نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

زهور كرام - الكتابة النسائية المغربية أفق مفتوح على التنوع

  1. تشكل المرأة موضوعا سجاليا في مستوى التغير الاجتماعي لأي مجتمع، على اعتبار أن تغير الصور الثابتة حولها من شأنه أن يحرر الذاكرة، ويهيئ التفكير لتقبل صور غير مألوفة. وإذا اعتاد التلقي، المرأة موضوعا يتم التعرض له في الإبداع والأساطير والحكايات، فإن المرأة عندما تكتب، وتُنتج الكتابة فإنها تغير موقعها داخل أشكال التعبير من موضوع إلى ذات، وتدفع بالتالي الفكر إلى النظر في وجودها كفاعلة.

    والمرأة المغربية عبرت عن موقعها باعتبارها ذاتا منتجة للكتابة عبر مراحل متعددة. كما يبدو في الرصد التالي:

    1. تجليات الحكي في كتابة المرأة قبل الاستقلال

    على الرغم من أن مجموعة من المقالات والكتابات المنشورة قبل الاستقلال تشير إلى ضعف الإنتاج الأدبي المغربي في هذه الفترة، وتتحدث عن أزمة الكتابة، وابتعاد الأدباء عن الانخراط في واقعهم الاجتماعي. بالإضافة إلى انتشار الأمية، فإن المرأة المغربية كتبت، ونشرت في هذه المرحلة، وعبرت عن طموحاتها بواسطة المقالة الاجتماعية، والنص الشعري والحكاية والقصة القصيرة وغير ذلك من الكتابات التي كانت تبحث عن الشكل المحتمل لاحتواء إبداعية المرأة.

    نلتقي في هذا الصدد بأسماء نسائية، أغنت هذه المرحلة بقلمها الذي وظفته للدفاع عن حق المرأة المغربية في التعليم، مثل باحثة الحاضرة الكاتبة "مليكة الفاسي" التي كتبت منذ الثلاثينيات مقالات عن ضرورة تعليم الفتاة، كما نشرت مثلما نجد في نصها السردي المنشور سنة 1938 "دار الفقيهة" الذي يعتبر عملا إبداعيا يتضمن مظاهر السيرة الذاتية، لتنخرط بعد ذلك في كتابة المقالة الاجتماعية التي كشفت عن هيمنة البعد الحكائي في طريقة كتابة المقالة، مما يجعلنا أمام احتمالية تفجير نص إبداعي سردي من رحم المقالة الصحفية. مثلما نجد في مقالتها "مأساة من مآسينا الاجتماعية" المنشورة بجريدة العلم سنة 1948 . كما نلتقي في هذه المرحلة بنصوص شعرية وأخرى سردية قصيرة مثل نص منشور بصفحة "حديقة المرأة" للكاتبة خديجة اللوه تحت عنوان "منظر الحقول غِبَّ المطر " وهو نص يتوفر على ملامح الكتابة الإبداعية، ويؤشر على أن كاتبته تتوفر على إمكانية التبليغ باللغة الإبداعية، من وصف للطبيعة إلى تراكيب جملية إبداعية، إلى خلق العلاقة بين ذات الكاتبة الحاضرة والحاكية وبين الطبيعة-الموضوع، والارتقاء بهذه العلاقة إلى التعبير الرومانسي.

    ولعل ظهور صفحات خاصة بالمرأة في بعض صحف هذه المرحلة قد ساهم في الدفع بالمرأة المغربية إلى التعبير من خلال هذه المنابر[1].

    2. الكتابة النسائية وبناء النص الأدبي
    شكلت تجربة كل من خناثة بنونة، وفاطمة الراوي وزينب فهمي (رفيقة الطبيعة) ومليكة العاصمي، وليلى أبو زيد تأسيسا فعليا للشكل الإبداعي السردي والشعري، اعتبارا لتوظيفهن للكتابة الإبداعية كمجال للتعبير عن قضايا وطنية وقومية واجتماعية ونقابية. وهذا ما يعطي لهذه المرحلة من علاقة المرأة المغربية بالكتابة أهميتها التاريخية باعتبارها بدأت منخرطة في أسئلة المرحلة.

