نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

بيتر نانزن - من كتاب الحب.. نقلا عن الترجمة الألمانية: أحمد شكري

  1. حبيبتي أشهى النساء إلى النفوس، لقد وهبني غيرها من النساء حبهن فكن يذهبن ويجئن، بعضهن مرة وبعضهن مراراً، أنني أشكر لهن جميعاً، ولكني كنت أنساهن حين يجاوزن عتبة الدار.

    على أنني كنت دائما مشغول الفكر بواحدة أخرى، أفكر فيها حتى وأنا مع غيرها، لأنها كانت المثل الذي أقيس علبه الأخريات فلا تستطيع إحداهن أن تكونه.

    هي واحدة ليس غير! كنت دائما أرجو أن أظفر بمرآها داخلة من الباب، فان جمالها كان يتجدد في كل مرة أراها.

    هي واحدة لا أكثر! كنت أرغب أن أحيا في ظلها، لأن العيش معها يفرغ على الحياة الجمال كله، ويبعث في أفقها أشعة شمس جديدة.

    هي واحدة لا أكثر! كنت أشتهي معها الموت، لأني وأنا بجانبها لا أعرف الخوف.

    اسم حبيبتي مارية، وهي أجمل النساء.

    لست أبالي الثناء الذي يضفي الشاعر حلته على حبيبته الوحيدة، لأن حكمه كحكم الفلاح الجاهل. وغالباً ينطق كل شيء بأنها لا تستحق كل تلك الكلمات الجميلة التي أغتصبها من اللغة لأجلها.

    إن الرجل الذي لا يعرف إلا لوناً واحداً ثم يزعم أن هذا اللون - وليكن الأحمر أو الأزرق أو الأصفر - هو أجمل الألوان، فان حكمه وإن اختلف عن حكم الأعمى، لا يعدو حكم الأعشى.

    ولو أن لي عشيقة تطمئن إلي وأنا أقول لها انك أول من أحببت، وأنت أنت الوحيدة التي أحببتها، وانك أجمل إنسانة. لو أنها اطمأنت إلى هذا القول لهانت علي وسللت ثوبي من ثوبها، إذ لو كانت على ثقة من قدرها، أو يعنيها أن يزداد حبي لها، لقالت: اتخذ لنفسك عشر عشيقات أو عشرين، واختر منهن من يقتتل عليها الرجال، فإذا ما ملكتهن جميعا ث رجعت إلي تصفني بأنني أجمل امرأة في الدنيا فعندئذ أفخر بذلك وأكون سعيدة.

    فأنا إن قلت لمارية أنها أجمل من أظلهن الأفق فليخفق قلبها خفقات السرور، فإني ما كنت الأمين في حبها إلا ساعة أيقنت أني أقول الحقيقة. ما عرفت أني جهرت بالحقيقة إلا حين شعرت بأني سأفقدها إلى الأبد.

    إنها تجربة الحب التي أرجو أن تقع لكل إنسان، إنها تجربة تبعث الألم لأنها من نار.

    الألم يفصح ويثمر، الحب الذي يذوي بالنزق، ينمو بالألم ويترعرع. فبوركت أيها الألم لأنك ثبّت في قلبي حب مارية.

    عرفتها وهي كالطفلة الغريرة الساذجة، وإني لأراها في ذلك اليوم وهي على ثقة من نفسها، فكانت تحاول أن تظهر كالمجربة، فكانت تتحدث عن الحياة كأنما سبرتها إلى الغور، ولاقت من التجاريب ما كشف لها عن الحياة وزورها، ووقفها على فتنتها وغرورها، فملّت كل شيء وكانت تؤكد - وهي تنظر بعينيها الصافيتين كعيون الأطفال - أنها تفكر حقا في الالتحاق بالدير، لأنها تعلم أن حياة التجرد الهادئة تعينها على احتمال البقية الباقية من الحياة التي فرضها عليها القضاء، فإنها كما كانت تؤكد، ترى أن السعادة في الحب، وقد فرغت من هذا الأمر منذ زمن وقالت: (لقد أحببت خطيبي، وكان طالباً، ولكني الآن أحتقره وأمقت عبارات الحب التي كان يقولها، إنني لا أصلح للحب)

    كانت تقول هذا بصوت خافت وقد احمرت وجنتاها وبرقت عيناها، وفي حياء المرأة التي لا تصلح إلا لشيء واحد. . . هو الحب.

