسان كأنّهنّ الّلؤلؤ والمرجان، عليهنّ ثياب من الحرير مختلف الأشكال والألوان، تفوح منه عطـور البساتين والجنان فيأسرن الألباب بحسهنّ والويل لمن شغف بجمالهنّ، فبدأن بالرّقص والتّمايل مصحوبات بالدق على الطّنبور والتّصفيق والتّصفير المنغّم الفتّان. وأنا في حيرة من أمري. أدير الرّأس ذات اليمين وذات الشّمال وأميس ميس الرّيم أمام هذا السّحر الحلال.إلى قال لي الرّجل غنّنا يا دنانير لحن ابن محرز في شعر نصيب:
أهاج هواك المنزل المتقادم؟
نعم ، وبه ممّن شجاك معالم.
فاحترت في أمري ولم أدر بماذا أجيب وأنا أحاول أن أذكّره بأنّني طالبة العلم ولست الفنّانة دنانير التي يتقصّدها. فنظر في عينيّ وربّت على يديّ وأمال رأسه ذات اليمين وذات الشّمال وقال:
- هذا نور سيقذفه الله في قلبك، فلا تخافي ولا تجزعي، واتّكلي على الله وقولي باسم الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
ولم أدر كيف انساب الّلحن من حلقي، نغم كالماء السّلسبيل يروي العطشان العليل. وكنت كلّما جوّدت في الغناء زاد الطّرب وتسارع رقص الجواري وهنّ يتمايلن ويتطوّحن حولي كما أغصان البـــان تحت نسائم الربيع الفتّان حتى وقعن على الأرض من الإعياء والتعب. وأنا أعيد الغناء وأجيد ولا أكلّ ولا أملّ. والرّجل يصفّق بيديه ويضرب الأرض برجليه ويقول:
- دنانير ، سأصنع منك نجمة نجوم السّماء والفتنة والبهاء.
و يأمر لي بشــــراب له طعم العسل، كلّما رشفت منه رشفة سرى في بدني شيء كدبيــب النّمل. فيزداد تنغيمي للغنوة وتطريبي للجمهور...
وفجأة صفّق الرّجل بطريقة خاصّة، فقام الحضور والتفّوا بي التفاف الأغصـان بالــورود وأنا بينهم فرقد فريـد، وصاروا يدورون حولي دوران الخذروف وأنا أدور معهم وأطوف حتى أغمي عليّ، فسقطت أرضا وتساقطوا فوقي وهم يضجّون بالفرح والمسرّة.
حين أفقت وجدتني في بيتي وناقوس هاتفي الجوّال يقرع قرعا عنيفا، فمددت يدي لأسكته لما اعتراني من دوار وأنا أفتح عينيّ. لكن الهاتف عاد يناديني . فيصمت لحظة ثم يعود للنداء .
حين استجبت له، سمعت صوت الأستاذ، صنّاجة العرب يصيح :
- أين كنت يا امرأة ؟ ظللنا نبحث عنك طيلة ثلاثة أيّام ولا نجد لك أثرا حتّى كدت أعلم الشّرطة بغيابك؟
لم استوعب حديث الرّجل، ولم أقدّر مقصده وأنا بين اليقظة والنّوم فطلبت منه أن يطلبني بعد ساعة، وأغلقت الهاتف والسّماعة. وعدت للنّوم. فقد كان رأسي أثقل من جبل وهو يحطّ بكلكله على جسـدي المتعب حـدّ الموت.


الموقف الرّابع ،

المخاطبة الرّابعة:

أوقفني أمام بوغاز البحر وقال:
هناك كانت قرطبة و أندلس
ودربوكة
وعود
وطار
هناك كانت حسان
وأعناق كالجمان
هناك كانت أغان وسمار
هناك كانت جوار كالأقمار
هناك كنّا وكانوا
عاشوا
وسادوا
وبادوا
وظلّ موشّحهم يملأ الأسماع
يشترى ويباع
بالدّرهم والدّينار
والأورو والدّولار
فقلت : ونعم
فقال : سنعيد الكرّة
مرّة وراء مرّة

ستكونين فرس رهاني
ولسان بياني
فقلت: عليك الاتكال
لتحقيق الآمال
وقام فقمت
فتدلّى
حتى كان قاب قوسين
أو أدنى...
وسكت
فسكتّ


4

إذا كان ذنبي أن حبّك ســيدي * فكلّ ليالي العاشقين ذنوب
أتوب إلى ربّي وأنّي لمــــــرّة * يسامحني ربّي إليك أتوب
ابن سناء الملك

يومها لم أدر إن كان الهاتف قد عاد للرّنين أم لا، لأنّني لم أفق من النّوم إلا بعد منتصف النّهار.ظللت نائمة ولم أستيقظ من ذاك السّبات الطّويل إلا عندما حرّك الرّجل الصّغير، أخو أقزام الغابة، ضوء الشّمس السّاطع المنعكس على المرآة السّحرية وحوّله إلى وجهي، فرمشت جفوني جرّاء الّلمعان الّذي أحرقني في بؤبؤي عينيّ حرقا لطيفا حتّى تأكّد من أنّني أفقت، فابتسم في وجهي وقال لي سلاما، ثم رفرف قرب سقف البيت بجناحين من نور، وطار من خلال فتحة صغيرة في الشّبّــــاك. فقمت لأرد عليه السّــلام وأنــــا أمنّي النّفس باستفساره عن سرّ العجلتيـــن المركّبتين تحت سرواله وإن كانتا من لحم ودم أم هما من كاووتشكوك كعجلات الموتوسيكل مثلا، وعن تلك المرآة السّحرية الّتي ظللت أحلم بامتلاكها حتى أحكم بها العالم وأسيره على هواي، وكيف لي بالحصول على التّفاحة الّتي تقتل دون أن تميت من يأكلها ليظلّ بين الحيــــاة والمـوت في انتظار قبلة حبيب تعيده إلى الحياة. ولكنّ الرّجل الصّغير اختفى في لمح البصر وذاب كما تذوب السّحب في سماء الصّيف الحارّة، فتثاءبت وتمطّيت ونظرت إلى وجهي في مرآة صغيرة مثبتة أمامـــي على الجدار، فسمعت المرآة تهتف وتقول:
تبارك الّذي صوّر فأحسن التّصوير، عينا غزالة برّيّة من فصيلة مها جزيرة العرب وسط وجه أسمر في لون قمح افريقيّة يموج فوقه شعر أسود كريش الغربان، وصدر عامر بتفّاحتين سبحان الرّحيم الرّحمان،وفخذان بالّلحم الشّهي يضجّـــان، وقلب عامر بالحياة والشّهوة والحنــان. فماذا تركت لبقيّة النّساء يا بنت الحرام؟
وسكت الصّوت القادم من جهة الحـــائط حيث المرآة الصّغيـــرة تتكّلم كلّ صباح ، بلسان مبين وبأفصح بيان، تحيّـة يوميّـة تـردّدها على مسمعي عن صوت المنبّه المزعج الّذي رميت به في الزّبالة مذ أن اكتشفت أن مرآتي لا تبخل على سيدتها بما لذّ وطاب من عسل الكلام، فضحكت لها ورددت على سلامها بأحسن منه وقمت أبحث تحت السّرير عن حذاء أمتطيه لأذهب إلى حمّامي الصّباحي. ولكن، واعجباه... وجدت تحت السّريـر قبقابا بديعا مـا كـان في يوم من الأيّام على ملك يميــني. قبقاب من خشب الآبنوس وجلد النّعام المطرّز بخيوط من الذّهب والفضّة ومرصّع بأحجار كريمة تخطف الألباب: مرجان وزمرد وياقوت وألماس. ورأيت في صدارة هذه الجواهر لؤلؤة في حجم بيضة الحمام تخطف البصر وتعشي النظر بهرني جمالها ولمعانها الشّديد ، فبقيت أتأمّل حسنها وبديع صنعتها حيــنا من الوقت حتّــى كـدت أصــاب بالعمـى وأنـا أتســاءل كيف هذه التّحفة إلى تحت سريري، ومن أوصلها إلى بيت نومي بعيدا عن تدبيري؟ وقادني تفكيري إلى ذاك القزم الجميل الذي أيقظني من نومي في الصّباح وهرب من الشّباك قبل أن يردّ على استفساراتي. ولكنّني شككت في الأمر فليس في مقدور قزم في حجم الخنصر أن يحمل قبقابا ثقيلا يزن عدة أرطال. وكبر في رأسي السّؤال فتركته إلى حين تحت إلحاح الحــاجة الصبّاحيّة، وذهبت إلى الحمّام حـافية القدمين، أقفز كالعصفور وأنشد في حبور. فسكبت على بدني الماء ودعوت رب السّماء أن يصبح هذا الحلم حقيقة بين ثانية ودقيقة. وما أسهل أن تتحقّق مثل هذه الأمانـي في زمن تتحكّم فيـه بالرّقاب سيّدات الأغــاني. وأمضيت وقتـا في الحمّام والقلب منّي راجف والعقل مني راجف، ثم عدت لأرتّب سريري، فوجدت على الملاءة قرب الوسادة، ذات اليمين وذات الشمال، قرطين من اللؤلؤ يخلبان بجمالهما الأبصار. وشاهدت أيضا على السّرير، وأنا أكاد أسقط من طولي ، تفّاحة عجيبة ذات ألوان غريبة تبرق بريقا أخّاذا ويسطع نورها في ظلام الغرفة حتى يكاد يعشي الأبصار. . فبقيت يدي التي همّت بالتّفــّـاحة معلّقة في الهواء. وهزّت دقّــــات قلبي صدري حتى كاد ينفجر.
وأصابتني بهتة ما بعدها بهتة، فجلست على حافّة السّرير غير مصدّقة بصري وما يــرى إلى أن تداركت أمــري، فالتقطت القرطين وفحصتهما ودقّقت فيهما النّظر ثم وضعتهما مع التّـــفاحة والقبقاب في صندوق صغير أحكمت إغلاقه. وذهبت إلـــــى المطبخ أحضر لنفســـي قهوة سوداء. قلت ، لعلّها تعيد لي توازني وترفع عن رأسي هذا الطّنيـــن الذي كاد يهلكني. وجلست على الأرض أترشـّـف من فنجان القهوة على مهل وأنـــا أسترجع مـــا وقع لي منــذ أن استعدت وعيــي هذا الصبــاح وخرجت من سلطــان النّوم إلى عالم الشّهادة، فعادت بي الذّكرى إلى هاتف صنّاجة العرب وسلطان الطّرب الّذي كان يسألني عن غيبتي، وأنا بين اليقظة والنّوم، وكيف أنّهم كادوا يضعون إعلانا في الجرائد للبحث عنّي واقتفاء أثري بعدما يئسوا من العثور على شخصي في كلّ الأمكنة الّتي اعتدت الذّهاب إليها، فزاد استغرابي وكبرت حيرتي وارتفع طنين النّحل داخل طبلة أدني حتى كاد رأسي ينفجــــر. ولم أجد لي من حلّ إلا العودة لفراشي لعلّي أفهم ما جرى لي اليوم من أحداث غريــبة لا يصدّقها العـــاقل ويعجب منها المجنون الغـــافل. فكيف لي أن أفهم استغراب وسخريّة رجل الموسيقى الّذي غادرت بيته بعلمه، هو الّـذي ودّعني حتّى الباب فلماذا إذن الاستغراب حين عدت فاتّصلت به على رقم هاتفه المسجّل على جهازي، فقال لي:
- كفى هذرا يا امرأة، أنا لم أرك منذ مدّة طويلة.لم أرك منذ أن غادرت بيتي مغضبة بعدما نعتك بالقحبة. وقلت لك أنت لا تعرفين الكذب لذلك سأجعل منك نجمة نجوم الطّرب في كلّ بلاد العرب.
ثم أضاف وهو يضحك ضحكته التي حفظتها عن ظهر قلب:
- على كلّ دعينا من هذه الحديث.لقد اتصلت بك لأدعوك للاستعداد للمشاركة في " كـاستينغ " برنامج " عـالم النجوم ". سنصوّر بعد شهر في الأستوديو بروفات لهواة الغناء من الشّباب والشّابات لاكتشاف نجوم جديدة في الغناء والطّرب فلا تضيعي هذه الفرصة وسأصنع منك بعدها العجب العجاب في فنون الغناء والإطراب.
ولأستريح وأريح عقلي قليلا، استلقيت على السّرير وشغّلت مسجّلا وضعت في قلبه شريطا لأغــــــاني فيروز.وتركت القلب يدقّ على هواه وأغمضت عينيّ وأرخيت لبدني العنان وحلمت بالجنان.فجـــــــــاءني الصوت حلوا ، لذيذا، ميلونكوليكيا ، يهزّني هزّا حدّ الرّعشة. فاسترخيت، وأنا في حالة وجد قصوى واستلفت بعقلي الباطن من صاحب " ألف ليلة وليلة " بساط الرّيح السّحري بعدما وعدته وعد صدق بأنّني سأغنّي في قصر شهريار الجديد حفلتي الغنائيّة الأولى، وبأنّني سأهدي أغاني الحفلة
لشهرزاد حبيبة الجماهير وملكة الملكات وحامية حمى النساء والبنات. فحطّ البساط بجانب سريري وهو يخفق ويرتعش. وأحسست وكأنّ يدين من حريــــر تضعان جسمي على البساط. وسمعت صوتا ينادي: سر بزينة الملاح على بركة الله أيها البساط المبارك، فطار بي وعلا في الجوّ مدفوعا بتيّارات الهواء الّلطيفة. وكان كلّما ازداد ارتفاعا خفّ بدني وشفّ حتّى صرت في وزن الرّيشة ، وملأ قلبي الانشراح والسّكينة. وسبحت في الفضاء وحدي وحيدة. فزرت ملكوت السّماء السّبع الطّباق. وقطفت من النّجوم سلالا ومن الأقمار تلالا.
ونسيت دنيا النّاسوت وما فيها من حياة وموت و...
يا شقيق الرّوح من جسدي
أهوى بي منك أم ألم.
*****
أيها الظّبي الذي شردا
تركتني مقلتاك سدى
زعموا أنّي أراك غدا
وأظن الموت دون غدي
أين منّي اليوم ما زعموا
*****
ادن شيئا أيها القمر
كاد يمحو نورك الخفر
أدلال منك أم حذر
يا نسيم الرّوح من بلدي
خبّر الأحباب كيف هم..
*****
و... هل طالت غفوتي وسكوني وخروجي من عالم تفّاحة نيوتن إلى عالم يفقد فيه الآدميّ ثقله فيتحوّل إلى ذرّات تأبى الرّكوع لقانون الجاذبيّة فتعود الرّوح والجسد لاعتناق فيزياء المعراج إلى السّماء كما حدثنا عنها ابن الفارض والنّفري وجلال الدّين الرّومي وفريد الدّين العطّار والحلّاج وشيخ الإشراق شهاب الدّين السّهروردي والشّيخ الأكبر محي الدّين بن عربي وبقيّة المتصوّفة الكبار؟
هل طال طيراني في ملكوت الرّب مع هذا الصّوت الخارج من مسام السّماء حتّى سمعت أصوات حفيف أجنحة جبرائيل تقترب منّي مرة وتبتعد عنّي مرة أخرى ؟
هل وصلت حتى السّماء السّابعة في معراجي هذا وسمعت ترانيم الملائكة تحت العرش تسبّح بحمد ربّها؟
هل غنّت فيروز للملائكة فأنصتوا لها مندهشين وكفّوا عن التّسبيح حتّى تنتهي من الغناء، ثم صفقوا لها ورفعوها على الأعناق؟
هل أصدّق رجل الموسيقى وهو يقول:
- طلبناك حتى كدنا نيأس من وجودك و ظننّا أنّك عدت إلى أصلك الطّيني وفارقتنا بدون عودة .
هل أسكت عما اكتشفت تحت السّرير وفوق الملاءة ؟
يا رب العرش العظيم
ونون وما يسطرون
وكن فيكون.
أما كنت عنده كل هذه الأيّام والّليالي؟
أليس هو من كان يسجّل أغاني فنّاني عصر النّهضة العربيّة في قصره ويدوّنها في دفاتر كبيرة ينشرها مرّة أمامي ويخفيها عنّي مرّات في خزائن يحكم إغلاقها بمهارة بمفاتيح كثيرة ؟
أليس هو من جعلني أغنّي ذاك الدّور الجميل لابن محرز في شعر نصيب حتى اهتاج كل من سمع غنائي فرفعوني على الأعناق؟
يا ربّ موسى ويسوع.
يا ربّ هارون و إسحاق ويعقوب.
يا ربّ إبراهيم ونوح وذو الكفل.
أكاد أجنّ فمن يعيد لعقلي صوابه؟
ثم ... غبت عن الوعي ...