    هكذا، نجد فاطمة الراوي تنطلق من مرجعية نقابية - عمالية لتشييد عالم حكاية روايتها "غذا تتبدل الأرض" (1967)، وتطرح عبر صوت المرأة أسئلة لها علاقة بمرحلة ما بعد الاستعمار الفرنسي، وبناء الموقف السياسي من التحولات التي عرفها المغرب إبان الاستقلال. وهو نفس الطرح الذي تطرقت إليه الكاتبة ليلة أبو زيد في روايتها " عام الفيل" (1983). وبهذا تكون الكاتبة المغربية، قد أدركت بعض أسباب عرقلة التطور المغربي مع زمن الاستقلال، حين انتبهت إلى التراجعات التي حصلت مع الاستقلال. فالكاتبة - الساردة في نص "غدا تتبدل الأرض" تنتقد الأب الذي بدأ يتعامل مع المعمرين الفرنسيين، وساردة ليلى أبو زيد تسخر من الأب الذي تغير مع الاستقلال، وتخلى عن مبادئه, وفي هذا شكل من أشكال التحرر من سلطة الأب، وما يوازيها من سلط مؤسسات أخرى، لتطرح الكاتبة الوطن باعتباره مسألة تعلو على الجميع.

    كما التقى الوطني بالقومي في كتابات خناثة بنونة "ليسقط الصمت" و"الغد والغضب" أما زينب فهي فإنها استثمرت المعيش اليومي للفئات الاجتماعية الفقيرة لتشكل نصوصها القصصية كما جاءت في مجموعتها "رجل وامرأة" (1969)، وتحت القنطرة (1976).

    غير أن هذه البداية نحو تأسيس المتخيل النسائي داخل نظام الأجناس الأدبية، سبقتها، أو تزامنت معها كتابات سردية أخرى تشكل - بدورها - مغامرة فنية إبداعية في تجربة المرأة المغربية، مثلما نجده مع أقصوصة "الملكة خناثة"(1) للكاتبة أمينه اللوه التي اعتمدت على الخلفية التاريخية لتأسيس بناء سردي إبداعي يعطي للمرأة سلطة التدبير ،والمساهمة في الحكم من خلال التخييل.

    3. الكتابة النسائية من التأسيس إلى التحول
    عندما نقوم بعملية إحصائية لأعمال الكاتبات المغربيات، سنلاحظ أن منتصف الثمانينيات - تقريبا - يشكل مرحلة تأسيس بداية التراكم المفتوح على التنوع في تجربة إبداع الكتابة لدى المرأة المغربية. وهو تراكم سيعرف تطورا كميا ونوعيا خاصة مع العقد التسعيني من القرن العشرين، وما يزال يعرف تحولات في هذا التطور.

    ولاشك، أن هناك شروطا محفزة على تحريك علاقة المرأة بالكتابة، والدفع بها نحو إغناء المشهد الثقافي المغربي، وهي شروط بعضها تتقاسمه التجربة المغربية مع التجارب العالمية، خاصة في ما يتعلق بانفتاح التفكير على صوت المرأة باعتبارها فاعلة في المجتمع والسياسة والمتخيل، وهو انفتاح مدعوم باتفاقيات دولية تخص -حقوقيا- أحقية المرأة في التعبير الحر. ثم هناك شروط سياقية ذات علاقة بانفتاح المغرب على مختلف أصواته المنتجة عبر الدفع بحرية التعبير نحو التحقق، وذلك من باب التجربة السياسية التي راهن عليها المغرب مع مرحلة الانتقال الديمقراطي، وعقد المصالحة بين الحاضر والماضي من أجل مستقبل كفيل باحتواء مختلف التعبيرات بنوع من المرونة.

    لقد انعكس هذا الانفتاح السياسي على الإبداعية النسائية، التي بدأت تعبر وتجرب التعبير من خلال أشكال نصية متعددة، من البوح إلى السير ذاتي إلى الاعترافات والشهادات والتي لها علاقة بكتابات الاعتقال التي منحت للكتابة الإبداعية معجما جديدا، وأسلوبا مختلفا في التعاطي مع المواضيع التي خرقت المسكوت عنه، وأصبحت طيّعة مع الكتابة خاصة الإبداعية، إلى كتابة الرواية وتطوير لغة الشعر، وتجريب الحكي بالقصة وقف أشكال متعددة ومتنوعة.

    ساهم في خلق هذا الجو انخراط الجامعة المغربية في أسئلة الكتابة النسائية، من خلال وحدات التكوين والبحث المتخصصة في الكتابة النسائية، وتحفيز الطلبة - الباحثين للاشتغال على النصوص النسائية، إلى جانب هيمنة المشاريع المتعلقة بوضع بيبليوغرافيا خاصة بإنتاجات المرأة. يدعم كل ذلك، تنظيم لقاءات وملتقيات تتمحور حول كتابة المرأة بالإضافة إلى دخول هذا التعبير "كتابة المرأة" إلى الدرس النقدي.

    هكذا نلتقي منذ العقد الأخير من القرن العشرين إلى الآن بعدد مهم من أسماء نسائية دخلت بقوة إلى المشهد الإبداعي ، فاعلة فيه عبر خصوصية كتابتها التي لا شك أنها تطرح أسئلة جديدة ومختلفة على النقد المغربي.