    عندما وقفت تلك الفتاة الرشيقة أمامي تقص علي تجاريبها المحزنة شعرت بأنني أصبحت عاشقا.

    ما كان أجملها وعلى وجهها سمات الألم البريئة، وما كان أحلاها في ثوبها الجميل!

    لن أنسى ثوب مارية الجميل ساعة عرفتها لأول مرة. لقد جاء وقت كان فيه لمارية كثير من الثياب. ولكنها أجمل ما تكون في ذلك الثوب الذي كان وحيدها يومئذ. انه ثوب بسيط نصفه الأعلى صدار أبيض موشى له لمعة الحرير وإن لم يكن حريراً وتزر طوقه حول عنقها بمشبك دقيق مموه بالذهب.

    كانت ككل فتيات المدن الصغرى يخرجن يوم الأحد للنزهة فتسفر وجوههن عن الجمال و تنم ثيابهن عن معرفة أمهاتهن بقواعد الاقتصاد

    كان هذا الصدار بسيطا ومقبولا لدى الذوق، ولشد ما كانت تحرص على ألا يعلق به قذى. ولما أبى القدر القاسي إلا أن تقع عليه بعض قطرات من النبيذ نشطت في حماسة تغسل تلك البقع (الرذلة) متظاهرة بعدم المبالاة كأن لديها الكثير من الثياب الجميلة الغالية.

    يا لك من فتاة صغيرة جميلة لا تحسنين الكذب، فما كان أيسر على المرء أن يستشف قرارة نفسك وأنت منهمكة في التنظيف تؤكدين أنه لم يحدث ضرر لأن الثوب عتيق!

    هذا الثوب العتيق هو ثوبك الوحيد. . . . . تكاد الدموع تبتدر من عيني كلما خطر ببالي ذاك الخاطر. فمن خلال هذا الصدار الرقيق تروحت لأول مرة شذى جسمك الطيب وشعرت بدقات قلبك المضطربة

    في ذلك الوقت كنت أشعر بعطف على تلك الفتاة الصغيرة ذات الصدار الموشى التي كانت تتكلم كذوات السن من النساء، وأعتقد أن لهذا الصدار أثراً كبيراً في ليني ورقتي لمارية، هذا الصدار الذي كان مملكتها الوحيدة والذي كانت تحرص ألا يبلى

    يقف الرجال غالبا من النساء مواقف الأغبياء لأنهم يكثرون من الحرص والحذر، فالمرأة لا تريد أن تخدع بالكلام ولكنها تحب أن تؤخذ بالقوة فإنهن بلا استثناء يشعرن غريزة بأنهن الجنس الضعيف المغلوب ويردن أن يشعرن بإرادة الرجل وقوته مسيطرة عليهن، وتراهن لسبب لا يستطعن إيضاحه يحتقرن الرجل الذي يتذلل للحصول على رضاهن وهن يعتبرن الرجل الذي يرتد أمام فضائلهن غبياً، لأن هذه الفضائل، في رأيهن، ما عزت إلا لتخضع لليد القوية.

    لم أذهب مع مارية ذلك المذهب الحاد لأنني كنت واثقا من أنه سيأتي اليوم الذي ترتمي فيه من تلقاء نفسها بين ذراعي لأن هناك مكانها الطبيعي وقد عرفت ذلك من انكسارها أمام نظرتي وضغطها يدي، عرفت ذلك من أول يوم، إذ وقفت وراءها وهي لا تراني ولا تسمعني وإذا بجسمها يضطرب وتسري فيه الرعدة من فرع إلى قدم.

    لم تكن طريقة الهجوم هي الطريقة التي تتبع مع مارية، وقد رقق الصدار الموشى قلبي حتى أنني لم أرغب في أن أمتلكها على غرة.

    وكما أن البستاني يفرح بزهرة نادرة ويظل يرقبها يوماً بعد يوم وهي تنمو وتتفتح، فلا يلمسها بيده ولكنه يزيل من حولها العشب والأوراق التي تكتنفها وتضيق عليها، ويعرضها للضوء والحرارة ويتعهدها بالماء والعناية، هكذا ظللت أرقب مارية وهي تنمو وتتكون امرأة ويشتد غرامها.

