نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دريني خشبة - 2 - أبو تمام.. بين عبقريته وسرقاته

  1. استطاع أبو القاسم الآمدي أن يحشد لنا في كتابه الموازنة طائفة كبيرة جداً من أشعار أبي تمام التي سطا فيها على معاني غيره من الشعراء، والتي تركها تختمر في رأسه - كما يعبر الآمدي - أو التي اتكأ فيها على نفسه - كما يقول أبو بكر الصولي - حتى أخرجها آخر الأمر زائدة المعنى، أو معدولاً بها عن معناها الأصلي، أو مذهوباً بها تلك المذاهب الطريفة التي تصورها ابن الأثير، والتي قسمها إلى تلك الأقسام الخمسة: من نسخ، ومسخ، وسلخ؛ وأخذ المعنى مع الزيادة عليه، وعكس المعنى إلى ضده، على نحو ما بيناه في الكلمة السالفة. وكان ابن الأثير يضرب الأمثال لكل من هذه الأقسام بأبيات شائقة لشعراء مختلفين، وكان ما خص منها أبا تمام شيئاً كثيراً. وسنجهد هنا أن نطبق موازينه على السرقات التي أوردها الآمدي، لنرى أن أبا تمام كان يسرق حقاً، وكان يستر هذه السرقة فتخفي على الناس أحياناً، ثم تكشف عن نفسها أحياناً أُخرى، بل أحياناً كثيرة. . . وسنرى أنه كان يزيد في المعاني المسروقة معاني مبتكرة يوفي بها على غاية الحسن. . . بل يظهرها بها في صور عجيبة لا يقدر عليها إلا خيال فنان مبتكر، قادر على التوشية الحية، والتلوين البديع. وسنرى أيضاً أنه كان يغلو في صوره، حتى يجعلها ضرباً من الألغاز، يكاد ينقلب إلى ضرب من السخف، لما يحشد فيها من الإغراب والتعقيد. . . الأمر الذي جعل حساده يقولون فيه: إنه ابتعد عن عمود الشعر، لإسرافه في استعمال أدوات البديع. . . استعمالاً حسياً أحياناً، واستعمالاً معنوياً في أغلب الأحيان

    وسنرى كذلك أن أبا تمام كان يمسخ المعاني المسروقة، ويقصر بها عن صورها الأصلية الرائعة، وسنرى أن علامات السرقة التي نص عليها ابن الأثير، ولا سيما في السلخ بأنواعه، مستوفية في كثير من سرقات شاعر المعاني الخالد

    1 - فمن نسخ أبي تمام قوله:

    وركبٍ كأطراف الأسنة عَرَّسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه

    أخذ صدره من بيت كثير:

    وركب كأطراف الأسنة عَرَّسوا ... قلائص في أصلابهن نُحول

    وأخذ قوله:

    لما رأى الحرب رأْىَ العين نَوْفَلَسٌ ... والحرب مشتقة المعنى من الحَرَب

    من قول إبراهيم بن المهدي:

    ومسعر الحرب، واسم الحرب قد علموا ... لو ينفع العلم، مشتق من الحَرَب؟

    ولم ينفعه ستر السرقة بقوله مشتقة المعنى بدل اشتقاق الإسم وأخذ قوله:

    كأن بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرَّ من بينها البدر

    من قول جرير:

    أمسى بنوه وقد جلّت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر

    أو من قول مريم بنت طارق:

    كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى، فهوى من بينها القمر

    وأخذ قوله:

    وكانت لوعة ثم استقرت ... كذاك لكل سائلة قرار

    من قول الفرزدق:

    أنتم قرارة كل مدفع سوءةٍ ... ولكل سائلة تسير قرار

    وأخذ قوله، وهو يجمع بين النسخ والمسخ:

    فلو أبصرتهم والزائر يهم ... لما مِزْت الحميم من البعيد

    من قول محمد بن بشير الخارجي:

    وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام

    ولا غرو أن بيت الخارجي أروع!

    وأخذ قوله، وزاد في معناه وأبدع:

    تعوَّد بسط الكف حتى لو أنه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله

    من قول مسلم بن الوليد:

    ! لا يستطيع يزيد من طبيعته=عن المروءة والمعروف إحجاما

    والنسخ هنا كلى في المعنى، مع تجويد فيه، وتبديل للألفاظ وقوله في مغنية تغني بالفارسية:

    ولم أفهم معانيها ولكن ... شجت كبدي فلم أجهل شجاها

    من قول الحسين بن الضحاك في الظرف نفسه:

    ولا أفهم ما يعني ... مغنينا إذا غنَّى
    سوى أنيَ من حبي ... له، أستحسن المعنى!