الموقف الخامس،

المخاطبة الخامسة :





أوقفني أمام صورة
فلم أكتشف الاختلاف
ولم أعرف إن كانت لفتاة
أم لفتى؟
قصّة شعر قصيرة
وحاجب مزجّج
وخدّ أسيل
وجيد كجيد الرّيم
وعين حوراء
وصدر ناهد
ويد تتلاعب بالسّيف
كما يتلاعب به
فرسان عربان البوادي
وقال: أتعرفينها؟
فقلت: الصورة؟
قال : لا، بل ظلّها
وضحك حتّى دمعت عيناه
واستلقى على قفاه.
ورفس برجليه ويديه
وطال منه الضّحك والانشراح

وأنا في حيرة من أمري
لا أدري
أكان يضحك منّي
أم من نفسه؟
وسكت
فسكتّ


5

تطلع الّتنهيدة
من وسط قلبي تطلع الّتنهيدة
داري حذا دارو
وقلت بعيدة
آه ... يا داي

من أغنية للفنّانة اليهوديّة التّونسية:حبيبة مسيكة

كانت الحمّى تأكل من لحمي ولا تشبع طيلة أسبوع أو يزيد قليلا. وأنا أطلب الموت لأسعد بمفـــارقة ثقل البدن وكثرة المحن الّتي مرّت بي خلال عمري هذا، فما عدت قـــادرة على تحمّل الحياة في دنيا النّاس بعدما عشت تلك الرّحلة على بســاط الرّيـح ونعمت بما فيــها من لذائذ ومسرّات.
وكانت كلّما اشتدّت وطأة الحمّى على بدني اشتقت أكثر للموت وزهدت في الحياة حتى زارني ذو الرّداء الأحمر والّليل على وشك إطلالة جديدة . رفرف بجناحي النّحلة وسط الغرفة ثم حطّ بجــانبي على السّرير المكتظّ برائحة العرق والحمّى ومدّ يديه الصّغيرتين وحطّهما على جبيني وصار يمسح على وجهي بماء ذي رائحة طيّبة ما شممت لها مثيلا. هي خليط من روائح أزهار الغابة ورياحين الجبال والمسك والعـــود والعنبر والمانيوليا والنّعناع واللّافندر، ويقول سأشفيك بماء جلبته من أجلك من نهر الكوثر يا زيـــنة الملاح.هو دواء لن تمرضي بعده أبدا وسيمنع عن جسدك الحمّى والعــــادة الشّهرية والتّعرق وكـــلّ الأمراض الّتي يبتلي بها ربّ السّماء الجسد الفـــاني. وسيحميك من شرّ حاسد إذا حسد. وصار يعصر يــدا بيد، فيسيل منهما على وجهي قطرات من الماء تسري على كامل بدني بردا وسلاما. وأنا أتعافى بسرعة وكأنّني ما كنت قـــاب قوسين أو أدنى من موت محقّق إلى أن استويت جالسة على السّرير، فكفّ عن فرك يديه ببعضها، فكفّتا عن الهطول، وامتلأ فضاء الغرفة بالعطر والفرح. فعاد ذو الرّداء الأحمر للكلام من جديد وهنّأني بالسّلامة وهو في أسعد حالاته. ثم صفّق بيديه فحطّت بجــــــانبي مائدة فيها ما لذّ وطاب من الطّعـــام والشّراب، فأكــلت حتى شبعت وشربت حتى ارتويت وقمت أسعى في البيت وأطوف بين الغرف وكأنني بعثت للحياة من جديد. وعـــاد الرّجل الصّغيــر يحمد الله على سلامتـــي ويعدني بتكرار الزّيارة مرّة في الصّباح ومرّة في المساء حتـى يتأكّد من شفائي ويهنأ بإبلالي من المرض.
ووفى بوعده، فكان يزورني في الصّباح مع إطلالة الشّمس، فيمسّد بدني بماء الكوثر ويطعم بطني بما لذّ وطاب من أطعمة تنزل علينا من السّمـاء في مغلّفات مدمــوغة بشعـــار " مطاعم ماكدونالدز " . فكنت أخاف من أكل هذا الطّعام في أوّل الأمر إلا أنّه أكّد لي بما لا يدع مجالا للشكّ بأنّ الطّيور مذبوحة على الطّريقة الإسلامية وبأنّ كلّ ما في المغلّفات حلال في حلال في حلال.هكذا أمضيت ردحا من الزّمن في ضيافة الرّجل الصّغير
والطّفل الأمير الذي هجر قصر صنّاجة العرب وسيّد الغناء والطّرب ليعتني بشبابي ويعيد لي صوابي، فكان له ما أراد، وعدت كما كنت فرسا ترمح وغزالا تمرح. فسبحانه مغيّر الأحوال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان ذات ليلة ونحن على المائدة أن ذكّرني صاحب الرّداء الأحمر بموعد صنّاجة العرب وقال هو "ذا العشاء الأخير" يا صاحبة قبقاب الذهب فلا تنسي موعد شيخ العرب سيدنا ومولانا صنّاجة الغناء والطّرب. هو في الانتظار على أحرّ من جمر النّار. فهل تشرّفيننا بالحضور وتملئين قلوبنا بالسّرور؟
فرددت عليه رد كريم مقتدر: سأكون عندكم في الّلحظة والسّاعة، فطمئن الجماعة لأنّ من ينكر الجميل لا يصلح للّثم والتّقبيل. وأنا من اليوم طوع البنان لسيّد الغناء مولانا المقتدر بالله أمير أمراء الفنّ النبيل والطّرب الأصيل.
فلما سمع كلامي طار من الفرح وصار يقبّلني في كلّ جزء من بدني وأنا أضحك وأهرب منه وأتحـاشى ملاقاته حتى لا تصيبني لعناته إلى أن هدّني التّعب فألقى بنفسه فوق صدري وصــار يعضّني ويهزّني هزّا لطيفا خفيفا ويسري في جسدي سريان الكهرباء في سحب السّماء، إلى أن شممت رائحة مائه، ورأيت في عينيه غبطة ارتوائه، فطار من جديد إلى سمائه، وتركني أتخبط في حيرتي. فقد تحوّل هذا القزم الصّغير، وهو يجوس فوق جسدي، إلى مارد من مارج من نار. يفعل الأفاعيل فعل البشر فلا يبقي ولا يذر.
وهكذا أمضيت بقيّة نهاري أسعى بين جنّتي وناري إلى أن رنّ هاتفي الجوّال الّذي ظلّ صامتا مدّة مرضي، فأسرعت بالإجــابة على الرّنين وكلّي شوق وحنين ، فإذا هو صنّاجة العرب يسأل عن حالي ويدعوني من جديد لبيته، فلبيت نداءه كما وعدته وطرت إلى الدّار على أحرّ من النّار.
حينما رآني مشرقة الوجه زاد سروره وعلا صخبه و حبوره وهلّل وكبّر ورفع يديه إلى السّماء يشكر الرّب على نجاتي من الهلاك من خبائث الشّيطان ونزوات الملاك، وانبرى يقول كالمخبول:
شوفي، آنا اخترتك أنت بالذّات من بين عشرات البنات على خاطر شفت فيك صور فنّانات اليوم، فيك من كل وحدة شويّة، فيك من روبي ونانسي وإيليسا وهيفاء وهبي، كل وحدة خذيتي منها ما يميزّها علأخريات، الزّعبين المدسوس وراء عينيك شفتو كان آنا. وحلاوة صوتك آنا من ذاقو، وجسمك المخبّي تحت الكسوة توّه نعرف آنا كيفاش انعرّي منّو طرف نشوي بيه قلوب كل الّلي ايشوفوك في المسرح والا على التلفزيون. وهكّاكا اتولّي لهلوبة الغناء الجديدة موش في تونس بركة، بل في كلّ العالم عرب وعجم واتولّي كيف الفـنّانات الّلـي حكينا عليهم ،و اللّي هوما اليوم ، النّجوم الزاهرة في السّماء الباهرة ( ساعات انحب انشيخ على اللغة العربية وانحس الّلي فيها رونق يبلّغ المعنى أكثر من الدّارجة ).
قتلك ، فنّانات يدزّو في الفلوس بالرّكب وما يقدرش يوقف في وجه الوحدة منهم حتّى بـــوش والا شارون وما ادراك ما هو. وآنا انحبّك اتولّـي موش كيفهم بركة، انحبّك اتولّي خير منهم. مازال قدّامنا شهر على كــاستينغ برنـــامج عالم النجوم، تو نعطيــــك كل ما عندي حول الّلهلوبة حبيبة مسيكة ، ماني كلمتك عليه برشة مرّات. وقد ما نحكي عليها أكثر قد ما انزيد تحلى في قلبي. تو انوفّرلك الأغاني والأفلام وما كتب عنها في جرائد أيام زمـــان ومجلات اليوم، وانحبّك تنســى روحك، تنســى اسمك، تنسى ماضيك وحاضرك واتولّي أنت هي حبيبة مسيكة... راهي كانت في هاك الزّمان، كيف الفنّانات الّلي قتلك عليهم قبل شويّة. وآنا انحبّك تحييهالنا من الموت، ترجعيها لدنيا اليوم. وتو اتشوفي كيفاش اتّطيــري في
السّماء بلا جنحين وتنسي الشهايد والبلّوط وميزيرية الوظيفة العموميّة واتشاش الفزاغل...
وقام يترنّح كالمتخم بالمدام لا يعرف أين يضع قدميه، فأطفأ أضواء قاعة الجلوس وشغل " دي في دي " فامتلأت القاعة بالجمال والطّرب والصّخب.غناء تلك الأيّام وملابس العشرينات من القرن المــاضي. وامرأة فاتنة بقصّة شعر قصيرة دوّخت كلّ تونس بصغيرها وكبيرها، فجرى وراءها كبار رجالات المملكة، حتى البايات، طلبوا رضاها هي اليهودية الخارجة من حي فقير من أحياء العاصمة.
ياه... يهودية، قلت له.
فرد : واش ايهمّك في دين أمّها، يهوديّة والاّ مجوسيّة والاّ كافرة ،والاّ مارقة من ملّة الإسلام. ياخي آنت باش تاخذيها الخوك. انت بيش تغنّي غناياتها وتغنمي من شهرتها.
ومشى خفيفا هذه المرّة حتّى وقف وراء آلة بيانو عتيقة فنفض عنها الغبار ورفع الغطاء عن مفاتيحها، ثم بدأ يلامسها بلطف أوّلا حتّى استوت فحرّك أصابعه فوقها بجنون وغنّى :
تطلع التّنهيدة
من وسط قلبي تطلع التّنهيدة
آآآآآآه يا داي
تطلع التّنهيدة
داري حذا داروووووووووو
وقلت بعيييييييييييدة.
آآآآآآآآآ يا داي
اسمعتي واش اتقول هاللّي قلت عنها ايهوديّة؟ تتكلّم بالتّونسي كيفي كيفك وترقص بالتّونسي وتعشق بالتّونسي وتلبس بالتّونسي وتمكيج بالتّونسي وتقحب بالتّونسي وتجنن في العباد بالتّونسي. دينها ... دين أمها ...ايهمها هي وحدها. أحنا يا للاّ اليوم حاجتنا بيها تونسيّة ،تـونسيّة في غناها، تونسيّة في هبالها ، تونسيّة و بركة.
فهمتني توّة، فهمت واش قلت والّا انصبلك بالقمع.
قالها جازما وحرّك إبرة على صدر صحن فونوغراف عتيق، فجاء صوت من وراء الزّمن القديم وملأ فضاء الغــرفة. صوت فيه بحّة لذيــذة في نبرة عالية يطرب السّامع رغم إيغاله في الحزن وضربه في متاهات الألم :
علّتي وهبالي
من شبح عيني قد ما يجرا لي
لا لا لا لا لااااااااااااااااال
آه يا داي...
آه وفيك انتبّع
اليوم عذّبني وفيك انتبّع
وانت عزى عيني عالمتشبّع
اليوم عذّبني...
كان، وهو يستمع إلى هذه المقاطع من الأغاني، قد استرخى على أريكة كبيرة وتمدّد بكامل طوله ضاربا برجليه على الأرض وبيديه على رأسه وهو يردّد مع توقيعــات العـــود وهمهمات البيانو وترنيمات القانون هذه الأصوات.
ثم فجأة صاح :
- هذي غنّاية توجّع القلب واتفكّرني بهاك المجنون اّللي حرقها وحرق روحو... تعرفي كيفاش ماتت هالمخلوقة الجميلة؟
وأكمل وكأنه يحدّث نفسه:
- ماتت مشويّة يا دين السّماء. إيجي منّو مرا كيف هذيا اتموت مشويّة ؟
ورأيته يمسح دمعة لمعت في عينه بكفّ يده ثمّ يقف ويتّجه نحو النّافذة المطلّة على حديقة القصر وهو يهمهم:
- اليوم آنا شاهي نفرح رغم مرارات الحياة...شاهي انغنّي وانبرّد قلبي ،
شاهي انشيخ وهاني فسّدتها...حتّى شيء كلّو يتصلّح.
وعادت عيناه لّلمعان . وعادت البسمة إلى شفتيه وهو يقول :
- اسمعي اسمعي اهبال هالطّفلة. اسمعي وقوليلي واش رايك :
وعاد إلى جهاز الفونوغراف فوضع على صدره صحنا جديدا، فهزّ سكون الغرفة صوت مغناج كدبيب الشّياطين:
على سرير النّوم دلّعني
على سرير النّوم دلّعني
***
جاني حليوة أوّل عصريّة
وجابلي بيرة وشمبانيا
شرب وطار بكري شويّة
وعلى سرير النّوم دلّعني
***
بستو كمان آنا بخدّو
يا ما أحلى جمالو وقدّو
ونمت أنا على صدرو
على سرير النّوم دلّعني
***
عطف علي بجمايلو
سبتو يعمل ما بدالو
وعلى سرير النّوم دلّعني

