أمل الكردفاني - مهرجان الديدان اللطيفة - قصة قصيرة

"تسجيلات جديدة"
انت بالذات لا علاقة لك بالتسجيلات الجديدة يا حبيب.
قال وهو يجلس على مصطبة عالية تحيط بمساحة خضراء من النجيلة . كانت الجامعة خالية إلا من قلة قليلة من الطلبة ، غالبا ما يكونا أثنين ؛ أنثى وذكر طبعا ، فلا أحد يهتم بالذهاب الى الجامعة منذ أول يوم فيها إلا العشاق. وصبري التقى بصديقه حبيب هنا لدافع آخر ، ليس عاطفيا بالتأكيد ، وإنما لسبب مالي محض ، لقد كانت هناك معلومات مؤكدة عن تقديم مفوضية اللاجئين مائة دولار لكل مسجل كلاجئ سياسي ، مائة دولار ليست سيئة ؛ ستقدم لهم حتى يتم إعادة توطينهم الذي تأخر كثيرا. الجامعة قريبة جدا من مباني المفوضية ، فقررا البقاء في الجامعة حتى الساعة التاسعة ثم الانتقال لمكاتب المفوضية التي ستقوم بتوزيع المبلغ المالي على اللاجئين.
قال صبري:
- لا أعرف كيف يكون اسمك حبيب وأنت حتى الآن لم تدخل في علاقة عاطفية مع انثى...فمن تلك التي تحبك سوى أمك.
- لا أنكر ذلك لكني متوافق مع نفسي.. بالاضافة إلى أنني أفكر بشكل عقلاني والعقل يخبرني بأن علاقات الجامعة كلها علاقات مؤقتة ولا معنى لها...
تحرك الشابان نحو كشك صغير وطلبا قهوة وكبتشينو... أضاف صبري عدة ملاعق سكر على كوبه الورقي حتى أن البائع نظر له بحنق. ثم قال:
- ستصاب بالسكري.
أجابه:
- لماذا تضع السكر في الخارج اذا كنت تخشى من بضعة ملاعق سكر.
قال البائع:
- يا صبري أنا لا اهتم لكمية السكر خوفا على سكري بل على صحتك...
قهقه صبري قائلا:
- نعم أنت شفوق جدا وكما تقول جدتي (شن الحنينة الفي البطينة)...
- دائما تسيء ظنك بالآخرين.
رشف صبري رشفة سريعة ثم أضاف ملعقة سكر ليغيظ البائع دون أن يقلبها بالملعقة.
- أنا لا أسيء الظن بالآخرين فالآخرون هم الجحيم كما قال سارتر....
كان حبيب يراقب الحوار بصمت ، ولاحظ أن وجه البائع قد أصيب بالبله حين سمع اسم سارتر فحدج صبري بنظرة حائرة.
قال صبري:
- هل تعلم أن المفوضية قد منحت كل لاجئ ثلاثمائة دولار شهريا...
تساؤل البائع بدهشة:
- حقا؟
- حقا .. لكن هذا ما لا يحدث في الغالب .. فالثلاثمائة دولار تطير وتطير وتتقزم لمائة دولار عندما تصلنا هنا..احسب عشرات الآلاف من اللاجئين واضربهم في مائتي دولار مسروقة.
قال حبيب:
- يسرقها ذلك الصومالي اليس كذلك.
- لا ليس الصومالي فحسب... يتم سرقتها من الحكومة نفسها.. الحكومة تفرض سعرا بخسا للدولار ... طبعا كل شيء يتم بمعرفة الصومالي وبالتأكيد لا يخلو الأمر من المؤامرة.
تحرك الشابان وعادا للجلوس الى المصطبة ، كان صباحا حارا ، وكانت هناك أشجار توت ظليلة ، ولكنها خالية من الثمر.
قال حبيب:
- ماذا تستفيد من علاقاتك المتعددة مع الفتيات؟ أليس هذا مرهقا... الا يرهقك أن تواعد ثلاث فتيات في يوم واحد..صباحا وعصرا ومساء؟ ثم عن ماذا تتحدث معهن في الهاتف كل هذه الساعات؟
- لا أشعر بالارهاق بل على العكس... أنا عاطفي جدا .. وانت كذلك عاطفي لكنك تكبت هذه العاطفة تحت غطاء مبررات واهية...سواء تفوقت في الدراسة أم لم تتفوق فعليك ألا تتجاهل اشباع عاطفتك... هذا مضر بالصحة... هناك تسجيلات جديدة من طالبات السنة الأولى... برلومات غبيات ولكن لا بأس أن تجد واحدة منفتحة وتتعامل معها..