    كان طبيعيا أن يأتي اليوم الذي تسقط فيه الزهرة بين يدي البستاني الذي ظل ينتظرها بصبر وأناة.

    طال صبر البستاني. وفي بعض الأوقات كانت مارية تجتذبني من ذراعي وقد ضرجت وجنتيها الحمرة وتقول لي وقد ملأتها سخرية بنات حواء: (هل أنت غبي؟)

    تظن المرأة أنها تتمتع باحترام الرجل لها وإعجابه بها إذا هي ظلت إلى اللحظة الأخيرة تمثل دور المستغواة، ويجمل بالمرأة ألا تتورط في استعمال هذه الألاعيب مع المجربين من الرجال.

    ربما كان لهذه الألاعيب تأثير في الذين يرون أنفسهم لصوصا حين يستحوذون على امرأة، ولكن هذه الخدع، التي لا تتنوع ولا تتغير، قد تهيج نفوسنا وتضطرنا إلى الغلظة في الكلام أو المعاملة، وهذا ينتقص الجمال الكامل ويشوه مظهره ويفقد المرأة كثيراً من الذكريات الجميلة في حياتها.

    مارية!! يا أرق إنسانة شعوراً! أشكرك لأنك أعفيتني من هذه الخدع والمهازل، من الحياء المتكلف، من الخوف المموه، من الدموع الكاذبة.

    مارية كانت لي! ولكني لم أكن لها، أو على الأقل كنت أعتقد ذلك وكانت هي تعرف هذا حتى أنها لا تطمئن إلى خروجي من الباب. إنني أعرف رأيها فقد صارحتني به مراراً ولم أحاول تفنيده لأنها كانت تعجبني كثيراً وهي تبدي رأيها.

    كانت شديدة الغيرة، ولكن بذكاء وروية وتسامح.

    كانت تعتقد أن لي في اليوم عشر عشيقات.

    أيتها الفتيات الصغيرات! إنكن تبالغن في مقدرة الرجل إلى حد بعيد، وتندفعن دائما وراء خيالكن.

    في هذه النقطة لم تكن مارية في شيمة غير شيمة بنات جنسها. كانت تزورني لا أقل من ست مرات في كل أسبوع وكانت تجدني كل مرة في انتظارها باشتياق، وبالرغم من هذا كانت تؤكد، وكذلك يقول كل الناس، أن لي عشرات العشيقات.

    لست أنكر أنني كنت أخون مارية في الحين بعد الحين ولكن كنت لها أكثر مما تظن.

    أما ما يقوله الناس فلست أباليه.

    كل الناس!

    عبارة أشمئز منها، ديدان تنساب إلى حياتنا المنزلية من ثقب الباب أو من فرجته وتجر معها شيئا من قاذوراتها.

    أحكموا إغلاق النوافذ والأبواب، حصنوا حياتكم الخاصة بالحديد والفولاذ، فأنكم بالرغم من ذلك ستجدون (كل الناس) واقفين ينظرون من الخارج ويظنون ظنون السوء ويعلق الوضر بأبوابكم أو نوافذكم.

    كل يوم أرى على زجاج نافذتي ذبابة تنفس بها العمر تبدو ضعيفة كأنها لا تستطيع الحراك، ولكني لا أكاد أقترب منها حتى تكون قد طارت بسرعة.

    إني أسمع طنينها واصطدامها بالزجاج فأفتح النوافذ جميعها وأطاردها بالمنشفة، فإذا بها تختفي فجأة تحت السرير أو وراء المرآة أو على إطار صورة حيث تقف لا تبدي صوتا.

    إنها لا تتركني وتلحق القذى بفراشي وأسمع طنينها المقلق فوق سريري كل يوم.

    وذات مساء بينما كانت مارية تنضو عنها ثيابها أمام المرآة وإذا بتلك الذبابة القبيحة تقع على جسمها الأبيض.

    أحمد شكري


    للكاتب النرويجي بيتر نانزن


    مجلة الرسالة - العدد 23
    بتاريخ: 11 - 12 - 1933
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..