***
وظلّ يعاقر هذا الغناء مرّة بالسّماع من الفونوغراف ومرّات بصوته إلى أن دعاني إلى مصاحبته.
قال: ردّدي ورائي ولا تخافي. سينسجم صوتك مع صوتها فأنا أكاد لا افرّق بينكما في شيء. إنّني أحسّ وكأنّ روحها حطّت في صدرك فلا تفوّتي على نفسك هذه الفرصة. افتحي الصّدر للعصفور القادم من السّماء السّابعة واتركي له حرّية الطّيران في عوالمك، فلن تندمي أبدا.
وانقضى زمن أحسست من خلاله أن ساعات الدّنيا الفانية ما عادت قــادرة على تحديده ، وأنا سكرى بخمرة الرّوح إلى أن بدأت صور شريط سينمائي تنهمر على جداريّة بيضاء من القماش نزلت من سقف الغرفة. وفاجأتني الحركة وأنا بين اليقظة والنّوم، فندّت عنّي صرخة كتمتها داخل حلقي، حين بدأ الرجل في الكلام :
- هذا فيلم " رقصة النار"، فيلم هبال، يجنّن، مخرجتّو مرا غير عاديّة اسمها سلمى بكّار، صوّرت فيه تونس الجميلة، تونس عشرينات القرن الماضي، تو تلقى فيه حبيبة مسيكة وعسكر الّليل امتاعها، عسكر بلا سلاح سوى الشّعر والغــناء والّلــهو ، انحبّك تــتفرّج فيه ومــا تعيــاش شــوفــو وعاود قد ما تقدر. وهاو خوذ "الدّي في دي " والأشرطة والمجلات ونتلقاو بعد أسبوع هنا في داري. وصفّق بيديه فجاء ذو الرّداء الأحمر. الرّجل الصّغير الماشي على عجلتين من لحم ودم. الرّجل الّذي استحال مرّة في داري وفوق سريري إلى عملاق طوله كما بين السّماء والأرض يشعل النّار بعود ثقاب من قرص الشّمس ، فيطعمني من لحم طيور الجنّة ويسقيــني الزّنجبيل من عين ماء اسمها سلسبيل، من شرب منها لا يشيخ ولا يموت. فانحنى أمامي وغمز بعينه ثم استدار على عقبيه وهو يقول :
- اتبعيني يا صاحبة قبقاب الذّهب لأخرجك من الباب، فقد استيقظت كلاب البلاستيك من نومها وأنا أخاف أن يزعجك عويلها ونباحها .
والتفتّ ، فرأيت صاحبي ، صنّاجة العرب يبتسم تحت شاربيه، ثم يذوب في ضباب الغرفة ودخانها الأحمر...
ومشيت وراء العجلات الصّغيرة الّتي كانت تصدر صوتا أخرس فوق البساط الأحمر الّذي كان يغطّي الممشى الّذي يقود إلى باب الخروج. فمشيت وراءه دون كلام إلى أن التفت ناحيتي وقال:
- هل لك في المرآة السّحرية الّتي حلمت بها طول عمرك؟
فندت من فمي صيحة رغبة صغيرة :
- أما قلت أنها في قفص الكلاب الهائجة
فضحك تحت شارب الشّيطان الصغير وهو يهمهم :
- لقد سرقتها من القفص وأنا قادم لاصطحابك إلى الباب الخارجي.
وأخرج من تحت معطفه مرآة صغيرة في حجم كفّ اليد ذات إطار فضيّ رفيع تبرق في ظـــلام الليل بريقا كبريق النّجوم السّاكنة في أقاصي الكون.
حّرك المرآة في وجهي لحظــات ثم أعـادها إلى جيب داخل معطفه و مشى خطوات أخرى أمامي قبل أن يقول:
- هي لك إذا وعدتني بأن نعيد لعبة الأمس، فكّري مليّا قبل أن توافقي على اقتراحي فلن أطلب منك الجواب الساعة.
ولم أعرف إن كانت هذه المرآة هي تلك التي امتلكها في بيتي. تلك التي تحييني كلّ صباح بكلامها المباح، أم أن هذا الجنّي يمتلك الأصل وأنا أمتلك نسخة مقلّدة مصنوعة في تايوان أو سنغافورة، ولكنّني، وبرغبة جامحة في امتلاك هذه المرآة التي رأيتها مرّة في قصر الملكة الشّريرة، زوجة أبي " بيضاء الثّلج " عندما كنت أعمل خادمة في القصر الملكي وكيف أن هذه المرآة كانت سرّ أسرارها. فقد كانت تكشف لها عن وجوه كلّ جميلات العالم وتعرّي لها عوراتهنّ، فقبلت عرض الرّجل الصّغير ووافقت على اقتراح القزم الأمير. وزدت فرغّبته في زيارتي متى شاء آناء الليل وأطراف النهار شرط أن يكون ذلك بدون علم صنّاجة الطّرب. فالرّجل هدّدني بأن يذبحني بسكّين حافية إذا اقتربت من رجل آخر ما دمت في عصمته وعلى ذمّته.


الموقف السّادس،

المخاطبة السّادسة

أوقفني أمام نفسي وقال:
انظري في ذاتك
من داخل ذاتك
انظري
بعيون العقل
ولا تهتمّي
بما يقال
وما لا يقال
لا تلتفتي
للرّيح العابرة للقّارات
ولا تسألي
عمّن قتل هابيل
ولا من شقّ البحر بعصاه.
ولا تسألي
عمن ظلّلته السّحب
من حريق الشّمس.
ولا من حكم بالشّنق
على ملائكة الرّحمان
ضمّي أصابعك
أمام فيك

وضعي يديك
على عينيك
وادخلي السبّابتين
داخل أذنيك.
وقولي دائما:
لا أرى
لا أسمع
لا أتكلم
وسكت...
فسكتّ...


6

جمّعت تحت سريري قبقاب الذّهب والمرآة العجيبة والتّفاحة السّحرية وقلت بهذه المغانم سيكون بمقدوري الإتيان بالعجب العجاب في عالم القيان والقحاب ولن تغلبني بعد اليوم فاتنة لعوب ولا مغنّية طروب. ونمت ملء جفوني كما لم أنم ليلة في حياتي بعدما أكلت وتنعّمت بما لذّ وطاب من الطّعام والشّراب هديّة من الرّجل الصّغير تنزل على بيتي من السّماء، فوق خوان من ذهب بدون أن ألحف في الطلب ،وفي أواني فضّية وتحف بهيّة. واءني قزمي الجبّار في آخر الّليل، يسعى نحو سريري سعي الحيّة،
ويطالب بالدّيّة. فقد قتل لأجلي، بسم زعاف، كلاب الحراسة في قصر الرئاسة. وأعطاني هدايا سنيّة حتى ينعم بالجسد الجميل والقدّ الطّويل والطّرف الكحيل ويغنّي يا عين... يا ليل... فتهتّك حتّى الصّباح ولم يغـادر نعيــــم سريــري إلا بعدما سمع صيــــاح الدّيكة والنّباح. وتركني بعد النّعيم الّذي مضى، أفكّر في الجحيم القادم. وأنا في أسوأ حال، ولا أدري

كيف سيكون المآل، إذ داخلني شكّ مقيت بأنّنـي لن أقدر على أن أصير صنوة لحسيبة اليهودية، تلك المرأة الّتي حلمت بتقليـــدها طوال عمري إلى
أن استوى أمري. ولكنّني ظللت بعيدة عنها بعد الشكّ عن اليقين وأصحاب الشّمال عن أصحاب اليمين . لكنّ شيطاني الحبيب زارني من جديد في هذه المرّة بعدما خرج قزمي من الحضرة. جاء في هيئة وكيل أعمال للفنّانين والفنّانات، فعرض عليّ أوراق اعتماده " عرابنيّا " محترفا لدى نقابة الفنّانين في تونس وفي كل أسواق الغناء والطرب في العالم وفي بلاد العرب .وتمنّى عليّ أن أقبل به وكيلا لأعمالي ومسؤولا عن كل أحـوالي . وفتح لي في الجنّة ذراعين وفي الدّنيا بابين وهو يقول : لقد اشتغلت مع أمّ كلثـــوم وفريد الأطرش وعبد الوهــاب وعبد الحليم ، وطــروب في غابر
الأزمـــان وهيفـــــاء وهبي ونــانسي عجرم وإيـليسا وروبي الّلعــوب في
الزّمن الحاضر. فأنا مغامر مقامر لا أرضى بغير الكبار ولا أفتح كتابي للصّغار. وبدأ يغنّي ويرقص وهو في بذلته الإفرنجية المزركشة بكل الألوان على جميل الألحان. فطارت في الهواء ربطة عنقه ورفرفت كجناح طاووس وهو هائم كالممسوس:
على بالي حبيبي
على بالي حبيبي
أغمرك ما أتركك
أسرقك ما أرجّعك
أحبسك ما طلّعك من قلبي ولا يوم
أخطفلك نظراتك ضحكاتك حركاتك
علّقهم بغرفتي

نيّمهم على فرشتي
احلمهم بغفوتي تا يحلى علي النّوم
على بالي حبيبييييييييييييييي.
وحرّك يديه في الهواء كجناحين كبيرين وحط ّعلى سريـــري وهو يدور كالخذروف ويتهجّى الحروف :
هذه أليسا الجميلة الّتي غنّت فأطربت العالمين في الشّرق والغرب وجنّنت الشّيوخ والشـــــّـباب وأدمن على سماعها التّقــــي والورع والفاسق الخرع وكلّ من له أذن سمّيع وذوق بديع للفنّ الرّفيع .وقد جرت ورائي كي أكـــــون شريـــكا لها في النّجاح وفي السّعي إلى الفلاح. فجمعت لها أمــوالها وحــافظت على كمـــــالها وهي تدعــو لي الآن بطــــول العمر ولا تخرج لي أبدا عن أمر.
ثم عاد للرّقص والغناء كمن أصــابه مسّ من الجنون وأنا أتــــابع حركــاته وسكناته منبهرة بمـــا يأتي به من عمل جميل يسبي الفؤاد العليل :
ليك الواوا بوس الواوا خلّي الواوا يصح
لمّا بستو الواوا شلتو صار الواوا بح
بقربك خبيني
أغمرني ودفيني
أنا من دونك أنا برداني أححححححح
ليك الواوا وبوس الواوا خلّي الواوا يصح
لما بستو الواواشلتو الواوا صار الواوا بحححححححح

واوا... ليك الواوا ليك...