رمى الكوب الورقي خلفه بغير اكتراث ؛ فأخذه حبيب وألقاه في سلة النفايات ، قال:
- أنت مستهتر جدا...وهذا النوع من الحياة الفوضوية لا يصلح معي...
امتعض صبري وقال:
- حقيقة أنا لا اكترث لمشكلتك لأنني أحبك رغم أنني أحبك فعلا ولكنني اكترث لأنني اريدك أن تنفصل عني قليلا....وجودك معي باستمرار بشخصيتك الجادة هذه تنفر البنات مني ... عندما تأتي إحداهن غادر فورا ... استئذن باحترامك المعهود للبنت وغادر.
اكتفى حبيب بأن قال:
- حسنا....
ثم نهض وقال:
- حان موعد ذهابنا...حقيقة أنت تنفق ما يرسله لك أهلك على الفتيات دون مراعاة لتعبهم.. ماذا تستفيد الفتاة عندما تعطيها دمية دب حمقاء بمائة جنيه؟
سارا في طريقهما الى الخارج ببطء ، أجابه صبري:
- أنت لا تفهم شيئا.. إن كان الدب يكلف مائة جنيه فإن الفتاة تمنحني أكثر من هذا المبلغ التافه عندما أكون مفلسا..وغالبا ترفض الفتيات استرداد المال... الحب عند المرأة أهم من الأوكسجين..وعندما تحب المرأة تتحول الى كائن أبله لطيف...
- وأنت أيضا تتحول لكائن أبله ولكن ليس لطيفا..
ضحك صبري قائلا:
- عليك أن تجرب الحب حتى تفهم سر البله الذي يكتنف الحبيبين.
- لا أريد أن أجربه..لا أريد أن أكون أبلها..
- الحب ليس قرارا يا سيد... الحب كالموت لا تعرفه إلا يوم تستفيق منه يوم القيامة...لأنك طوال علاقتك تكون فتقدا للوعي.
قال حبيب بغضب:
- كذاب..أنت شخص منافق وكذاب... ما أعرفه أن من يحب بالفعل لا يحب أكثر من امرأة واحدة... أنت تجيد الحديث المعسول ولكنك أبعد ما تكون عن الحب....
القى صبري نظرة مندهشة لوجه حبيب الغاضب وقال:
- غريب.. ها أنت تتحدث عن الحب وكأنك تعرفه...مع ذلك فعلي أن أوضح لك موقفي أو فلنقل طبيعتي وشخصيتي.. أنا أحب أكثر من فتاة وهذا لا يعني أنني غير مخلص لحب واحد.. فلكل فتاة درجة من درجات الحب... هناك فتاة لابد أن تتحدث اليها يوميا بشكل مستمر لتشعر بالراحة وأخرى يجب أن تلتقي بها باستمرار ليظل قلبك نشطا..وثالثة تمنحك حبا أموميا فتلجأ لها عند الحاجة والأوقات الصعبة..
كان شارع مبنى المفوضية مزدحما بآلاف من اللاجئين ، أشكالهم قذرة جدا وموظفوا المفوضية يعاملونهم باحتقار شديد وكأنهم جراثيم تنقل الطاعون... الموظف يرتدي يونيفورما أزرقا ويقف أمام الباب الحديدي بصرامة.. وهناك موظفة أخرى سمراء ونحيلة تسجل أسماء اللاجئين...لم تكن هناك أشجار لتستظل بها الجماهير من الصهد ، ومع ذلك فانتظار مائة دولار يمنحهم الصبر الكافي..مضت ساعتان دون أن يتم فتح الأبواب ، الموظف الذي أمام الباب التفت الى يساره ثم حمل جهاز اللاسلكي واستمع الى رطانة انجليزية ، فصاح بعدها للجماهير:
- تعالو يوم الخميس القادم .. فالمال لم يصل بعد...
صاحت الجماهير غضبا ... واقتربوا من الموظف بشكل ينبئ عن احتمال حدوث عنف ، حينها هرع ثلاثة حراس عسكريين ووجهوا اسلحتهم ناحية الجماهير التي تراجعت ذعرا...