    يحفل المشهد الإبداعي النسائي بكتابة القصيدة الشعرية. فهناك أصوات رسخت للتجربة الشعرية وأخرى انخرطت منذ التسعينيات في تعزيز المشهد الشعري المغربي نلتقي بكل من مليكة العاصمي ووفاء العمراني وثريا مجدولين، حبيبة الصوفي، وعائشة لبصري ووداد بنموسى، وأمينة المريني والزهرة المنصوري وإكرام عبدي وحسنة عدي وسعاد بن داوود وحكيمة الشاوي وفاتحة مرشيد وأخريات كثيرات يكتبن بطرق مختلفة القصيدة الشعرية، ولكنهن يراكمن نصوصا أصبحت الآن مؤهلة للقراءة النقدية الموضوعية.

    كما استحوذت القصة على الكثير من الكاتبات اللواتي وجدن فيها مساحة لغوية لتشييد حكاياتهن مثلما نجد مع ربيعة ريحان التي حققت تراكما مهما، ولطيفة باقا التي تنتج القصة بتريث إبداعي، وزهرة زيراوي التي تفعل في هذا المشهد تراكما مهما، ورجاء الطالبي التي يلتقي في قصتها السردي بالشعري لتبدع نصا سرديا مهما يحتاج إلى الإصغاء النقدي، ولطيفة لبصير التي تدخل مع مجموعته الثانية تجربة التنويع في الكتابة القصصية، والراحلة مليكة مستظرف التي أغنت تجربة القصة القصيرة المغربية بانخراطها في المعيش اليومي للفئات المهمشة، بالإضافة إلى تجارب أخرى مهمة تعزز المشهد مثل مليكة نجيب وحنان درقاوي وفاطمة بوزيان وزهرة رميج ، ورهانات تجريب القصة القصيرة جدا، وأخريات قادمات بقوة من خلال مغامرة التجريب في النوع القصصي.

    أما الرواية، فقد ظهرت بعض النصوص التي تختلف في أسلوبها وتيماتها، وفي مرجعياتها أيضا، وهي نصوص بعضها يدخل في جنس الرواية، وآخر يمتزج فيه ما هو روائي بما هو سيرذاتي، والبعض الآخر يهيمن على سرديته البوح الاعترافي، وهي أشكال كتابية تُعبّر عن مسألة يبدو أنها مهمة في الكتابة الأدبية المغربية بشكل عام، وهي هذا التجريب المرن في الأشكال التعبيرية، نلتقي في صنف الرواية مع كل من ليلى أبو زيد التي تستمر في التعبير الإبداعي، ومليكة مستظرف التي تحكي بدون طابوهات و تجعل متخيلها حرا طليقا يؤسس الحكاية بعيدا عن أية رقابة كما في "جراح الروح والجسد" (1999). وخديجة مروازي التي تجعل من أدب السجن خلفية لبناء حكاية سيرة الرماد (2000) وحليمة زين العابدين في "هاجس العودة" (1998) وزهور كرام في "جسد ومدينة" (1996) و"قلادة قرنفل " (2004) ونزهة برادة في "رحيل قمر" (1994). وربيعة السالمي في "الجلادون" (1996) وفاتحة مرشيد في " لحظات لا غير"(2007)، وزهرة رميج في "أخاديد الأسوار"(2007) وأخريات بدأن ينخرطن في التعبير الروائي.

    يبقى أن نشير إلى أن الكاتبة المغربية التي تعبر باللغات الأجنبية خاصة الفرنسية، تمثل ظاهرة إبداعية ملفتة للنظر باعتبار ظهور كاتبات كثيرات دخلن عالم النشر بقوة.

    إن تأمل مشهد الكتابة النسائية بالمغرب من خلال هذا التطور التاريخي، يجعلنا نتفاءل بالإمكانيات الفنية والمعرفية والجمالية التي ينفتح عليها النص النسائي والتي تُغني المشهد الإبداعي المغربي بخصوصية، كما تساهم في تطوير أسئلة النقد الأدبي.


    [1] للمزيد من التعرف على الكاتبة المغربية في مرحلة ما قبل الاستقلال يمكن الرجوع إلى كتابنا: كرام (زهور): خطاب ربات الخدور: مقاربة في القول النسائي العربي والمغربي، دار الرؤيا بالقاهرة، الطبعة الأولى: 2009


    (1) نشرت الأقصوصة مسلسلة في مجلة صحراء المغرب سنة 1957.


    زهور كرام: الكتابة النسائية المغربية أفق مفتوح على التنوع
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..