وظلّ يدور كالسّكران المخمور في طول الغرفة وعرضها مرددا :

" واوا... ليك الواوا ليك " معوضا في كل مرة حرف الّام بحرف النـــــون

وأنا وقد أمسكت بتلابيـــبه أدور معه و أضحك مردّدة وراءه وعلى صيغته

النونيّة :

" نيك الواوا نيك " ... " نيك الواوا نيك... واوااااااااااااا ا

إلى أن هدّنا التّعب فارتمينا علـى الفراش وقد بلّل العرق منّا الثــياب ونحن

نلهث كالكلاب. فعاد إلى ملاطفتي ومداعبتــي بغنــوة لطـــــيفة خرجت من

فيه كزقزقة عصافير الربيع في الجوّ البديع:

اخاصمك آه

اسيبك لا

وجوّه الرّوح هتفضل حبيبى اللّى انا بهواه

بحبك آه

وافارقك لا

ملكنى هواك ولا اقدر حبيبى فى يوم انساك

دانت حبيبى ومنايا الّلى دوبنى

وانت اّلى بعده عن هوايا بيتعبنى


يمكن عليك بسوق دلالى ويخطر فى بالى اعاند عينيك

لكن قوام بحن تانى واصالحك يا غالى وبطلب رضاك

أخاصمك آه آه آه

أسيبك لا

وجوّه الرّوح هتفضل حبيبى الّلى انا بهواه

بحبك آه

وأفارقك لا

ملكنى هواك ولا اقدر حبيبى فى يوم انساك

يا سلاطين الغناء أين أنتم ؟ لمـــاذا تركتموني وحيدة مع هذا الشّيخ الحكيـم

والشّيطـــان الرجيم القادم من أقاصي الغـــــواية ليركبني زقفونة وأنا أقفز

كالمجنونة وهو يوسوس في أذني الضّالة المفتونة:

- أنت امرأة ولا كلّ النّساء، فقد جمّعت في بيتك ما يعجز عنه بنو الإنسان ومردة الشّياطين والجان فلا تخافي ولا تجزعي، وقولي إني نذرت للشّيطان نجاحي. وأنت من أنت، فيك شيء من علّيسة القرطاجيّة ومن كليوباترة المصريّة ومن زنّوبيا العربيّة ومن الجازية الهلاليّة ومن جـــــواري القصور السلطانيّة ومن قحــــاب المواخير الأميريّة ومن مومسات البقـــاع الرئاسيّة ومن الأميــرات الهنديّة... فيـك الكثير ممّا تحلم


النساء بامتلاك شيء منه : الجمال والفتنة، والبهاء والذكاء والعلم والثّقافة . ولا ينقصك إلا القليـل من الجرأة على تقاليد القبيلة وأن تؤذّني في الجوامع
المهجــــورة، فيعود صدى صوتك مدويّا يسمعه العامة والخاصة فيرقص له الصّبيان ويتغنّى به الولدان وتقلّده القيان للأعيان .
وزاد وهو مضطرب الفؤاد: عرّي عن الزّند والفخذ، والجيد والنّهد وتمايلي مع الشّعر والقدّ ونادي أيـام المجد، فستشرق في وجهك شمـــوس السّعد. ورفع صوته من جديد بالغناء وأنا أردّد معه ككلّ مرّة على شكل ديو " متزو سبرانو " من جهتي و " باريتون " من جهته :
بقالي ليالي بنادي حبيبي ما جالي

لا ريحلي بالي ولا داري باللي جرالي

وأنا اعمل إيه في اللي بحبّه يا ويلي يا ناري

وانا شايف صورته قصاد عيني يابا طول ليلي ونهاري

طب ليه بيداري كده ولا هو داري كده ولا ندالي كده

ليه حيّرني وليه بيهجرني انا ولا بجيش على باله كده

وانا اعمل ايه في الّلي بحبّه يا ويلي يا ناري

وانا شايف صورته قصاد عيني يابا طول ليلي ونهاري

طب ليه بيداري كده ولا هو داري كده ولا ندالي كده ولا نده

ليه حيّرني وليه بيهجرني انا ولا بجيش على باله كده.


وعندما انتهينا من الغناء والّلعب، هزّني الطّرب وجعلني أحس بقرب الفرج، وبأنني قاب قوسين أو أدنى من تحقيــــق حلم صنّاجة العرب في أن أنسى الشّهادة والأدب وأصير فنّانة فتّانة يشــار إليها بالبنـــان في عوالم
الإنس والجان. فنّانة تطرب الشّيوخ والفتيان وتتغنّى بشدوها البلابل على الرّياحين والأفنان. ورغم هذا الإحساس الذي ملأني بالافتخار بذاتي، فإنّني خفت ألا أقدر على مجاراة تلك اليهوديّة في لهوها ومجونها وعربدتها وفنونها. ومن يقدر على أن يكون حبيبة مسيكة من بنات حوّاء، وما أنا باليهوديّة ولا بالعلجة السريانيّة؟
خفت ألا أقدر على تقليدها فيما كانت تعيشه من جنون و عربدة وحياة لهو ومجون. وكأنّ شيطاني الحكيم كان يقرأ في أفكاري فحطّ يده على شعري ثم مرّر أصابعه على ثغري وقال:
- لا تسمعي كلام صنّاجة الطّرب يا مليحة العرب. فتلك اليهوديّة مــاتت من زمـان وما عـد لهـا عند مستمعـي الطّرب اليوم مكان ولا عنوان. اليوم
يوم الغناء الفريد، للجيل الجديد، فعرّي على النحر والجيد وقولي يا يا كريم يا حميد. فما عادت طقاقيق ذلك الزّمن الغابر تهتزّ لها الأرداف ولا تتحرّك لها الأكتاف. انس ما دعاك إليه الصّنّاجة، وارم في سلّة الزّبالة ما أعطاك من أغــاني العهد البــائد وتعالي أعلمك رقصــات روبــي وشطحــات أليسا
وآهات نانسي وتأوهات هيفاء. وعندك من أسباب النّجاح المرآة والقبقاب والتّفاح. فحيي على الصّلاح، حيي على الفلاح.
وقبل أن أستجيب لدعوة شيطاني وأشرع في حفظ تلك الأغاني عادت بـــي الذاكرة الموشـومة إلى تلك الفتـاة المشــؤومة فقلت لشيطــاني وقلبـي على

لساني: هل تذكر المطربة اللبنــــانيّة لهلوبة الغناء العصري، صاحبة الجسد السّيلوكوني والصوت الاليكتروني ســـــوزان التميــــميّة تلك الفتاة البهية والثّمرة الشهية وقطرة الخمر الليلية ، الّتي قتلت فـــي دبي أسيرة ،داخل شقّتها الفخمة الكبيرة وهي تتبــاهى كالأميرة ، فذبحت ذبح الخرفان ولم يفدها الأمن والأمان، و لا البرج العالي ولا المفتـاح الغالي الذي أقفلت به الأبواب وتسترت وراءه من الأعـداء والأحبـاب. فلم ترحم الطّعنات قدها وقلبها ولم ترأف بوجهها النبيــل وجيدها الجميل. فمــــا أقسى قلبك يا
سكّري وأنت تقتل الملاك ولا يرهبك الهلاك وتفتك بالشّحرورة دون رحمة وقد أعوزت عقلك الحكمة بعدما أغراك هشام بالمال فأعمى بصيرتك عن الجمال. فصرت غولا تقتات بالدّم ولا ترأف بالعين الكحيلة والجيد المغناج الجميلة والسّاق النّبيلة واليد البيضاء الطّويلة.
وآه منك وآه يا....
وكنت سأواصــل منـــاجاتي والنّواح على روح تلك البنيّة الشّهيّة الّتي أكلها التّراب وذهبت روحها إلى السّحاب بعدما شبع من لحمها الضّباع والكلاب... لولا أن رأيت على وجه شيطـــانــــي الرجــيم اشمئزازا من كلامي ومن نواحي وتحناني على الفنانة المغدورة والدمـــاء المهدورة، فحرّك في وجهي قرنيه وأبان عن نابيه وناح وصاح :
- لكن صاحبك الذي أخافك، صنّاجة العرب ما هو بهشام طلعت مصطفى حرب. فما بيديه سلطته ولا يملك حظوته. عودي لرشدك يا جبانة ولا تخافي من وحشة الجبّانة. ولكنّني، رغم تشجيع الشّيطان خفت أن ينالني ما نال تلك الفناّنة من صاحبي صنّاجة العرب وملك ملــوك الطرب، فقد عوّل

على صوتي لينال الجــــائزة السنيّة يوم تكون النّساء كالأميرات ويكون الرجال كالولدان المخلّدون. وأنا معه في الحسـاب، أطمع بين أولاء وأولئك أن أحمل بيميــني كتــابي،فيعلــو صـوت جوابــي وتثقــل في عيون الشّهود
موازيني، وتمتلئ بالتّميّز دواويني. فأعيش عيشة راضية وما أدراك ما هيه في جنة عالية. فيها قوارير الرّيكار وصحون الكافيار والدّفع بالــــــــدّولار. والهزّ واّللز واللّثم والغمـز. والعضّ بالنـــّـاب على خــدود العنّاب.وقد عوّلت على النّهد والزّند وهنشير الدّخلة الرّاقد في واده، وجمّار
النّخلة الشّامخ في وهاده، وبئر العسل القابع في عناده، وأنا أرقص وأغني وأقول للعالمين :
الّلي تغلبني
اتجي اتحاسبني...
ويا داخل مصر
منك ألوف
والّلي ما يعجبوش العجب
إيصوم في رجب
ويا عمّي يا مرنيخ
خلي لبنات اتشيخ.
وتواصلت مع هذه الهلوسة والجنون حتى نادى ديك الصباح، أن حي على الفلاح. فأخلدت للنّوم بعدما أغلقت بابي ونزعت عن جسدي ثيابي ولسان حالي يقول:
- الّلي أداتو رجليه، العصا ليه.









الموقف السّابع،

المخاطبة السّابعة











أوقفني أمام التّجربة وقال:
التّجربة تجارب
منها الّتي نعيشها
فنحيا
ومنها التي تقودنا
إلى المحنة
وقال:
لا تسألي
عن المكتوب
وما كتب
وتبّت يدا أبي لهب
وتب
وما ملك
وما كسب
وقال:
ستعيشين
ما هو أعجب من العجب
وقال:
لا تخجلي
من السبب
من الماضي
والآن
وما سيحدث
في بلاد العرب.
من شطح وردح
ومدح وقدح
بسبب
وبدون سبب
وقادني من يدي
وقال:
من هنا
طريق إلى الخلاص
ومن هنا
طريق إلى خلاص آخر
وعليك أن تفتحي مرّة أبواب العقل
ومرّات أبواب القلب
وتختاري
ولا تندمي على الاختيار
فلا يفيد النّدم
فيما
كتب ن والقلم
ثم سكت
فسكتّ...







7

يجب أن تمرّي بالتّجربة ويدمغ جسدك بالختم قبل أن تتأمّري على سلطنة الفنّ والغناء. أوّلها وفقة وآخرها سلامة. إن وافقت على شروطي ، سأقف إلى جانبك إلى آخر لحظة من عمري، وإن امتنعت فذنبك في جنبك. هو مصيرك بين يديك. فماذا قلت؟ وأكّد السّؤال بحزم وهو ينظر داخل عينيّ بنظرة صقر كاسر.
- وهل لي قول فوق قولك يا سيّد الرّجال؟ على الضّالين آمين. قلت له ذلك وأنا أردّ على ابتسامته، تلك الابتسامة الخبيثة الّتي تعلّمت فكّ شيفرتها بعد لأي ومشقّة كبيرة.
فقال الصنّاّجة : تجهّزي إذن وكوني في أحسن حالاتك فالتّجربة صعبة جدّا ولن تقدر عليها إلا من تدرّبت وأحسنت التّدريب. سأجعــلك تعرفين المكان جيّدا قبل الدّخــول في التّجربة. ولم لا ؟
سأحاول مع المنّظمين إن كان في مقدورهم أن تقومي ب" بروفة " أوّلية حتّى تستعدّي ليوم الفصل، وما ادارك ما يوم الفصل.

قلت: يوم الفصل؟
فردّ : نعم... هو يوم عظيم، فكوني في مستوى الأمل المعقود عليك. ولا تخيّبي ظنّي فيـــك وتذكّري دائما أنّني أنوي أن أحوّلك، إذا نجحت في الطّلب، إلى نجمة نجوم الطّرب في كل بــلاد العرب.
ووفى بوعده. فكنت كما أراد لي أن أكون. نجمة تسطع في ليـالي الصّيف وفرس جامحة تصهل وتطلب المنـاكحة، ومن في مقدوره أن يركب فرس بنت السّلطان ولا يخاف المذلّة والهوان ؟
وزاد فاشترط أن أعود معه يومها إلى منزله في الضّاحية الشّماليّة. فقلت مرة أخرى على الضّالين آميـن، وأنا أغمز له بالعين اليميــن وسبقته إلى باب السّيّــارة ووعدته بالبشــارة، فصـار يدندن بألحان عذاب وهو يضرب
بيديه على مقود فرس الحديد بعزم شديــد، ويترك لها حرّية المسيـــر على
هـــواها، فتسرع تــارة وتخفّ حركـتها تــارة أخــرى حتى تخــال أنها ستتوقّّف عن المسير وهو لا يلتفت لاحتجـاجـات سائقي السّيّـارات الأخرى
وراءه وعلى جانبيه، وحرّك في وجوههم بيديه. فقد فقد تلك النّرفزة الّّتي عرفتها لديه، وصار رجلا آخر بعدما قال لي إنّه تلصّص من وراء ستار على كل ما جرى في تلك " البروفة الرّهيبة" والأمسية العجيبة. وشدّد على الرّاء حدّ الارتواء.
قال وهو يعيد على مسمعي ما عشته ذلك اليوم لحظة بلحظة. وكأنّه حاضر معي، إنّ المنظّمــين للحفل رجال شديدو الذّكـاء لا يرغبـــون في التّفريـط في الكسب الحـلال. فقد جهّــزوا المكــان بكراســي نصبــوها وراء أعيـــن سحــريّة تــرى ولا تــرى. وبـاعــوا الكـرسي الـواحد بنصف مليــــون من

المليمات التــونسيّة لمن يرغب في مشــاهدة بنـــات الحفــل من وراء ستار بعدما زعمــوا للمشــاركين فيه من شبّان و شــابّات بأن الحــفل يجـري في كنف السّريّة. وأن لا أحـد في مقـدوره أن يطّلع على مـــا يــدور وراء هذه الجدران العالية والكراسي الغالية. قـال، وكنت من بين المحظوظيــن الّذين عاشـوا ذاك الجنون على أحسن مــا يــكون وشبع من الّلــهو وانطلق يغنّـي وهو يهشّ على المقود كالمجنون :
" وحّوى وحّوى إيّاحا
وكمان وحّوى إيّاحا
بنت السّلطان إيّاحا
لابسة قفطان إيّاحا
بالأخضرى إيّاحا
بالأصفرى إيّاحا
يا لمونى إياّحا
يادوا عيونى إيّاحا "
أبيع عمري وأشتري لحظة من تلك الّلحظات وأدفع روحي ثمنا لكرسيّ من تلك الكراسي ولعين من تلك العيون السّحريّة الباهرة. هي يا بنت النّاس عين من زجاج ولكنها تحوّل الحفل أمامك حتّى تصير كأنّك مشارك
فيه مباشرة تلمس ثمار الجسد بيديك ،وتلحس من العسل بلسانك، وتقضم من التّفاح بأسنانك، ولا تشبع حتى كأنّك في جوع دائم أبديّ. كلّما زدت من المشاهدة أكثر، رغبت فيها أكثر وأكثر.


ثم وهو يضحك بمجون قال : سنعيد كل ما جرى هناك، هنا في بيتي وعلى سريري، فلا تنقصيني مثقال ذرّة في ميزان حسنــــاتي و إلا دعوت لك من الآن كل زبانيّة الجحيم وسدنة اليوم العظيم. هل تفهمين معنى أن تكوني في رعاية زبانيّة جهنم ؟
ثمّ عاد إلى صخبه وخبطه على مقود السّيّارة ،وهو يسدل على النّوافذ السّتارة ويرقص في مكانه بشطارة ،إلى أن وصلنا إلى مـنزله وأمام دياره.
كانت" الفيلا " الّتي وقفنا عندها هذه المرّة أنيقة جدّا ومسيّجة بأشجار الزّينة من جهاتها الأربع : الجهنّميّة المجنونة بأزهارها الحمراء والزّرقاء والصّفراء ، والياسمين البلدي الأبيض والأصفر وزهرة السّعادة البنفسجيّة والورديّة والكرمة العذراء والّلبلاب والوستيريّا والإيبوميا والنفنوف. كانت كلّ هذه الأشجار تغطّي جدران السّور وتقي البيت من شرّ الوسواس الخنّاس، ومن عين حاسد إذا حسد. وكان السّياج ينتهي بأسلاك شائكة. فقال لي وهو منبهر بمعارفي في أسماء أشجار الزّينة وأنواعها، إن الكهرباء تجري في الأسلاك كما يجري الدّم في عروق بني آدم حتى لا يفكّر حقود حسود في لمس أزهار أشجاري والاقتراب من أبواب دياري. وأكّد لي وهو يشير بإصبعه السّبابة، على يمين البوّابة بأن أقرأ تلك الكتابة. فقرأت:" ممنوع الاقتراب، خطر الموت." ومثلها بالفرنسية: " Danger, mort " ، ثم شغّل في يده آلة أوتوماتيكية فانفتح باب المستودع تلقائيّا، فحرّك السّيّارة وأوقفها في ركن بعيد قريبا من سيّارات أخرى أكبر منها وأفخم وأجمـل منها وأعظم. وعــاد يغلق بــاب المستودع بالكهرباء ويحيي


الخـــادم بإباء. وانبهرت بما رأيت، فقال: هذا قلـــيل من كثير يــا زينة الملاح ويا شجرة التّفــاح. ووضع تحت رجلي قبقابا من ذهب كــذاك الذي
تركنه في أمانات بيتي ،وهو يردّد: أنت أهل لكل المكرمات يا سيّدة حياتي، فلن أقبل بك في داري إلا وأنت ماشية على الذّهب. ولكن، تعالي قبل ذلك أريك الحديقة لتسمّي لي شجيراتها قبل أن تباشري الباب وتسلّمي على الأحباب. لقد استثارني علمك بأنواع الأشجار ومعرفتك بالأزهار. فأشرت إليه بإصبعي الممـدودة أن هذه تمــرحنّة من ريــاحين الجنّة، وهذا
ياسمين هندي أحمر وتلك ديدونيا وبعدها ميرسين عطري. وقلت أكتفي اليوم بهذا فأنا شديدـة التّعب أرغب في الراحة لأستزيد من الاستراحة بعد تعب اليوم وقلّة النّوم. والتفت إليه كالخائفة، فإذا به يفغر فاه وينادي يا ويلاه ويقول كالمذهول :
- سأسميك من اليوم راعية لقصوري وأميرة على زهوري.
وعاد يضحك بمجون ويهز عطفيه بجنون.
ونبحت الكلاب في وجهي فأسكتها بإشارة من يده ، فصارت تحوم حولنا وهي تغمغم وتهمهم. فوضع في فم كل واحد منها قطعة من السّكّر وربّت على رؤوسها بحنان فعادت تقعي تحت الأشجار دون أن تفلتني من الأنظار. وأنا أقول في خاطري ألم يقل لي صاحب الرّداء الأحمر إنّه قتل هذه الكلاب تحت شجرة الّلبلاب؟ يا ويلك يا رباب لو اكتشف الصّنّاجة أمرك وفضح سرّك،. فسرت إلى جانبه خـائفة ووقع قبقـــاب الذّهب تحت رجليّ الورديّتين يرنّ وقلبــي يئنّ وأنا أمشـي فوق الجليــز المذهّب للمسبح


الّذي يشغل جانبا كبيرا من وسط الحديقة الّتي تحفّ بها أقفاص فيها حيوانات بريّة وطيور وزواحف عظيمة تشرئبّ بأعناقها وتحرّك ألسنتها كلّما اقتربنا منها أكثر. وهو يتقدّمني ولا يلتفت إلى الوراء أبدا. وكلّما عبّرت له عن خوفي بصيحات فزع خفيفة، زاد في زهوه وافتخاره بما يمتلك في دياره، إلى أن وصلنا أمام الباب الرئيس للفيلا فدقّ على الجرس الّذي أرسل زئيرا كزئير الأسود المهتاجة وقت السّفاد ممّا جعلني ألتصق به خوفا ،ولا أخفف من الالتصاق إلا بعدما فتحت لنا الباب طفلة في عزّ الشّباب.
ورأتني الطّفلة على تلك الحال، فابتسمت وربّتت على وجنتيّ بحنان صديقة حميمة، وقادتني من يدي إلى الدّاخــل بينما عــاد هو لكلابه وزواحفه ينظر في شأنها مع مربّيــها والقــــائمين عليها. ووجدت أن الشّابة الجميـلة الّتي تدبّر أحـــوال البيت قد أعــدّت كلّ شــيء للضّيافة قبل
حضورنا:
موائد الطّعام ومستلزمات السّهرة من أدوات الّلهو والمجون: قوارير الشّراب المعتّق، ومكسّرات من كلّ نوع، وفواكه ممّا تشتهي النّفس وتلذّ العين، وآلة عود فخمة قد تسلطنت فوق أريكة كبيرة وطار ودفّ. فشبعت عينيّ بما رأت وطربت نفسي لكل هذا الخير العميم وتساءلت إن كـان على
الطّاولة لحم طير مما يشتهون، ولكنّني كتمت سؤالي في قلبي حتّى لا يسمعني من ينكر على لساني مثل هذا التقوّل . وخيّرت في الأول، كعادتي دائما، الذّهاب إلى بيت الاستحمام. قلت عليك بالطّهارة من رجس الشّيطان يا بنت. وبعد الأمر يأتي الخمر.فوجدت البانيو جاهزا يفور بالمــاء المعطّر

بزهور الياسمين التي ترتعش فوق رغوته ارتعاش أوراق الخريف تحت الشّجر، فتخلّصت من ثيابي ووقعت على الياسمين أغرف منه بيديّ الاثنتين وأصبّ من مائه على شعري وعلى زندي وعلى نهدي إلى أن فـاحت رائحته في المكــان وخرجت من وراء الحيطــان، فتشمّمها صـــائد
الرّياحين وجاء يحطّ رحاله في حضني ويسبقني إلى الّلثم والعضّ. ولا عــاصم لي منه ســوى جدار الماء الشّفّــاف ارفعه بين الحيـن والآخر بيننا
فيسّاقط علينا بردا وسلاما.
و" يا ورد مين يشتريك وللحبيب يهديك
يهدى إليه الأمل و الهوى و القبل .....
يا ورد أبيض ... غار النّهار منّه ... خجول محتار
باسه النّدى فى خدّه .... ضارت عليه الأغصان
راح للنّسيم و اشتكى .... جرّح خدوده و بكى
أفدي الخدود الّتى تعبث بمهجتى
يا ورد ليه الخجل ... فيك يحلو الغزل .... ياورد
يا ورد يا أحمر قولّلى .. قولّلى دة مين جرّحك ...
جرّح شفايفك و خلّى على شفايفك دمك
شفّت جيوب الغزل و أنبحّ صوت القبل
على الشّفاة الّتى تشرب من مهجتى
ياورد ليه الخجل ... فيك يحلو الغزل ... يا ورد
كان يردّدها وهو يعضّ في التّفاح التّركي المنثور على صدري. يعضّ ولا يرحم ويقــول هكـذا رأيت الآخر من وراء العين السّحرية يعضّ وأنت

تبكين بكاء الّلذة تارة والألم تارة أخرى. ابكي من جديد حتى أستمتع بدموعك على الخدّ يا خدود الورد. ثم يلجني بلا رحمة ونحن وسط الماء. ولا يستسلم إلّا إذا هدّه التّعب والإعياء فنخرج مباشرة إلى قاعة الجلوس ونحن تحت المناشف القطنيّة فيريحني ويستريح لنبدأ بعد ذلك السّهرة، ونحن في أحسن أحوالنا. وهو يقول:
أريدك أن تكوني لي وحدي وأن تضربيني على رأسي بقبقاب الذّهب حتّى أفقد وعيي وعندما أفيق ، أعود إليك قبل أن يسرقك منّي الغول.
ويصبّ من قدح الويسكي مباشرة في حلقي ويضع قطعة من البسكويت مع قليل من حبّات الكافيار في فمي ويتمنّى أن يموت فوق صدري. ويقــول احكــي لي كيف حصلت على المرتبة الأولى من بين المتبارين والمتبارات
في " الكاستيغ " ، ولا تتركي كلمة واحدة داخل حلقك حتى لا تشرقي بالكافيار.
وأقول: لقد حكيت لك الواقعة عدّة مرّات من البداية إلى النّهاية مذ أن خرجت من قاعة الاحتفال.
فيردّ: أنا لا اشبع من حكاياتك يا زينة الملاح.
ويدقّ بقبقاب الذّهب على قلبه. فيجيبه دقّ آخر داخل قلبي الميّت منذ آلاف السّنين ويرتفع صدى الحكاية إلى عنان السماء:
الزّحام شديد أمام القاعة حتّى كأنّه يوم الحشر الّذي تحدّثت عنه كتب السّماء. مئات من الشّبان والشّابات يقفون في صفوف طويلة. والكلّ يمنّي النّفس بالدّخول إلى الجنّة. ويا رضوان افتح لنا أبواب رحمتك فقد أعيانا الانتظــار.كـــانوا بنات كــزهــور شهــر أفريل، في أحسن زيــنة يرتديــن

دجينات مكبوسة على الفخذين والردّفين كبسا شديدا وقمصانا بأكمام قصيرة أو تنّورات أقصر تزدحم فوقها كلّ ألوان الدّنيا بماركات حديثة جدا تظهر السّرة من أمام وأعلى الردفين من خلف. وشبّان كالولدان المخلّدين في تسريحات للشّعر غريبة وعجيبة من الرّؤوس الحليقة حتى تسريحة عرف الدّيك. كلّهم قد تزيّنوا في الثّياب الجديدة وعطّروا الأجساد المفتولة أو النّاعمة. وزحام يوم الحشر أمام القــاعة لا يرحم أحدا تحت شمس بدأت أشعّتها في الهطــول على الــرّؤوس. فســال العرق على الأبدان الطّرية ممزوجا بروائح كلّ عطور العالم. وأنا في السّيــّـارة الفــاخرة الواقفة بعيدا عن الزّحام أنتظر الإذن بالدّخــول من باب خلفيّ بعيد عن أعين المتطفّلين.
ظللت أنتظر مدّة نصف ساعة إلى أن وصلت مضيّفة تعمل في القاعة وطلبت منّي أن أصطحبها، فتركت للسّائق المفتاح وغادرت السّيارة ابتغي الفلاح. تكلّمت معي المضيّفة بلطف أميرة وسارت أمامي تخبط الأرض بكعب حذائها وتحرّك مؤخّرتها بجنون إلى أن وصلنا أمام باب يقف قدّامه رجل ضخم غليظ المنكبين كأنّما قدّ من الصّوان الأسود، فأفسح لنا المجال وبادر بإغلاق الباب في الحال. فوجدتني في ساحة فسيحة ملأى بالنّساء والرّجال. والكل يتطلّع إلى شرفات عالية تطل منها حسناوات كحور العين. فوقفت مع الواقفين ورفعت يدي بالدّعاء لربّ العالمين طالبة النّصر المؤزّر على المشاركات والمشاركين في هذا الخطب المبين. وترقّّبت أن يصل لنجدتي حامي حماي. ولكن لم يظهر له أثر وسط هذا العالم الضّاجّ بالحياة. فلكلّ امرئ يومئذ شأن يغنيه.