الكثير من اللاجئين كانوا يعيشون في شارع المفوضية بشكل دائم..ينامون على الأرض ويتغوطون فيها أيضا ... فغادرت قلة المكان ؛ وكان حبيب وصبري من ضمنهم.
- الحزب يوفر لنا مأوى جماعيا جيدا...
قال حبيب ، وصعد مع صديقه الى الباص المزدحم...ولاحظ رجلا اربعينيا يلصق جسده بمؤخرة امرأة في مثل سنه... كانت صامتة ، ربما جزعة أو تخشى الاعتراض أو أنها مستمتعة...ورأى الرجل وقد ازداد جرأة لصمتها فأخذ يمسح بيده على خصر المرأة التي ظلت صامتة ثم يزيد من ضغط جسده على مؤخرتها.
- هل ستأتي غدا الى الجامعة؟
أجاب حبيب:
- نعم لا بأس فليس لدي برنامج أكثر لطفا...
***
مر الاسبوع الأول من بداية الدراسة بتسجيلات أنثوية ضعيفة ، غير أن الاسبوع الثاني شهد قفزة كمية ونوعية ، وقد كانت الفتيات في حجم واحد تقريبا ، الطول الذي لا يتجاوز المتر وخمسين سنتمتر ، والوجه الذي لم يبلغ كماله الأنثوي بعد. قال صبري بحزن عميق:
- ماذا سنفعل بعد أن تنتهي هذه السنة الأخيرة من دراستنا... سنفتقد كل هذا الحنان المتجدد...
- ستعمل وتتزوج امرأة واحدة وتستقر معها طول العمر ... حقيقة هذا تصور بشع جدا... خاصة بالنسبة لك...
ثم أضاف:
- ولي أيضا...
اتسعت عينا صبري وهو يحدق بعيدا ثم همس بشفتين مرتجفتين:
- يا إلهي... هل ترى ما أرى...؟
القى حبيب نظرة إلى فتاة تجلس منزوية على مقعد اسمنتي ، لم ير فيها شيئا جميلا فقال صبري:
- أنت أساسا لا تفهم في الجمال...تأمل قدميها فقط .. قدمان مكتنزتان .. وجه دائري بعينين واسعتين...ورموش كثة ... ماذا تريد أكثر من هذا...
تحركت الفتاة من مكانها واتجهت نحوهما فنبض قلب صبري بسرعة...ثم همس:
- هل تتجه نحونا أم أنني اهلوس...
قالت الفتاة:
- أنت حبيب أليس كذلك...لقد سمعت بك... وأنت صبري الولد النزق الكزانوفي ...
قال صبري بغضب مفتعل:
- هذا اتهام لا أقبله... أنت تعرفين يا آنستي أن القلب لا يعشق الا امرأة واحدة.... وللأسف لم أجدها حتى الآن...
قالت بغير اكتراث:
- ولن تجدها.. حقيقة أنا جئت من أجل اللقاء بحبيب...لقد سمعت عنه الكثير كطالب مجتهد...
قال صبري بانزعاج:
- هذا حظ العميان حقا ...
ونظر الى حبيب الذي بدا واجما .. ، فقالت الفتاة:
- أريدك في كلمة ..
ثم حدجت صبري بنظرة حانقة وقالت:
- لوحدك...
وحين غادرا غمغم صبري:
- أكيد من فتيات الشهادة العربية اللائي عشن في الخليج فصرن وقحات ومنغلقات الى درجة أن تهتم فيها بأحمق كحبيب... كم هي طريقة غريبة أن تستخدم هذه الفتاة اسلوبا مراوغا كهذا لتعلن عن رغبتها في إقامة علاقة عاطفية تحت ستار الدراسة...ياااه كم هذا كلاسيكي وتقليدي ...
كان يعتقد أن هذه العلاقات التي تعتمد على الرسمية لا طعم لها ، بل أنها مملة . وعلى الجانب الآخر كان القلق يأكل حبيب ، لم يخففه لطف الفتاة ولا ابتسامتها الواسعة الجميلة...وبعد أن حاول شرح ما ستواجهه الفتاة في الدراسة خلال سنواتها القادمة شعر بملل كبير يتعس قلبه ، فهو لا يملك تجربة تؤهله لحديث أكثر خفة ولطافة من جدية الحديث عن دراسة مملة استمرت لثلاثة أعوام ماضية... لقد تذكر حديث صبري عن كبت العاطفة ، وأحس في هذه اللحظة بالذات بصدق كلام صبري...كان هناك بؤس يتضخم داخل دماغه وهو يكتشف هذه الحقيقة... وانتهى هذا اللقاء المزعج بحصول الفتاة على رقم هاتفه.
***
غالبا ما يأتي اليانصيب لأشخاص لا يستحقونه .. أشخاص لا يملكون خيالا كافيا لاستثمار المال .. وغالبا ما يصل الى الحكم من هم أقل تأهيلا من الشعب لحكمه ...ولكن يا صديقي أن تحصل أنت على ياسمين فهذا أكثر مما يمكن تصديقه...
أجابه حبيب:
- لم أحصل على شيء هذه فتاة محترمة وهي علاقة زمالة أخوية على ما أعتقد...
كان يدرك أنه يكذب ؛ فهناك شوق يجرفه نحو الانتحار حتى يسمع صوتها... لم يكن شجاعا بما يكفي ليتصل بها ، والغريب أن صبري كان باستطاعته فعل ذلك بكل سهولة هذا إذا توقف هاتفه أساسا عن الرنين بالصدفة.
***
كان هناك شوق لرؤيتها ، ولأول مرة ارتدى ملابس جديدة كان يخبؤها لأي مناسبة مفاجئة ، تعطر وحلق لحيته وخرج قبل صديقه الحسود ، ليلتقي بياسمين.
كانت باحة الجامعة الواسعة حارة ، فقرر أن يطلب من ياسمين الذهاب الى كافتريا خارج الجامعة... وربما إذا حصل على المائة دولار فسوف يدعوها لعزومة في مطعم متوسط الاسعار. ربما لوجبة سمك إن كانت تحب السمك... صحيح أحس بارتجافة في ساقيه حينما رآها تجلس منزوية تحت شجرة توت لكنه لم يتردد للحظة ورسم ابتسامة واسعة على شفتيه ، لقد صدق صبري حينما رأها جميلة ، خبرة صبري الطويلة منحته قرون استشعار لتقييم الجمال افتقدها هو لانعدام خبرته.
كانت منكبة على قراءة كتاب فقال وهو يقف أمامها:
- صباح الخير يا ياسمين...
رفعت الفتاة رأسها وحدقت فيه بعينين مستريبتين ثم قالت بجفاء:
- نعم؟
أحس حينها بفقاعة ساخنة تجري في تلافيف دماغه ، فغادر بصمت وعادت هي لتنكب على قراءة كتابها.
كانت عيناه متسعتان من الدهشة ، كان مندهشا فقط ولا شيء آخر ، لماذا تصرفت معه هكذا وكأنها لا تعرفه؟ ما الخطأ الذي اقترفه ، هل لأنه لم يتصل بها البارحة ، نعم هذا هو السبب ، ولكن لا يمكن أن يكون هذا سببا كافيا لتعامله كما لو كان مغتصبا... تصاعدت الدماء في رأسه فاتجه الى الكشك وطلب كبتشينو ، ثم رأى يده وهي تصب كميات متتابعة من ملاعق السكر . قال البائع:
- أنت وصديقك ستكونان سبب اعلان افلاسي..
دار حبيب على عقبيه دون أن يسمع شيئا إلا حين صاح البائع:
- النقود..ثمن الكبتشينو يا حبيب.. ماذا دهاك اليوم؟
اخرج حبيب النقود وهو ساهم ومدها الى البائع ودار على عقبيه فصاح البائع مرة أخرى:
- الا تريد باقي المال؟
كانت شرايين رقبته تنتفخ من ضغط الدم ، جلس تحت ظل شجرة توت في زاوية خالية من الطلبة ، وأخذ يرشف من كوبه دون أن يتذوق شيئا ، هذه ستكون أول وآخر تجربة مع فتاة ، إذا كان الحب يتطلب تحمل مثل هذه الصدمات فمن الأجدى أن يلتفت لدروسه ، انقبض صدره حين رآها تمر من بعيد ، فغمغم:
- تبا لك...
ثم شعر بارتياح مفاجئ حين استبصر فكرة ضرورة أن يقلع عن هذا الوهم الذي يسمى الحب.
***
- لقد سرقوا حتى المائة دولار... الأمم المتحدة مرتع للفساد بكل وكالاتها...
قال صبري بغضب ، واستطرد:
- هاهو الخميس الذي وعدونا فيه باستلام المبلغ .. ومع ذلك قالوا بأنه لا توجد مبالغ وأنهم يعتذرون لنا... حتى اعتذارهم كان بأسلوب فج وكأننا حيوانات قذرة... الصلف والغرور والشعور بالفوقية والاستعلاء من قبل موظفي المفوضية مقرف جدا....لماذا هم كذلك؟
نظر إلى حبيب الذي كان يجلس أمام مكتبه مستذكرا دروسه بصمت.
- كنت أعول على هذا المبلغ كثيرا ... أنا على الحديدة .. بل على الهواء وليس الحديدة...لماذا لا تتحدث معي...؟ اذا كنت لا تسمعني أفلا تسمع رنين هاتفك الصامت بالخرص المزمن والذي لا قيمة له هذا...
انتبه حبيب لصوت الهاتف ، والداه لم يتصلا به منذ اسبوعين وكان هذا مقلقا ، وحين رفع الهاتف رأى اسم ياسمين ، أخذ ينظر الى الشاشة وهو يفكر في هذا الاتصال غير المتوقع ، لكنه كان قد حسم أمره تماما ... لا علاقات مرة أخرى... انتهى .. وأمام هذا الاصرار .. رد عليها بجفاء فجاءه صوتها ناعما وخانعا بشكل غريب حتى وكأنه صوت فتاة أخرى.
قال وعيناه تضيقان:
- من؟ هل انت ياسمين..؟
- نسيت صوتي بهذه السرعة؟
قالت بلوم يبطن الاعتذار والدلال ، فأجاب:
- لا ولكن صوتك مختلف قليلا...
- من أي ناحية؟
- لا أعرف... لكنه بدا لي مختلفا على أي حال...
تبادلا حديثا غرائبيا كروايات كافكا ، كان هو في حالة من عدم الفهم ، وكانت هي تجره الى ما قبل اليوم الذي حدث فيه ما حدث.... وبالفعل نجحت في إحياء نبضات خفيفة في قلبه من الأمل ، كانت لطيفة أكثر مما يمكن له تصوره. وحين انتهيا من حديث لم تحمل أي جملة منه أي معنى وإن كانت كل جمله منه في الواقع لها مغزاها الذي لا يمكن امساكه ولكن الشعور به فقط ، حين انتهى الحديث القى بجسده كصنم أثري على سريره وغاب في تأمل ما حدث.
***
جلسا سويا في الكازينو الصغير ، ورغم الحر الا ان نسمات مروحتين خففتا من الاجواء المختنقة قليلا ، قالت:
- هل قدمت للجوء سياسي؟
أجابها:
- نعم.. في الواقع انا مقبول منذ سنتين ولكن اعادة التوطين تأخرت .. أعتقد أن هذا افضل لي لأنني لا أريد ترك الدراسة...
- ستسافر؟
قالت بصوت حزين....أدرك أنها تعني علاقتهما ؛ لكنه فوجئ بصوتها يتهدج قبل أن تبكي وهي تقول من بين دموعها:
- هل ستتركني بعد كل هذا؟
شعر بتوتر يتسرب الى اعصابه حينما فاجأته ببكائها ؛ غمغم بشفة مرتجفة:
- لا لن أتركك .. سأخذك معي...
أمسكت كف يده لأول وقالت:
- هل ستفعل حقا يا حبيبي؟
دارت عيناه في محجريهما حينما سمعها تقول (حبيبي) ، وشعر بكفها البض الدافئ يحتوي أصبعين من راحته.
- لن أتركك بالتأكيد...
ازاحت يدها عن يده ثم ألقت برأسها على كتفه وهي مغمضة العينين.
إذن فهي تحبه؟... هذا مدهش حقا!!! ...
وحين أخبر صديقه الحسود بما حدث قال له هذا الأخير:
- الحب استعداد .. فهل أنت مستعد؟
أجابه:
- لا أعرف .. إنني خائف قليلا.. لكنني ... لكنني أشعر بسعادة تتسرب الى أعماقي وهذا شعور جميل...
***
جلسا صامتين ، مضت دقائق كأنها دهر ، حينها سمعها وهي تطلق ضحكة رنانة:
- كم أنت خجول يا حبيبي حبيب..
نظر اليها وقال:
- ربما .. صحيح أنا خجول...
صمتا مجددا ، إلا من صوت ارتشافها لمصاصة العصير ببطء... امسكت يده بيدها فشعر بسلام يغمره.
***
قال صبري:
- علينا أن نقدم شكوى الى الأمم المتحدة... ما يحدث في المفوضية مهزلة بكل المقاييس ، كيف يريدون توطنيننا هنا.. هنا حيث لا حقوق لنا... حتى العمل ممنوعون منه ... علينا أن نتخذ موقفا يا حبيب... أنت ذكي بما يكفي لتكتب لنا شكوى بعريضة نقدمها للأمم المتحدة...
قال حبيب:
- علينا أن نجمع تواقيع جميع اللاجئين الذين تقرر توطينهم هنا... وعلينا تكثيف الإعلام ومقابلة الصحف وارسال صورة من الشكوى لجميع المنظمات الانسانية الدولية ووسائل الإعلام... سأكتب الشكوى الآن...
تذكر أنه لم يتصل بياسمين فقرر فعل ذلك... ، كان جرسها يرن دون استجابة ...
جلس وبدأ في كتابة الشكوى ولكن بعد عشر دقائق تلقى اتصالا من ياسمين ؛ اتصالها هذا سيمنحه التركيز الكافي لكتابة شكوى مؤثرة جدا.
لكن صوتها جاء صارخا:
- ألا تفهم يا بني آدم أن للاتصال أوقات محددة... لماذا لا تمتلك ذوقا كافيا لتقدير مواعيد الاتصال....
قال بدهشة:
- ولكنها السابعة مساء...
قالت دون أن تتوقف عن الصراخ:
- لا اتصالات مسائية ... هل فهمت..بل ومن الأفضل ألا تتصل مطلقا...
ثم أغلقت الاتصال...
رمش بجفنيه عدة رمشات ثم دعك عينيه بيديه وفتحهما وأخذ ينظر الى الورقة البضاء أمامه...وفقد القدرة على الكتابة تماما.
***
هناك شيء ما جعله يشعر بنفور منها حينما رآها تجلس إلى زميل لها ، فقرر ألا يمر بها ، اتجه إلى الكشك ، واشترى كوب كبتشينو كالمعتاد ، رآها من بعيد وهي تمسك يد زميلها ، فشعر بانقباضة في صدره. أخذ يصب ملاعق السكر دون حساب فما كان من البائع الا أن أمسك يده وصاح:
- ماذا تفعل يا مجنون....توقف...
ثم أخذ منه الكوب وسكبه على جردل بلاستيكي وصب عليه كبتشينو آخر ثم وضع عليه ملعقتا سكر وقال:
- كيف كنت ستشرب كل ذلك السكر.. صدقني لا يهمني السكر نفسه ولكن ما تفعله سيضرك بشدة.... حاول أن تخفف من شرب السكر يا صديقي ..
صمت قليلا وأضاف:
- هناك حديث سمعته عن اعتبار السكر مسببا للسرطان...وأيضا هو يسبب مرض السكري..أنت شخص هادئ ولا اراك تمارس الرياضة فأين ستحرق كل هذا السكر.. صبري يحرق طاقته مع الفتيات أما أنت فشخص محترم...
القى نظرة الى ياسمين ورآها وهي لا تزال تضع يدها على يد زميلها....أحس بحنق شديد...ثم عاد إليه ذلك الإحساس بتفاهة العلاقات العاطفية وسخفها وضررها.....
***
كان الدكتور يلقي محاضرة شديدة البرود ، ليس هذا فحسب بل كان مصابا بالزكام ، وكان يخرج منديله كل خمس دقائق ثم يتمخط فيه بصوت عال ومقرف . كان صدر حبيب يزداد انقباضا كلما طافت صورة ياسمين وهي تمسك بيد زميلها فشرع في الخروج من القاعة وهو يرى نظرات الدكتور تتابعه بغضب ثم سمعه يقول بغضب:
- غير مسموح لك بحضور محاضراتي مرة أخرى...
لكنه لم يكترث فقد كان يختنق.
لفحه سموم ساخن في وجهه ، واتجه نحو بوابة الخروج من الجامعة ، حينها سمع صوتها يناديه ؛ فدار نحوها ورآها وهي تحث خطاها نحوه وهي مبتسمة.
اقتربت منه ثم نظرت في وجهه بدفقة حنان ومررت أصابعها في جبهته وقالت:
- كنت أبحث عنك...
لكنه ظل صامتا بوجه مكفهر ، قالت وصوتها يتهدج:
- أحتاج لك بشدة يا حبيب...
قال بغضب:
- لماذا كنت تمسكين يد ذلك الأحمق...
قالت بخوف:
- أنت تغير علي؟
وفجأة وأمام الملأ لفت يديها حول كتفيه واحتضنته وهي تبكي...
هذا فاجأه تماما ، فهم في مجتمع محافظ بل فوق هذا مجتمع متحفز جدا ويستثار من أي تصرف كتصرفها ، شعر بصدرها الطري في صدره ، ورائحة عطرها النفاذ تخترق خياشيمه بعنف ، نعم مجتمع محافظ وهذا مخيف ولكن هناك أنثى في حضنه وهذا ما لم يشعر به من قبل... هناك أنثى تبكي لأنها تحبه...وبآخر ما تبقى له من عقل ، حل ساعديها من كتفه وغادر بصمت.
***
الموقف كان مزعجا جدا بالنسبة له ، لقد ارتبك تماما وهو لا يعرف إن كان ما فعله صوابا أم خطأ ، أخذ دماغه يستعيد تلك اللحظة مرات ومرات ، وكانت النتيجة المتكررة أنه لم يكن يملك أي خيار سوى تركها بهذا الشكل... الحب استعداد .. لكنه أيضا يجب أن يبنى على توقعات منطقية ، ... هل هو يحبها؟ لقد بدأ يشك في ذلك حقا... الفتاة شديدة الأنوثة... ورائحة عطرها لا زالت عالقة في أنفه ، لقد أثارته أكثر من أحلامه الليلية. لكنه كان يشعر بتخبط عظيم ، الحب وهم لأنه مبني على انجذاب جنسي في المقام الأول؟ هكذا قرأ لفيلسوف عدمي ، لكن هل هذا صحيح.... كان يشعر بوخزات أشواك في رأسه ، فذهب الى الحمام ووقف تحت الدش ، الماء فاتر ومنعش ، لكنه لم يخفف التوتر كثيرا ، كان يشعر ببقعة سوداء أمام عينيه ، كانت البقعة تزداد اتساعا ، فخرج من الحمام واتجه الى المطبخ ، وضع البن على الكنكة ثم اشعل النار بيد مرتعشة. الحب شيء مرهق جدا.. انه تعذيب .. تعذيب ..
***
كان يجر رجليه جرا وهو يتجه الى الجامعة ، كان يأمل في ألا يراها... سيقطع هذه العلاقة للأبد.. سيحسم هذا العذاب كقائد عسكري.
رأى صبري واقفا تحت الشمس.. فاتجه نحوه ببطء ، قال:
- جيد أنك هنا... لقد تأخرت في النوم... هيا نحتسي بعض الشراب...
نظر صبري الى الأفق ثم قال بصوت خفيض:
-حبيب... لقد فكرت كثيرا في كيفية نقل هذا الخبر اليك... لكن على أية حال يجب أن تعرفه... لقد قفزت ياسمين من شرفة شقتها في الطابق الخامس ليلة أمس...
لف صبري ساعده على عنق حبيب وقال:
- ياسمين كانت مصابة باضراب نفسي يا صديقي...لقد علقت الإدارة نعيا لها على البورد...
دفعه صبري نحو الكشك وقال:
- شيء غريب يا صديقي..ان تكون أول تجربة لك في الحب بهذه القسوة...
صب البائع الكبتشينو على الكوب الورقي وقدمه لحبيب قائلا:
- لن تشرب سكرا كثيرا أليس كذلك...؟
قال حبيب:
- في الواقع لن أشرب السكر مطلقا .. السكر طاعون ...
ثم رشف رشفة من الكوب ونظر الى الأفق وقال:
- وكذلك الحب...
وشعر بنشوة عارمة تعتري جسده...
كان الأفق متسعا ورحبا في عينيه...

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
218
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى