نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أمل الكردفاني - الوعي بالشر والخير والجمال والقبح.. تأمل بسيط

  1. ✍ هل يستطيع الطفل التمييز بين الخير والشر؟ إن الطفل لا يملك ذلك الوعي بآلام النار الا اذا مد يده وجربها. مالذي يجعل طفلا ما يخاف ويصرخ داخل بيوت الاشباح في مدن الالعاب حين يشاهد تمثال دراكولا مصاص الدماء او صورة شيطانية؟ ولماذا لا يشعر بالخوف من امرأة لطيفة المظهر. هذا الأمر ليس بعيدا عن الحيوانات ، ففي مشاهد فديو ملتقطة بالصدفة تعاملت بعض الحيوانات مع الكائنات المولودة حديثا بشكل الطف من تعاملها مع الكبار. هناك غوريلا اخذت تحمي طفلا صغيرا سقط في بيتها داخل حديقة الحيوانات ، فحمته من الغوريلات الأخرى حتى تم انقاذه. لبؤة شرسة قتلت غزالة ولكنها أخذت تحمي صغير هذه الغزالة من باقي المفترسات. ما لا يمكننا فهمه هو الوعي بالشر على نحو قاطع إذا ما كان معتمدا على تجارب سابقة أما أن هناك انطباعا ما يدفعنا الى تقييم شيء او ظاهرة ما باعتبارها ظاهرة شريرة.
    هل لو كان الطفل يشاهد شخصية لطيفة تقوم بتعذيبه يوميا ؛ فهل سيضطرب فهمه للشر فيعتقد أن كل ما هو لطيف يمثل شرا. هذا الأمر يمكن ايجاده حتى عند البالغين ، فالفتاة التي تتعرض للغزل باستمرار من ذكور بالشارع يتشوه احساسها بأي كلمات لطيفة أخرى فتعتقد أنها كلمات ذات مغذى تحرشي حتى من زوجها. فكرة الجمال والقبح أيضا قد تعتمد على تجاربنا وخبراتنا مع الأشياء. فصوت الضب لا يختلف كثيرا عن شقشقة بعض العصافير ، لكن إحساسنا الجمالي يرتبط بشكل الضب المنفر عكس ذلك بالنسبة للعصفور. ماذا لو تأملنا بعض الأفلام الهوليودية الخيالية التي تعتمد على حدوث اجتياح لمدينة ما من قبل حيوانات كانت تبدو أليفة ولطيفة في السابق ولكنها ولأسباب ما صارت متوحشة وعدوانية وشريرة. فلنتخيل مثلا أن عصفور السنونو اللطيف صار يهاجم البشر بشكل قاتل عبر اسراب ضخمة ، أعتقد أن احساسنا بجمال صوت السنونو بعد ذلك سيتبدل تبدلا كبيرا. وبدلا عن احساسنا بجماله سنشعر به كانذار باقتراب الشر وحينها يتحول الى صوت قبيح جدا. فكرة بناء احساسنا بقبح الأشياء وجمالها وبشرها وبخيرها ملتصقة باختباراتنا السابقة.
    تخيل أنك جلست في مطعم وجاءك النادل ووضع طبقا مهدى لك من المطعم باعتبارك أول زبون. مددت يدك ورفعت غطاء الطبق لتشاهد ضفادع مشوية ومتبلة ومزوقة بالطماطم والخضار. فماذا سيكون رد فعلك.
    لا احتاج للإجابة ، لكن دعنا نبدل التصور قليلا ؛ تخيل أن صينيا هو من حصل على هذا الطبق ؛ فماذا سيكون رد فعله؟...
    ودعنا أيضا نستند إلى خبرات نظرية وثقافية محضة قد تقنعك بجمال او قبح شيء ما ؛ فبعض المسلمين يتقيؤون حين يعلمون أن ما أكلوه هو لحم خنزير ؛ ولكنهم يتلذذون بلحم البقر. على العكس من ذلك تكون استجابة الهندوسي لاكتشاف أن ما يأكله هو لحم بقر سلبية جدا.