وطال انتظاري وأنا بين اليأس والرّجاء إلى أن سمعت مناديا ينـــادي في مكبّر صوت صغيـر ويدعو الصّبايا والشّبان الحاصلين على وصل المشـاركة في المسـابقة إلى الصّعـود إلى الطّــابق الثّــانــي من القــــاعة،
فتدافع الجماعة كلّ يبغي الوصــول أوّلا. وظللت في مكـــاني إلى أن خفت
الزّحام على السّلالم، فصعدت مع الصّاعدين.
وجدت الجميع قد تحلّقوا حول مسبح مستطيل الشّكل تتلألأ مياهه بالأنوار وتبرق على جنباته لمبات الكهرباء الصغيرة، فوقفت معهم أنتظر مع المنتظرين. ورأيت على رأس المتحلّقين ثلاث نساء يحملن بين أيديهين ملفّات وأقلام. كنّ في ثياب السّباحة لا يستر عريهنّ سوى قطع صغيرة من الثّياب لفّت حول الخصر. فزاد استغرابي من هذه الأحوال ولم أدر كيف أفسّر الأمر إلى أن تكلّمت رئيسة المجموعة وقالت: اليوم لن نستمع لغنائكم ولن نستمتع بفنّكم وبأصواتكم العذبة وبرقصاتكم الجمـــيلة لأننــا سنكتفــي هذه المرة، بمســـابقة " الوصول إلى الهدف في أسرع وقت ممكن ". والناجحون والناجحات في هذه المسابقة الكبيرة هم وحدهم من سيكــون لهم شرف المشاركة في مســـابقة الغناء واعتلاء عرش أمراء وأميرات الطّرب.ومرّرت الميكروفون للمرأة الواقفة على يمينها وهي تقول:
ستشرح لكم صاحبتي كيفيّة المشاركة في هذه المسابقة، فالتقفت منها فاتنة لعوب آلة الكلام وطلبت منا السّكـــوت حتّى لا تضطرّ للتّفسيــر مرّة أخرى. ثم دعت الشّبـاب إلى الوقـوف على يمين المسبح والشّابات أن يقفن


إلى شماله، وبعدها أذاعت الشّرط الأوّل وهو أن يلتزم المشاركـــون والمشاركات في هذا الاحتفـــــال بالجسد ، بالسّباحة في ماء التّعميد بكامل ثيابهم ، على أن يتخلّوا عنها كلّها حال لمسهم للعامود المبارك ذاك، وأشارت بإصبعها السّبّابة إلى نصب على شكل آلة الذكّّّّّـورة يرتفع شــامخا
في قــلب المسبح، فصعقت وأنـا أرى تـلك الآلة الهـائــلة الحجم وقد تزيّنت
بشرائط وأعلام صغيرة ترفرف على جنباتها ومن فوق إلى تحت. ورأيت مجموعة من البنات وقد انخرطن في ضحك هستيري وهنّ يتغامزن ويتلازمن ويضربن على خدودهنّ وعلى صدورهنّ بأكفّهنّ حتّى احمرّت الخدود وارتجّت النّهود. وصاح الشّباب وهلّلوا تهليلا وصل بالبعض منهم إلى ضرب سلام تعظيم للنّصب تحية إجلال وتكريم وهم يضعون أيديهم في وسطهم ويغمضون العيون ويكتمون الضحك .
وعادت المرأة من جديد للميكروفون وهي تطلب منّا السّكوت لمواصلة الحديث في هذا الشّأن وقالت: ستنزلون أفواجا للمسبح. في كلّ فوج عشر بنات وعشرة أولاد، على أن يكون التّلاقي سباحة عند العامود. وكل متسابق ومتسابقة يصلان معا يكوّنـان زوجا يصعد بأقصى سرعة إلى أحد
جوانب المســـبح لإنجاز عمليات " مسابقة الوصــول إلى الهدف في أسرع وقت". هي ذي شروطنا، وعلى من لا يرغب في مواصلة المشـوار منــكم
الانسحـــاب من هذه المنــاجزة الخفبفة والمعركة اللطيــــفة قبل الشّروع
في الّلعبـة والوصـــول إلى مسـابقة الغـنــاء والطرب وانتظرت أن تنسحب
الفتيات أو بعضهنّ على الأقلّ من المشاركة في هذه المسابقة ولكن خـــاب ظنّي فقد رأيت استعــدادا على كلّ الوجـــوه وتنمّرا على الأفــواه وشبقا في

العيون وترقّبا لصافرة الانطلاق، فزال عنّي التّردّد وقلت في نفسي: " الخنقة مع الجــماعة خلاعة ". ودوّت الصفّــارة في الجوّ فارتمى الجميع
أولادا وبنات في الماء كلّ واحد وواحدة يرنو بناظريه إلى النّصب ويخوض في بحر الشّهوة دافعا الماء برأسه ويديه ورجليه ذاهبا إلى الأمام وكأنه درويش في حضرة مولاه أو مجنون يبحث عن ليلاه، إلى أن وجدت من حيث لا أدري يدي مشدودة فوق يد شاب وهو يدفع بي بلطف خارج الحلبة والماء يقطر من شعره الأسود المنتشر بكثافة فوق صدره العريض وذراعيه الغليظتين ويملأ عينيه العسليتين الحلوتين بالضباب والفوضى، فتبعته مسلـــوبة الإرادة إلى حيث قادني. فرأيت البنـات يفرشن أجســـادهنّ الطّريّة على أرضيّة حفّة المسبح المتلألئة بأنوار فوانـيس صغيرة ونهـودهنّ ترتعش ارتعاشات منغّمة، والشّبــاب يقعــون عليهنّ في لهو مجنون وقد تفنّنوا في أنواع عجيبة من الّلمس والجسّ باليد والفم والّلسان،
ورأيت لعجبي البنات وهنّ يستجبن لكل ّ ذاك المجون ويزدن فيه تفصيلات جديدة تجعل الجسد ينتفض ودقّات القلب لها وجيب كبير حتى لكأنّ الرّوح على وشك أن تفارق الجسد. وكانت بقية البنات الّلاتي تحلّقن حولهنّ في صياح وتصفيق وتصفير، كلّ مجموعة منهنّ تشجّع فريقا وتكثر له من الدقّ بالرّجلين والتّصفبق باليدين. قال لي صاحبي: هلمّي يا بنت للوليمة قبل أن يسبقنا الآخــرون بالفوز بالجـائزة الكريمة، و مدّ يديه ودعاني دون
مراوغة إلى شهوات الجسد، ففعلت وأنا أرتعش وقلبي يدقّ كطبل العيد.وأنا على غير العادة ما كنت أعرف مثل هذه السعادة.


وعلا الصّياح حين وصل الزّوج الأوّل إلى قطف وردة الحياة من على القضــيب المنتصب وسط حوض السّبـــاحة، ثم لحقه تصفيــق عال يصمّ الآذان والزّوج الثّاني يلحق بهمــا إلى سدّة النّجاح.وسال دفق سخن ولزج فوق صدري وبين نهديّ وعلى فخذيّ، فعاد الصّياح والتّصفير يصمّ الآذان، وارتفعت في الجوّ صفّــارة حكمة المســـابقة تعلن انتهــاء الجولة
الأولى من الّلعبة وتدفع بالفائزين الثّلاثة والفائزات الثّلاث داخل قاعة صغيرة أعدّت لغرض إراحتنا والاحتفــــاء بنا.ووضعت بين أيدينا زجـــاجات المشروبــات الباردة والمرطّبـــات والمثلّجات وقوارير الجعة
والمشروبات الروحيّة، فشربنا وأكلنا. وكلّما وصل النّاجحون والنّاجحات الجدد علا هتافنا وهرجنا وتصفيرنا، فقد كنّا نتحلّق حولهم ونبدأ في الرّقص بجنون وهم يدورون ونحن ندور عكس دورانهم إلى أن يغمي علينا فنرشّ بماء الزّهر وتسكب العطور الباذخة على أبداننا حتى نستعيد الحياة ونعود من الموت الجميل.
هكذا أمضينا كامل يومنا متعة وفرجة على أجمل جميلات البنات وهنّ يتعرّين ويبذلن أجسادهنّ ويستمتعن مع شباب كالفهود لتختار منهم الّلجنة من تصلح لإدهاش المشاهدين في حفلات الفنّ القـادمة على مهل .وهبط الّليل فرأيت المضيّفة الّتي أدخلتنـي القـاعة من البـاب الخلفـيّ تقتــرب منّي
وعلى ثغرها نفس ابتسامة الصّباح وهي تلوّح لي بيدها الصّغيرة أن تعالي. فعدت إلى ملابسي الّتي نسيتها على مدار اليوم، ومشيت وراءها مزهوّة بانتصـاراتي في هذا اليوم العظيـم إلى أن وصلت إلى المرسى الّذي تركت


فيه السّيّارة صباحا ففتح لي الساّئق الباب منبهرا بالهالة النّورانيّة الّتي كانت تشعّ من جبينــــي. وأعلمني أنّني مطلوبة لديك. وأنك ترغب في أن تراني، وأنه مكلّف بتنفيذ رغبتك. فلم أمانع في المجيء إليك وها أنا بين يديك، فلبّيك سيّدي لبّيك. فسكت مدّة حسبتها دهرا وهو يحرّك سيجاره الكوبيّ الضّخم بين شفتيه، ثم قال بصوت بارد فيه كثير من القسوة لم أعهدها فيه:
- غدا سيكون يوم امتحان يكرم فيه المرء أو يهان. وأريد لك أن تكوني من المكرّمات.
وأضاف وهو ينظر داخل قلبي بقرف: هل اخترت أغاني حبيبة مسيكة التي ستشاركين بها في المحفل وتبارزين بها بنات الجحفل؟
ولم أدر بماذا أجيب ولا ماذا أقول ولا كيف أردّ على هذا الصّوت الأبرد من الثّلج. فقد اختلطت في عقلي الأمور منذ أن وسوس الشّيطان في قلبي تلك الّليلة ولم يغادر الدّار إلا بعدما مسح من ذاكرتي كلّ ما حفظت من أغاني تلك اليهوديّة.
وأحسست أنّني في ورطة والرّجل في انتظار اختياري ليعلّق عليه ويبدي رأيه فيه. فحاولت بجهد جهيد أن أتذكّر واحدة من الأغاني لأعرضها عليه ولكن دون طائل. ورأيت شيطاني معلقا فوق رأسي قريبا من سقف الدّار، فازداد خوفي وامتلأ حلقي بطعم المرارة لكنّه أشار لي أن تعالي وراء السّتارة، فمشيت مشي الخائف والقلب منّي واجف فمدّ لي هديّة، تفّاحتي السّـــحريّة، وقــال:
امسكــي بيديك هذه التّفّــاحة، وغنّي يا صبيّة ولا تخــافي، سيعــود إليك صــوتك الدافئ. وستتنزّل على قلبك ألحان أغاني اليهوديّة الّلعوب بصوتها الطّروب.
وفعلت ما قال الشّيطان، فخرج من حلقي صوت في حلاوة الرّمّان وطنّت على البيـانو ألحـان أيّام زمـان. وأنا في غـاية الكمـال ، أحــرّك رأسي ذات
اليمين وذات الشّمال. ولم أعد إلى صمتي إلا بعدما شبع صنّاجة العرب من صوتي واطمأنّ إلى نجــاحي في حفل الغد وهو يشدّ منّـي على اليد والزّند.
ثم قام ومشى معي نحو باب الخروج، فدعا لي سائق السّيّارة ووعده بالبشارة. وأنا أتحرّك بينهما بخجل، وأمشي بين يديهما مشية الحجل. فقد قتلني سحر الخمرة مرّة، وقتلني شيطاني مرّتين...