    وذلك مما يلحق أيضاً بآخر ضروب السلخ عند ابن الأثير، وهو الأخذ عن معنى ثم الانتهاء إلى جنتين مختلفتين! والحقيقة أننا حرنا في أي القولين أشجى رأيهما أملح وأروح؟

    وأخذ صدر البيت التالي، وعدل بعجزه:

    لا يحسب الإقلال عُدْما، بل يرى ... أن المقل من المروءة معدم

    من قول أبي داود الإيادي:

    لا أعد الإقلال عدما، ولكن ... فقد من فقدته الإعدام

    وعجز بيته:

    فتى في يديه البأس يضحك والندى ... وفي سرجه بدر وليث غضنفر

    من بيت مسلم:

    تمضي المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرجه بدراً وضرغاما؟

    ونسخ هذين البيتين:

    ما اليوم أول توديعي ولا الثاني ... البين أكثر من شوقي وأحزاني
    وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تشافه بي أقصى خراسان

    من قول الأرقط بن دعبل:

    نهنه دموعك من سح وتسجام ... البين أكثر من شوقي وأسقامي
    وما أظن دموع العين راضية ... حتى تسح دما هطلا بتسجام

    ونسخ هذين البيتين:

    يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
    فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

    من قول النظار بين هاشم الأزدي:

    يعف المرء ما استحيا ويبقى ... نبات العود ما بقي اللحاء
    وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء زايله الحياء

    ولا يخفى أن تعبير أبي تمام أسلس، وإن لم يبق على معنى الأزدي المسكين!

    وقوله:

    إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد

    من قول أبي نؤاس:

    أبِنْ لي كيف صرت إلى حريمي ... ونجم الليل مكتحل بقار؟

    ولا يخفى أن أبا تمام وإن سرق من أبي نؤاس إلا إنه أجاد عنه ولم يقع فيما وقع هو فيه من قبح بتكحيل النجم بالقار - أي الزفت؟ -

    ونسخ قوله:

    حمراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغمام الرقرق

    من قول مسلم:

    صفراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغيوم البُجَّس

    وقوله:

    وأحسن من نوْر تُفتّحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب

    من قول الأخطل:

    رأين بياضاً في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب؟

    وقوله، وهو يجمع بين النسخ والسلخ:

    لو كان في الدنيا قبيل آخر ... بإزائهم ما كان فيها معدم

    من قول بشار:

    لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير

    ونختم هذه المنتخبات التي وضعناها في باب النسخ، والتي تخيرناها من أكثر من ألفى بيت مما حشد الآمدي من سرقات أبي تمام، بما رواه أبو محمد بن اليزيدي قال: قال دعبل: لما مات ذفافة العبسي رثاه أبو سلمى المزني، من ولد زهير، واسمه مكنف، وكان بينهما هجاء في إفحاش بقصيدة منها:

    أبعد أبي العباس يستعتب الدهر ... وما بعده للدهرُ عتبى ولا عذر
    ألا أيها الناعي ذفافة ذا الندى ... تعست وشلت من أناملك العشر
    ولا مطرت أرضاً سماء ولا جرت ... نجوم ولا لذت لشاربها الخمر
    كأن بني القعقاع بعد وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
    توفيت الآمال بعد ذفافة ... فأصبح في شغل عن السَّفر السَّفْر
    وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر

    قال أبو محمد: أنشدني دعبل هذه القصيدة ثم جعل يعجب من أبي تمام في ادعائه إياها وتغييره بعض أبياتها!

    وقصيدة أبي تمام التي يقصدها دعبل هي مرثيته الخالدة التي رثى بها محمد بن حميد الطوسي ومطلعها:

    كذا فليجل الخطب، وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

    والتي قهر بها أبو تمام أعداءه، بما أبدع فيها من معان، أقلقت بال دعبل، وسهدت جفنيه، فأخذ أبياتا من مرثيه أبي سلمى المزني في زفافه، وخلط بها روائع أبيات أبي تمام، ولا سيما:

    توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
    وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
    كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر

    ثم جعل يشنع بها على أبي تمام... ولو فطن إلى سرقات أبي تمام التي وقع عليها الآمدي في هذه المرثية، والتي أشرنا إلى بعضها في هذه الكلمة لكان خيرا له من ذلك التلفيق.

    وفي أخبار أبي تمام للصولي (ص201) أن محمداً بن موسى حدث بذلك الحسن بن وهب فقال: أما قصيدة مكنف هذه فأنا أعرفها، وشعر هذا الرجل عندي، وقد كان أبو تمام ينشدنيه، وما في قصيدته شيء مما في قصيدة أبي تمام، ولكن دعبلا خلط القصيدتين، إذ كانتا في وزن، وكانتا مرثيتين، ليكذب على أبي تمام!!

    وعلى هذا فليس في ذلك نسخ كما وهم بعض نقاد أبي تمام ومنهم الآمدي.

    (يتبع)



    مجلة الرسالة - العدد 595
    بتاريخ: 27 - 11 - 1944
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..