    ربما لم يأكل المسلم لحم خنزير من قبل بل ولم يشاهد خنزيرا في حياته ، لكن ثقافته التي تكرر نجاسة هذا اللحم والمستمدة من الوصايا الدينية تؤثر على استجابته النفسية تجاه لحم الخنزير.
    في السودان الكثير من المنظومات الثقافية تتوارث رفضا لأكل لحم حيوان معين. كالتيوس مثلا ؛ في حين أن لحم التيوس هو المتفوق في دول الخليج. هناك مجتمعات في السودان تأكل الجراد وأخرى تأكل التماسيح ، وثالثة تأكل امعاء الخروف وهي نيئة . معرفة الخير والشر والجمال والقبح تعتمد كثيرا على التوارث الثقافي النظري والتجارب المادية. مع ذلك فقد تكون كل تجاربنا هذه مخاتلة وغير حقيقية. دماغ الإنسان يستخدم منطقا استقرائيا ؛ أي عبر تعميم الخاص. فالنار التي تحرق مرة ستحرق دائما ، ولو كانت النار الأولى في اقاصي الشرق والثانية في أقاصي الغرب. البحر مالح دائما ايا كان ، مادمنا قد تذوقنا يوما ما قطرة مالحة منه. وهكذا نقوم بشكل ما بتحديد خصائص الأشياء ونعمم أثرها. وهكذا فالشيء يجب أن يكون هو هو ولا شيء آخر. فإن تبدلت خصائصه ولو تبدلا بسيطا لم يعد هو. بل شيئا آخر مفارقا له. فالماء في النهر هو نفسه الماء في البحر ؛ لكن وجود ملح الصوديوم منح البحر ذاتية فارق بها النهر. هذا التعميم ينصرف الى الخير والشر والجمال والقبح. وحتى على النقد الأدبي والذائقة الفنية. إن تجربة جنسية سالبة يمكن أن تحدد موقف ناقد أدبي من نص تتكثف فيه ذات التجربة. وناقد أدبي مر بتجربة عاطفية ما لا يمكننا الجزم بأنه سيكون محايدا حين يمارس نقده على نص يشير إلى تجربة شبيهة. فالأحكام التي نطلقها على كل ما يفارق ذاتنا بل وحتى محايثا لذاتنا في بعض الأحيان ليست حيادية كما ندعي أو نحاول أن نكون حياديين تجاهها. تصوراتنا للشر وللخير والجمال وخبراتنا السابقة دائما تتدخل لتفرض مزاجية انحيازية. فالملحد يرى في الدين شر والمؤمن يرى في الإلحاد شر...، الملحد قد يعتبر عملا أدبيا ما من أعظم الأعمال الأدبية التي انجزت في الوقت الذي يراها المؤمن شيطانية وخبيثة.
    نعم لا توجد حيادية أبدا فنحن دائما غائبين داخل دواماتنا الثقافية الموروثة وتجاربنا التاريخية. وما نفعله في الواقع هو اطلاق احكام مستمرة بالخير والشر والجمال والقبح على كل ما يحيط بنا. ولكن ألا يوضح لنا هذا بجلاء: أن الخير او الشر أو الجمال أو القبح هي معايير ذاتية وشخصية جدا. ألا يعني أن الأشياء قد لا يكون لها علاقة بالجمال والقبح والشر والخير؟ ألا يعني ذلك أن كل هذا العالم داخلنا نحن ... ونحن في الواقع خارجه. ألا يعني أن فناء الانسان يعني فناء قيمة الأشياء أيضا.....
    سوف تظل الزهرة بائسة وحيدة دون أن تحصل يوما على التقدير المناسب إن انقرض الجنس البشري.
    وهذا اتعس ما يكون.

    عن الكاتب

    كاتب من السودان
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..