بعد النّهـــــاية

أو بداية أخرى لحكاية المرأة ذات القبقاب الذهبي

تنبيـــــــه

وجدت في الإضبارة التي تركتها طالبة الماجستير، عندي ،أوراقا أخرى كثيرة فيها أشـــياء عن يوم الحفل العظيم الذي كان من المقرّر أن ينقله التّلفزيون الوطني على الهواء مباشرة للنّظّارة في كل العالم. ولكنّ " حادثا بسيطا " كما عبّرت عن ذلك المذيعة المتأنّقة جدّا الّتي كان من المفروض أن تغطّي الحفل بصوتها الملائكي، تسبّب في إلغاء النّقل وعطّل عمليّة استمتاع المتفرّجين في بلاد العرب وفي العالم أجمع بالأصوات الطربيّة والوجوه السّحرية التي كانت ستؤثّث الحفل. فقد تدافع خلق كثير في مداخل قاعة العرض وتزاحموا للفوز بالأماكن الأولى القريبة من المنصّة الشّرفية، وتساقط عدد من جمهور المتفرّجيـن أرضا فمشى فوقهم البقيّة دون أن يلتفتــوا لصراخ النّجدة وصيــاح المحتضـريـن فكـأنّ شيطانا عطّل
سمعهم وبصرهم فظلّوا يمشون فوقهم كالصّم العمي وهم لا يفقهــون، إلى أن بدأ الغنــاء والرّقص على ركـــح العرض. ولكنّ أصواتا غريبة أفسدت
الفرجة، بدأت خافتة ثمّ تعالت بالنوّاح والعويل فاستجابت لها أصوات سيّــارات الإسعاف وعربــات الحماية المدنية وضجيـج الجمهور الّذي ظلّ


خارج القاعة، فانقطع النّور الكهربائي وأظلمت كواليس الحفل. وعلا الضّجيج فأسكت الأصوات الجميلة وقتل حكاية " الكاستينغ " في المهد...
كما وجدت في إضبارة الورق أشياء كثيرة أخرى أخجل من ذكــــرها ومن التبسّط في الحديث عنها ذكرت بإطنــاب ما جــــــرى يوم " الكاستينغ " قبل وصــول نــواح الآلات الميكانيكيّة إلى القاعة، وفضحت نساء ورجالا
مهمّين في عــــالم الغنــــــاء والطرب، بالاسم واللقب، عرّتهم المرآة السّحريّة التي حملتها معها في حقيبة يدها وما كان في مقدور وسائل المراقبة الإلكتـرونية اكتشــافها والوصــول إليها في بــاب الدخـول، فمرّت
بسلام وسجّلت كلّ ما جرى في القاعة. ولكنّني أربأ بنفسي عن نشر ما جـرى هناك خوفا من الرّقــيب أوّلا، وخــوفا مـن أن أدان بالاعتـــداء على
الأخلاق الحميدة ثانيا ، وأخيرا خوفا من أن يشتكى بي إلى محــاكم لا ترحم من يتّهم غيره بدون إثبات، فالمرآة السّحريّة الّتي سجّلت كلّ ما جرى في كواليس القاعة بالصّوت والصّورة هي رغم كلّ شيء آلة عجماء
عتيقة قادمة من زمن الخرافات والأساطير لا يعتدّ بها في الزّمن الحاضر.
كما وجدت أوراقا أخرى كثر فيها التّشطيب والمسح والكتابة على الكتابة فلم أقدّر ما كانت ترغب في نشره من غيره، ففضّلت تركه حتى لا أسيء لنصّها. ولم أضع بين أيديكم إلّا ما هو خالص لوجه النص المرتجى.










وغابت هذه المرأة عن الذّاكرة نهائيّا بعدما أغلقت في وجهي هاتفها المحمول. فقد طلبتها عشرات المرّات على مدى أسابيع ولكنّها ما كانت تردّ على نداءاتي. كان جرس هاتفها يدقّ في المرّات الأولى ثم صمت بعد ذلك صمت قبر في جبّانة منسيّة. فقرّرت زيارتها في المبيت الجامعي كما كنت أفعل عندما كنّا نختصم، رغم إلحاحها الكبير في ألّا أتّصل بها هناك. فقد كانت دائما تقول وهي تضحك: حتى لا أزعجها أوّلا ، وحتّى لا نثير الشّبهات خــاصّة، فتأنّقت وتعطّرت و ذهبت صباحا لمبيتها. وسألت عنها
في الباب، فأبدى العامل المشرف على مكتب الاستعلامات بعدما نظر في قوائم المقيمين في المبيت ،استغرابه عند سماع اسمها. وقال بعد ذلك إنه لا يعرف طالبة تسكن في هذا المبيت بهذا الاسم ولكنّه أراد مزيدا من التثبّت في الأمـــر. وزدت فصفتها له أكثر وأطنبت فـــي الوصف ولكن بدون طائل، فقد كنت كمن يحدّث أصمّ أبكم . ودعا زميلا له يعمل في دوريّة الّليل عندما اشتدّ إلحــاحي في السّـؤال واستفسره عن هذا الاسم وســأله إن
كان يعرف هذه الطّالبة بعدما ذكر له صفـــاتها، فأنكر الآخر أيضا معرفته بهـــا وأكّد أن لا صلة لهذه البنت بالمبيــت أصلا.وزاد فقــال إنّه يعمـل هنا


منذ سنوات ولم تسنح له أبدا فرصة معرفتها رغم درايته بكل من يرتاد هذا المكان من الطّالبات وممّن لهم علاقات بهنّ أيضا من الرّجال والنّساء.
ولم يقنعني كلامهما فأخرجت من حافظة نقودي صورة حديثة كنّا فيها معا أخذها لنا مصوّر بينما كنّا في المقهى القريب من شاطئ موسى بن عمران الذي استلفنا منه عصاه في مرّة سابقة نكاية في نوارس البحر وفي قوارير الجعة الفارغة التي كانت تطفو فوق أمواج البحر.فقد أصرّ يومها ذاك المصوّر إصرارا عجيبا على تصويرنا وألحّ في طلبه وهو يقول : رجاء يا سيّدي ، هي صورة لغـــاية في نفس يعقوب، ولن تندم أبدا على الدّينار الّذي ستدفعه ثمنا لها، فاستسلمت لإلحاحه ونقدته ثمن تلك الصّورة الفوريّة
ووضعتها في الحافظة دون أن أنظر إليها. قربّت الصّورة من الرّجلــين فدقّقــا فيها النّظر وعادا للإنكــار من جديـــد. ورأيت في وجهيهما ضجـرا
وبداية شرّ مستطيــــر، فقررّت المغادرة وأنا أستغرب لهذه الحالة ولا أدري ماذا أفعل. إلّا أنّ رجلا كان يراقبنا من بعيد ،اقترب منّي وطلب أن يرى الصّورة ، فسألته من يكون فقال إنه الجنائني الّذي يعتني بحديقة المبيت الجامعي من زمــان بعيد، وإنه يعرف كـلّ الطّلبة والطّــالبات الّذين
مرّوا من هنا، منذ ثمانينات القرن الماضي عندما كان شابّا في بدايات العمر، فأخرجت له الصّـــورة من جديد ووضعتها بين يديه فقرّبها من وجهه وأخذ ينظــر فيها ويحكّ بقــايا شعر في مؤخّــرة رأسه. كـــان رأسه
غريبا، إذ رأيت في طرفيه منبت قرنيــن كقرني التّيـــس. ولكنّنـي أنكرت علـى نفسي هذه الــرّؤية واعتبـرتها تخييـــلا أخــرق لما أصابنـــي من غمّ


الإنكار من الحارسين. و ظلّ الرّجل الغريب ينظر في الصّورة ويعيد النّظر أكثر من مرّة، ثم قال:
هل هذه الطالبة كانت مغرمة بالغناء والطّرب؟
فقلت مستبشرا وقد رأيت ضوءا في ظلام النّفق الطّويل ، أن نعم.
فزاد وهو يمد لي الصّورة بصوت قاطع كحدّ السّيف البتّار: كانت هذه الطالبة تقيم هنا حتّى أواخر ثمانينات القرن الماضي وقد انتحرت في هذا المبيت بعدما ألقت بنفسها من الطّابق الخامس من ذلك الشّبّاك. وأشار بإصبع طويل يكسوه الشّعر إلى الشّباك الذي كانت تكلّمني منه كلما اضطرّتني الحاجة إلى المجيء إليها هنا.
فقلت وأنا أرتجف : هل أنت متأكّد ممّا تقول يا شيخي؟
فنظر من جديد في وجهي بعينيه الصّغيرتين الشّبيهتين بعيني قرد من فصيلة الشّمبنزي وتمخّط ومسح مخاطه في جلبابه القطنيّ الطّويل، ثمّ أمسكني من يدي وقادني بضع خطوات وهو يشير إلى مكان تحت البناية ويقول: هنا سقطت تلك البنت الفاتنة على رأسها، فسال دمها وماتت دون أن تطلق آهة واحدة. فقد كنت يومها في الحديقة أسقي أشجارها وأعتني بأزهارها حين سمعت صوت اصطدام جسد بالأرض فهرعت أستجلــي الأمر فوجدتها مفروشة هناك بكامل أناقتها، كما عهدتها دائما، والدّم ينزّ من أنفها وفمها، فصرخت مناديا أطلب النجدة وبقيت أصرخ حتى وصل العملة وموظفو الإدارة ، فحاولوا إسعافها أوّلا ثم استدعوا سيّارة إداريـّـة نقلتها إلى المستشفى. لكنها كــانت قد فـــارقت الحيـاة والجماعة يضعونها فـي الكــرسيّ الخلفــي من السّيّــارة. فقرصتها من وجنتيها وأغمضت لهــا
عينيها وترحّمت على روحــها. ثم جلست على هذا الكرسي الّذي رأيتها مرّات عديدة تجلس فوقه وتضع بجانبها آلات موسيقية: عود أو كمنجة خاصّة، وقد رأيت مرّة قربها رباب قديم. وزاد عندما رأى اهتمــامي بما يقــوله من كلام: لم تكن لهذه المرأة الجميلة علاقــات جيّدة بالنــّاس هنا حتّى أن الكلّ كــان يظنّ بها جــنونا وهلــوسة. وكــان الجميــع يتحـاشونها
ولا يحاولون الاقتراب من عوالمها. وكنت الوحيد المغرم بها دون أن أجرأ على التّحدّث إليها، إلى أن رأيتها يوما تبكي فوق هذا الكرسيّ الحجريّ الّــذي اعتـادت الجلوس عليه. كــانت تبكـــي بهدوء في أوّل الأمر، ثم علا
نشيـجـها وبدأت تعول كمــن فقـد عزيــزا فراقا أبديّا. فاقتــربت منها وربّتّ
على كتفيها مواسيا. ثم جلست بجانبها وأنا أنظر بقلق إلى هذه المرأة الّتي ما ظننت يوما أنّني سأراها على هذه الحالة. فلم تتنبه مباشرة لحضوري إلى أن فتحت عينيها فرأتني بجانبها. فارتبكت واحمرّ وجهها ولكنّها سرعان ما تداركت أمرها، فمسحت دموعها وغادرت المكان وهي تردّد: آسفة... آسفة... شكرا على الّلطف يا عم... شكرا على نبل مشاعرك. ومن يومها صارت كلّما مرّت قريبـا من الحديقة تبتسم في وجهي ولكنّها لم تتوجّه لي بالحديث أبدا ... فكلّ ما تبادلناه كان مجرّد ابتسامات صغيرة، إلى أن ماتت بين يديّ في ذلك اليوم الّذي حدّثتك عنه.
فهل هي هذه المرأة الّتي تبحث عنها يا سيدي؟
لم أردّ على سؤال الرّجل بعدما أحسست بأنّ الأرض تميد تحت قدميّ وبأنّني أكــاد أفقد وعيي، فغــادرت المكان وكــأنّ كلّ عفاريت الدّنيا تجري
ورائــي. كنت كمن فقد اليقيـــن في كلّ شيء، أمشـــي متعثّرا وألتفت إلى شبّاكها الّذي كانت تطلّ منه عليّ كـلّما سمعت زمّور سيّــارتي. وعدت إلى

العربة وقد قرّرت أن أضرب لها الزّمور كما كنت أفعل في السّابق. فجلست أمام المقود وبدأت في الدّق على الزّمّور بكلّ ما أوتيت من قوّة ، مرّة أولى... وثانية ... وثالثة ... وعاشرة ... ثم وضعت يديّ على الآلة وأحكمت شدّها فوقها، فخرج الصّوت قويّا، عنيفا، مندفعا متواصلا بدون انقطاع.... حتّى تجمّع حولي كلّ من كان في المبيت الجامعي من طالبات وعملة وموظّفين، والتحق بهم جمع من النّاس صادف أن تواجدوا بالمكان ساعة الحادثة، فتجمهروا حول سيّارتي وسدّوا في وجهي نور الشّمس، وهم يتساءلون عمّا جرى لي، وأنا لا أكفّ عن الضّرب على الزّمــور ولا أهدأ عن الصّيــــاح إلى أن سمعت صوت سيّارة الإسعــاف، ورأيت ضوء فوانيسها المشتعلة وهي تقترب منّـي ثم ينــزل منهــا عونــان يتّجهــان نحو
سيّارتي، فيتعاون الجمع على شدّ وثاقي ودفعي بالقوة داخل سيّارة الإسعاف وأنا أتخبّط وأرغي وأزبد وأتوعّد كـــلّ من مسّ شعـــرة من رأســـي بالويل والثّــبور.
وانغرزت إبرة الطبيب في زندي فسرى سائل حارّ كالسّم في بدني شعرت به يدبّ دبيا داخل عروقي كدبيــب النّمل على الجســـد. فبدأ صوتي يخفت وتخبّطي يهدأ، ثم هبطت السّكـينة على قلبي وامتلأت عيناي بالدّموع والظّلام .
عندما أفقت من سبات أهل الكهف وجدت نفسي مكبّل اليدين والرّجلين على سرير أبيض. وكــانت صور الحياة تمرّ في ذهني مشوّشة...رماديّة،
وأنا أحاول استذكار الوقائع الّتي قادتني إلى هنا وجعلتني مربوط اليدين فوق هذا السّريـر. وتمرّ الصّور مرور شريــط سينـمائيّ علــى آلة عرض

عتيقة محدثة تلك التّكتكة المزعجة. وأنا أتابع مرورها صورة صورة لعلي أجد خلال هذا الرّماد المقيت الّذي تكدّس في موقد الذاكرة صورة واحدة تعيدني لجذوة الحياة. ولكنّ التّكتكة تتواصل طاحنة في طريقها ذاكرتي الرّمادية الميّتة إلى أن لمع برق خاطف في الذّهن المكدود: رأيتها كما كنت أراها عند زياراتها في مبيتها الجامعي، واقفة تطلّ من خلال الشّباك، أنيقة كعادتها، جميلة كأميرة، جذّابة كممثّلة سينمائيّة في أعلى درجــــات تألّقها ، شامخة كنخلة فتيّة تضرب بجذورها في أعماق الأرض، لا تمـــوت أبدا. وجاءني صوتها قويّا واثقا كمن لا يهاب الموت وهي تتكلّم من جوّالها الأنيق: لديّ مفاجأة لك هذا اليوم . انتظرني لحظات فقط وسكون بين يديك.
ولم يطل انتظاري طويلا، فقد أهلّت عليّ وهي تجرّ حقيبتين من الحجم الكبير. حقيبتان ضخمتان تجرّهما بصعوبة كبيرة وهي تتعثّر في خطاها، فأسرعت لنجدتها وأعنتها على دفع هذا الحمل نحو السّيّارة وأنا أتساءل عمّا تخفــي داخل الحقيــبتين من أســرار. وظلّت مدّة تمسح عرقها بمنديـل
حريريّ وصدرها المذهل في بهائه يعلـــو وينخفض حتّى تخال أن الحمامتين الرابضتين هناك ، وراء سياج النّار المزركش بالدّانتيلا المخرّمة بأناقة ستطيــران بين لحظة وأخرى، فتتأهّب فرحـــا لاختطـافهما
لعلّك تفوز بلذّة الجسور. ثمّ بدأت تضحك وهي تعبث بيديّ المشدودتين على مقود السّيّارة وهي تقـــول: سنذهب اليوم إلى ملجأ " أطفال بورقيبة "
الموجود في الضّاحية الجنوبيّة، غير بعيد من هنا. لقد نذرت للرّحمان منذ زمن بعيــد، أن أوزّع على الأطفــال بعضا من الــهدايــا في اليـوم الوطني


للطّفولة. وها أنا أفي بنذري. فهلّا رافقتني إلى هناك فينوبك الأجر والثّواب من ربّ رحمان رحيم؟
فنظرت في عينيها والتسآل يأكل قلبي وقلت : ملجأ أطفال بورقيبة؟
ولم تحتر لسؤالي فقد كانت الإجابة جاهزة على شفتيها المزيّنتين بأحمر قان يخلب الّلبّ: نعم ، عليّ دين قديم لدى أولئك الأطفال، وقد حان الحين لتسديده بعد أن أرجأته أكثر من مرّة بسبب وبدون سبب. رجـاء لا تكثر من الأسئلة فلن أردّ عليك مرة أخرى. واكفهرّ وجهها . وغامت في عينيها
سحابة بدأت في الهطول. لكنّها مسحت الدّموع واستعادت رباطة جأشها بسرعة عجيــبة. إلا أنّها ظلّت صامتة فلم نتبادل الكلام طوال الطريق إلى أن وصلنا أمــام بــاب الملجأ، فطلبت منـي أن أركن السّيــّارة في المــرآب
ومدّت يدها تفتح صندوق السّيّارة فمددت يدي وأنزلت الحقيبتين بعد لأي كبير وعناء شديد وهي تبتسم لعنائي وتعبي مردّدة بين الحين والآخر: لن تندم يا عزيزي على هذا العذاب عندما ترى الفرحة تتراقص في عيون الأطفــال الصّغار. وذهبنا نقف أمـام باب الملجأ وندقّ على الجرس إلى أن
وصل الحـارس، فاستقبلنا بحميميّة كبيـرة وخصّها بسـلام حــارّ، سـلام من
يعرفها معرفة قديمة ، فطلبت منه أن يشاركني جرّ واحدة من الحقيبتين ففعل مسرورا. وذهبنا سويّا إلى إدارة الملجأ حيث كانت المديرة في انتظارنا، فقامت ترحّب بنا، ومدّت لي يدها لتشدّ بها على يدي شدا لطيفا وقبّلت صـاحبتي من وجنتيها وأفسحت لنـا في المجلس وهـي تسلّم وتعــاود



التّسليم والتّرحيب. وجاء طبق القهوة والمرطّبات والمشروبات الغازيّة فأكلنا وشربنا ونحن سعداء بهذا الّلقاء الّذي ظلّت المديرة تنتظره، كما قالت، منذ مدّة طويلة.
ورأيت كأنّ بقائي معهما في مقرّ الإدارة بعد الانتهاء من التّحيات والسّؤال عن الأحوال وشرب القهوة يسبّب لهما حرجا، فطلبت منهما الإذن بلطف وغــادرت المكان. وأنا أقول: لقد حان وقت السّيجارة ،معذرة لن أزعجكما
بدخان سجائري، وخرجت متبوعا بابتسامتهما المتواطئة. وظللت أدخّن بشراهة في جوّ الحديقة الهادئ إلى أن سمعت المديرة تنادي الحارس الّذي
لبّى النّداء سريعا، كأنّه كان في انتظار النّداء، ثم رأيتهم يخرجون مصحوبين بالحقيبتين ويتّجهون نحو مهجع الأطفال، فمشيت وراءهم دون إذنهم. ولكنّني حيـــن اقتربت أكثر منهم رأيت ترحيبا بي في وجه صاحبتي، فحثثت الخطى ودخلت مع الدّاخلين.
كانت مجموعة من الأطفال، أولادا وبنات لا تفوق أعمارهم العشر سنوات في انتظارنا. كانوا واقفين على جانبي الباب وهم في أبهى حللهم .وكانوا ينشدون أغـاني فـرح ويلـوّحون لنـــا بأعـلام صغيـرة وينثـرون في طريقنا
زهور الياسمين. وكانت لولوا تبتسم لهم. وتمسح بيديها على شعر هذا وتربّت على كتف تلك. وتقبّل هذا من وجنتيه والأخرى من يديها. وتتحنّن على الجميع تحنان أم رؤومة إلى أن وصلنا إلى مجلس أعدّ خصيصا لهذا الّلقاء فوقفنا وراء طاولة كبيرة وضعت فوقها الحقيـبتان. وتحلّق الأطفــال حولنا ضاجّيــن بالفرح، فاقتربت لولوا من الحقيبتين ورفعت عنهما الغطاء قليلا قليلا ، فصاح الأطفــال وقفزوا في أمكنتهم ابتهـاجا بما رأوا. لقد كانتا

ملآى بأنواع عديدة وغريبة من الّلعب من أبسطها وأرخصها حتى أغلاها ثمنا وتعقيدا :سيّارات وطائرات وصواريخ وقطارات وعرائس صغيرة وكبيرة وأحصنة وحيوانات وحشيّة وزوارق بحريّة وكرات مختلفة الألوان
والأحجام وأجهزة لعب اليكترونية بسيطة وبنادق ورشّاشـات وحلوى من كـل نـوع ولـون وأشياء أخرى كثيـرة، كـتب قصصية للأطفال وبــــالونات
ملوّنة وما لا أقدر على وصفه من أشياء لم أعتد على رأيتها في دنيا النّاس. فتهافت الأطفال على الحقيبتين وما فيهما تهافت النّحل على الأزهار وهم يصخبون في انتشاء ويتدافعون بمودّة إلى أن دعتهم لولوا للهدوء، ثم طلبت من أصغر البنــــات أن تقترب منها، فجاءت بنيّة خــجولة يقطر الخوف من عينيها ووقفت إلى جانبها وهي تقول :
أنا ليلى يا سيّدتي، فغطّت لها عينيها بعصابة من حرير أخرجتها من جيبها وطلبت منها وهي تبتسم أن تختار في كلّ مرّة شيئا من واحدة من الحقيــــــــبتين وهي تتلمّس وتختـــار على هواها، ثم تعطيــها لليد التي تمتدّ إليها من بين أيـادي أصدقائها وصديقاتها، ففعلت البنيّة بكل براءة ليلى
الضائعة في الغابة بحثا عن جدّتها قبل أن تلتقــي الذّئب.وكـــــان الضّحك يرتفع عـــاليا في جوّ الغرفة كلّما صادف أن كانت الّلعبة المختارة لا تتناسب مع جنس اليد الممتدّة إليها إلى أن فرغت الحقيبتان ممّا احتوت. ولكنّ بنتين وولدا ظلوا بلا هديّة، وظلّت أيديهم فارغة، فوقفوا مصعوقين وهم ينظرون إلى الفرحة تملأ قلوب أصدقائهم وصديقاتهم. ولا أحد يلتفت لخيبتهم وبؤسهم في هذه القاعة الكبيرة التي غمرتها السّعادة.


وكانت لولوا تستعدّ للمغادرة عندما اكتشفت المفاجأة، فصعقت وأصابها مسّ من الجنون، فاصفرّ وجهها وسال عرق غزير على جبينها، فعادت تبحث في طيّات الحقيبتين علّها تجد اللّعب الضّائعة ولكن دون جدوى. فقد كانت يدها تخرج في كل مرة بيضاء فارغة. وبدأ الأطفال يبكون، فجنّ جنونها أكثر وأكثر ودعتنا للخروج جميعا ومغادرة المكان. فحتّى المديرة دعتها للخروج معنا وهي ترتجف والزّبد يتطاير من فمها الجميل، وقد ذبل لون شفتيها الأحمر القاني. فخرج الجميع دون إبطاء وبقيت واقفا قربها دون أن تدري بوجودي. وخفت أن يصيبها مكروه وهي على تلك الحالة، فقرّرت البقاء قريبا منها ولو عرّضني ذلك لغضبها ونقمتها ، فبقيت واقفا وراء خزانة كبيــرة تتيــح لي مراقبتها دون أن تراني، فرأيتها تبحث بلهفة داخل حقيبة يدها ثم تخرج منها تفّاحة غريبة الشّكل تبرق بنور ساطع يعشي الأبصار، فتمسح عليها بيديها الاثنتيـن عدة مرّات وهي تتمتم وتهمهم بكلام غـريب، ثم تضعها داخـل الحقيـبة وتجلس على كرسـي قبالة
الطاولة مغمضة العينين بضع دقائق وصدرها يعلو ويهبط وهي ترتعش كمن أصابته حمّى شديدة. وأنا أعجب لحالها ولما تأتي به من أفعال عجيبة سلبتني القدرة على الكلام والمبادرة بنجدتها، إلى أن جاءت مديرة الملجأ تدقّ على الباب بلطف فقامت صاحبتي تفتح لها وهي تدبّ وتتعثّر في خطاها كمن رجع من سفر بعيد. فسلّمت عليها من جديد ودعتها أن تطلب لها الأطفال الذين بقوا بدون هدايا فجاءوا وهم يمسحـون دمــوع الحسرة، لكنّها احتضنتهم بحنان ورفعتهم فوضعتهم فوق الطّاولة وفتحت في


وجوههم الحقيبة الكبيرة التي كانت تزدهي بأشكال عجيبة من لعب ومسرّات أخرى ما رأيت لها مثيلا في حيــاتي، كـأنها قــادمة من عوالم لا
يعرفها إلا الله وحده ،ودعتهم إلى اختيــار ما يعجبهم منها. فاصفرّ وجه المديــرة وانهـارت علـى الأرض مغشيّا عليها، وأنـا أشـاهد من مكــاني ما
يجري في القاعة دون أن أتكلّم إلى أن عادت لولوا إلى الحقيبة تفرغ ما بقي من محتوياتها فوق الطّاولة ثم تغلقها بسرعة وهي تخبّئ التّفاحة العجيـــبة من جديــــد داخل حقيــــبة يدها وتدعوني بإشارة من إصبعها إلى مغادرة المكان، فخرجنا جريا ونحن نلتفت وراءنا بينما كان الأطفال يلهون بلعبهم في حديقة الملجأ.
ورآنا الحارس الجالس تحت شجرة سرو ضخمة قريبة من الباب نجري على غير عادتنا ونلتفت في كلّ الاتّجـــاهات، فصفّر عدّة مرّات وبتنغيمات
مختلفة من صفـّـارة معلّقة بخيط إلى صدره ، فرمى الأطفال لعبهم على الأرض وجــروا وراءنا بينما كــان هــو يسدّ البــاب في وجــوهنا بجسمه
الضّخم. وبدأت حلقة الأطفال تضيّق الخناق علينا والحصار يشتدّ من حولنـا وعلا صياح الأطفال في الجوّ، وامتدّت أيادي الحارس نحونا تقطع عنّا طريق الهروب فمدّت لي لولوا سيفا أخرجته من تحت فستانها، وأمرتني بقطع عنق هذا الغول، ولكنّني، كنت كلّما قطعت له يدا نبتت له في الحين، في مكانها، أياد أخرى أطول وأضخم . فلم أجد بدّا من الصراخ.
حينها فقط ، وصراخي يعلو في السّماء ، أخرجت لولوا من حقيبة يدها بوقين صغيرين فمدّت لي واحدا وأمسكت الآخر في يدها...

وبدأنا بالصّراخ،
في وقت واحد ،
داخل البوقين ...


أم العرائس/ قفصة/ تونس
أوت/ أغسطس 2011

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى