نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

محمد حيدار - المثول بين يدي النعمان السابع عشر..

  1. ما قبل الصمـت
    حين حيتك أميرة المدائن اقتنصت بأفق عينيك إشارة اغتراب غير مدبلج بسمتك تبدو متكلفة. وكعلم منكس كان أحد شاربيك معقوصا إلى أسفل.
    نظراتك هروبية لا تعكس لفحا مقدسا خالص الوميض.
    الزمن دخل طور التركيب في نظرك. جاوز إنسابية تغريك كنفس يرفض سبـق الإصرار في رسم آلاتي. و آلاتي زئبقي يأبى الثبات..
    ليلا تزور الأميرة سجنك المعتقدي خلسة، فور أن ينام عميـد كهنـة النار ويلغي قائد الفيلة بقايا الطواريء.
    وئيدة خطاك هذه المرة. ومن جانب واحد إعتزمت عدم الإلتفات كمـا توقعت سيدة المدائن.
    لكم حز في وجدانها أن يتعاطى مغترب مثلك، ملحق بديوان الأبراق المبكر، أمامية السير على مرأى منها. محياك يرسم مركز جذب يأسر حواسها. مزمن صوتك يثقل حيرتها. ومن وراء القضبان لاحقك صوتها ناعما تمخره غنـة:
    ــ لقيـــط.
    بإشارة منك رحبت بكلمتها دون أن تمارس حقك في الكلام
    ــ بلغني أنك تركب الكتابة ليلا ؟!
    ومنك دنـت لتفاجئك بالسؤال:
    ــ أهو نشيد آخر لإستنفار قومك بني إياد ؟!
    ونفيا هززت سبابتك وتمتمت في سرك
    ((وهل بقيت من بين قبائلنا من تحسن النفير يا مولاتي ؟!))
    أيقنت أنك تحادث نفسك في صمت كدأبك.
    بك الأمس يعرج والأمس أفلس تحت حوافر خيل الأساورة
    الصمت منك يصيغ تمثالا عديم القدوسية، بأثر رجعي نظراتها المثقلة بخرافية السند تلغي الذي أقدمت عليه، يكبر وجيبك نحوها لولا نوازع الحجر والحجر دائما يزحزح النقيض.
    موقفك من النار يحرج كبرياءها و نار الذات لا تفتأ تثأر منك.
    ودون أن تصارحك أكدت لنفسها أنك طوال هجرتك في أرض فارس مارست جاهليتك باسم مستعار.
    خطبة لموسم آخـر:
    رصاصي الصمت يثقل زيدا، إلى وشوشة الريح من خلفه أنصت في إنصراف كلي، وإليه تناهت كلمات مـالك بن قنــان:
    ــ عجزت فراديس كسرى عن أن تفقد لقيطا إنتماءه الى قبيلته إذن؟
    شيخ أياد زفر في ضيـق:
    ــ لقد تنصل من إياديته وصار مجوسيا ؟!
    قبل أن يلقي قصيدته في وصف فيضان الفرات قال راوية أبي دؤاد:
    ــ لعله يشفق على الفرس من واقعة كدير الجماجم؟
    وقـال زيــد:
    ــ صدق ايادية لقيط سينذر الزعامات المفتعلة في القبيلة بالزوال.
    وقهقـه ثعلبـة:
    ـــ أدري لما يستفزك انتقاصنا من إيادية لقيط يا زيد القنا.
    وانتهى به صمته إلى قول ثعلبة:
    ــ موقفنا سيُحرج وجوده بالمدائن إذ لطالما انتحل تمثيل القبيلة لدى كسرى في غيابنا.
    ــ قبيلتنا لاتقر بتمثيلها إلا لمن تأبط هدايا الملوك، وأحسن منادمتها، بدل أن تناله نقمتها، ثم تمتد هذه النقمة الى قومــه.
    وبادله شيخ القبيلة فكرته.
    ومجددا دعا ثعلبة بخمر. وانتظر كلمات مالك بن قنان الذي قال:
    ــ لقيط لم يزد على أن نصحكم.
    واحتد شيخ إياد:
    ــ نصحنا بإسناد أمورنا إليك، أو إلى زيد القنا؟!
    وتراجع مواصلا وهو يقهقه ساخرا:
    ــ وكأن المجد مقتصر عليكما ؟!
    من متـون السيـرة:
    قبل أن تأذن لنفسك بتأبين إياد تأبينا مسبقا، تذكرت ليلة القبيلة الجار. و صراخ الحبيبة التوأم بأروقة النعمان السابع عشر، و جروحا تشجرت على ذراعك منذ نهايات الرحيل عن تهامة.
    وقبل أن تستبدل هويتك، أحسنت النظر إلى مديونية اللجوء إلى قبائل ربيعة. حينها كانت فيألق اللفيف القومي في مضارب غسان ــ التي قيل إن معظمها قد تجنس في أزمنة القحط الكبرى ــ تنعي رفضك للتجنيد.
    ليلا سلمك زيد القنا حكما قضائيا بالإبعاد، مدانا صرت بالصعلكة غير الرسمية، وبتحويل قافلة بزنطية مهتمة بتأمين الحجيج إلى مكة؛
    وخارج القبيلة أعلنت حقيقتك. وبأنهج (الحيرة) احترفت التشبيب والصلاة ولعبة الرمح المحظورة. جاليتك تلبست بحسن استقبال سيف بن ذي يزن في منفاه الثاني.وبعض من تعرفهم يحفظون مراثي النعمان السرية في عدي بن زيد بعد صلبه إياه، يدعون إلى حرق كتب النابغة الذبياني الذي قال بثنائية الإمامة في آخر اعتذارياته الملغاة.
    في بهو قصر الخورنق، حيث إتُهمتَ بالنبوة والسياسة والسفاح العلني، أنصت النعمان إلى مدير مخابراته فيـك. وأكدت كاهنة إياد لجلاّسها، أنك ستعتـزل كثيرا من إياديتك بعد أن تطفلت على منتديات علم الأديان المقارن. و حبك من نظرة أولى لا يرسم خط رجعة في حال الرحيل إلى ( الحيرة).
    بكوخ أقمتموه للزهد والفراسة والشراب، نسبت وسطى المعلقات إلى الأميرة (ماء السماء) ليس حبا في النعمان، ولكن فقط لتغيض أميرة المدائن. في ذكرى رحيلك تنصرت سرا. و سرا أقالتك الكنائس الرسمية في مؤتمر عاجل، وعوض أن تعتنق نار المدائن انتقاما من القسطنطينية أقمت لنفسك إلها من صنع محلي، أسميته (ذا الكعبات).
    وقبل إبحارك إلى المدائن، وضعت حاشية لآخر البكائيات الحرة التي ينوي الديان بن جندل نظمها في فدائيات ذهل بني شيـبان.
    يومها ركبت رغبتك في الصعود. والصعود احتراق تمارسه النفس المغامرة. وأدركت لأول مرة أن للعيون الفارسية قانونها في المحاصرة، في نظراتها المشبعة بشموخ الهمالايا و تموج بحر قزوين، تتمرجع أناشيد زرداشت و إصحاح مزدك، و ثالوثات هرمس.
    زادك من النظرة الأولى ظل يصارع الماثل، و في نهايات العام حاولت أن ترحل، لولا أن نبضك المتصاعد ألغى تراتيب الرحيل.
    ودون أن تصير في عداد وفد القبيلة الأم، دخلت إيوان الشرق بكوفية مستعارة. وحيتك وصيفة الجناح دون أن تتقزز كما توهمت.
    على جانبيك عبقت مربعات النار. وعلق أنوشراون شخصيا وهو يتصفح أوراق إنتمائك:
    ــ خريج معهد الحيرة؟!
    وثالثة قبلت الأرض، إلى أن أعادك ضباط في زي مدني إلى سابق وضعك.
    وأضاف انوشروان مستدركا:
    ــ ولكنك من إياد يا فتى؟! وإياد وحدها ترفض المثول من خرائطنا!
    ــ أنا من بشائر البث الأمامي للزحف الناري يا مولاي.
    ومن يومها صرت كسرى بطريقة أخرى.
    مجالس السمر والإفتاء:
    زيد عاود قراءة ما بيده من أناشيد لقيط وقال:
    ــ نصح بأن نولي أمرنا محاربا مجربا.
    وتعالى صوت شيخ القبيلة:
    ـ وليس بمترف ولا أدرى مـا وجه تجربته
    إن كان حديث عهد بقيادة القبيلة؟.
    وأكمـل زيد نصيحة لقيط:
    ــ ولا بذليل تخضعه الشدة.
    أزبـد ثعلبة:
    ــ الشدة لا تخضع إلا السوقة يا زيد
    وتحرك راوية أبي دؤاد:
    ــ لن نقاسم لقيطا شروطه وسنن القيادة قد حددتها
    قصائد الثنـاء والمديح عنـدنا.
    وثانية شك زيد في جنسية الخمر التي يعاقرها ثعلبة، و قال شيخ القبيلة:
    ــ لا أعتقد أن للقيط من الولاء لنا ما يدفعه للمغامرة بوظيفته السامية في ايوان كسرى، فالرجل من أقرب المقربين؟
    ــ ظن أن مبادرته ستبقى في طي الكتمان وأن بني إياد خالية من عيون كسرى.
    وإرتبك ثعلبة:
    ــ ولكن لإياد مصالحها المشتركة مع المدائن يا زيد؟ ففارس هي مصدر التسليح والغـذاء والـرأي.
    ولاحظ شيخ القبيلة:
    ــ ثم أشار لقيط بإسناد أمورنا إلى رجل لا ينام، أحقا يوجد
    بيننا من لا ينام يا بني إيـاد؟!
    وتضاحك ثعلبـة:
    ــ لعل الرجل يعني كلابنا، فهي وحدها التي لا تنام!
    من تراتيـل الــذات:
    في إحدى حانات النار غنيت أنشودة الحكيم الإيادي قبل أزمنـة الولاء:
    كان منـــــــــــا
    أجــود الناس
    كعب بن مامة
    و أشعر الناس
    أبـــــــــــو دؤاد
    و أفصح الناس
    قس بن ســـاعدة


    وضاحكا قال لك نديمك:
    ــ ولم يبق منكم إلا ابن ألغـز.
    وفي عربدة لعـنت الجود والفصاحة والشعر، وفي (عمرة) أعدت التفكير، و(عمرة) حجر ميناء قبيلة هجرته
    السفن تباعـا نحو الصيـد والشقـرة والخرافة، والعيون الظليلة مع بدايات الأشهر نصف الحرم.
    في هجرتك اصطحبت نموذجا مصغرا للحجر. وحين أهدر شيخ إياد دمك لتعاطيك بعد النظر قبل البلوغ ــ أخفيت الحجر في قلنسوة جلبابك على غرار ما تفعلون ببقايـا التمــر.
    ليلا شقت سفنك العباب يناوشها الريح ونباح كلاب عرفجة بن وائل. حينها أهديت الكلاب بعض زادك لتروضها على مسالمة الفارين من قبضة ثعلبة، وثعلبة أحب بهارج الروم، ومنذ صباه إجتذبته أسواق بني قريضة، للمرة الألف أنذرك بوجوب نفي الإعتقاد في إمامة هرم بن سنان و الحارث بن عوف، زاجرا قال لك :
    ــ الجزيرة لا تتسع لقنصلين مستقلين كـ (روما) و(قرطاجة).
    كرنافـال المدائــن أخفـق فـي محـو عـادات الإرتـداد فيــك،فارسيــا صـرت إلا فـي أشيائــك الصغيــرة المهملــــة،
    وخامــات الزجــل الفطــري.كاهنة إياد قالت لك قبل الرحيل الأول:
    ــ إذا تشعب القلب تجزأت الـرؤى.
    السـر في حليمـة:
    جماعيا أنصتم إلى كلام شيخ إياد:
    ــ روى الحارث أن موقف لقيط قد شذ عن
    تقاليد الأدمغـة المهاجرة.
    وقال ثعلبـة:
    ــ هذا الأبله كان عليه أن يحترف المعارضة
    ويقتحم قبيلته ليلا على صهوة فيل فارسي مدرع.
    كاي معارض محنك.
    وأكمل شيخ إياد:
    ــ عوض أن يتعاطى الحكمة في زمن المغامرة.
    قال مالك:
    ــ عادة لا أثق في الذين أعيد تركيبهم يا زيد.
    لكن أمر لقيط يبدو مختلفا.
    أيقن زيد أن بني إياد أسقطت العمل بأناشيد لقيط
    ولم تعاود القسم خلف جفان دمائها، وبعنف ينتهره السؤال:
    ــ من سيحارب بني إياد بديلا عن كسرى هذه المرة ؟!
    ــ مالك بن حارثة هو من يقود جيش الأساورة لحربنا.
    همهم مالك بن قنان؛ وقع كلماته أجلس زيدا فشارك ثعلبة بعض شرابه،
    وعرفجة يهامس الذي يليه:
    ــ استدعت غسان كبيرعيونها من المدائن للتشاور.
    ــ غسان تحكم أنفاسها معاهدة حروب اليمن،لا تنتظر منها جديدا.
    رد زيد وإستزاد ثعلبة خمرا.
    ــ ولكنها استأنفت الترحم على قتيلي يوم الحارثين
    أردف ثعلبة وبكى زيد قتيليه بأدمع أولى وقاطعه مالك بن قنان:
    ــ أنت من قاد ساريته نحو غسان يوم فاتنة الشام حليمة.
    واعترف زيد فقال:
    ـ وأنا من أبكاها بأمر سري من كسرى وهو ما يبكيني الأن
    ــ وحليمة بكت لأن الروم وصفت المعركة بالحرب الأهلية
    ــ ساعتها كنت أجهل مصطلحات الحرب يا مالك.
    وأحضرتم كاهنة إياد للمرة العاشرة، فقالت بعد إغفاء مطول:
    ــ لقيط أهداكم أحد أصغريه أهداكم لسانه.
    لعنـة الفصاحـة:
    في غفلة من محلفي النار زارتك أميرة المدائن، ولكيلا تُتهم بالمروق القومي بكتك فقط بين يدي نفسها، متعاون غساني أبرق إلى روما بالنفيرقالت لك الأميرة شبه معاتبة:
    ــ في مطلع قصيدتك ركبك الحنين إلى دار (عمرة)؟‍‍‍‍‌‌‍!
    ــ هـا. ووا. ووا. هـا.
    السؤال أجفلك وصعدت السكوت كدأبك، عيناها تجتثان مخلفات النظرة الأولى وأردفت في حنق:
    ــ أين تختزن ثرثرتــك؟!
    ــ هـاو. ووا. ووا. هـا.
    خلف ندوات قس بن ساعدة إرتحل خلدك، و لعنت الفصاحة مرتين ،إمتناعك عن الكلام يوزع الريبة عبر أجنحة المعتقل، و سيدة المدائن يدمي صمتُك دلالهــا قالت:
    ــ هل سرّبت خطة هجوم جيشنا إلى قومك فعلا؟!
    ــ هـا. ووا. ووا. هـا.
    ــ ألست بمتجنس قديم العهد بديوان المدائن؟!.
    ــ هـا. ووا. ووا. هـا.
    ـ ربما صرت نصف مغترب فانخدعنا فيك؟!
    ــ هـا. ووا. ووا. هـا.
    ــ إياد رفضت نصيحتك لأنك خالفت المواثيق الدولية؛
    ثم أعلنت خلعك. تكلم أرجوك.
    ــ هـا. ووا. و وا. هـا.
    وبكت علنا دون أن تخشى هجاء المعارضة، أحقا هناك من يبكيك؟ قبل أن تتلقى منك مراسم الإنصراف أومأت بإحتجاز أوراقك. وببسمة غير رسمية شيعتها.
    هل اكتشفت زيف ولائك لمقدسات الـدول الكبرى؟ عبثا حاولت أن تنحت ربـا ثالثا بين الخارطتين، الصليب نبذك بعيدا والأميرة شكّت في ناريتك الكلية، ومذكراتك لا تحدد حاضرك الإعتقادي عكس عدي ابن زيد. والقبيلة أعلنت خلعك لأن قصيدتك تهدد السلام في آسيا.
    وفي إنتظار قمة أخرى لتبادل السبايا سيدعو إليها خطيب قبيلة مزينة، تشذرت بقايا إياد عبر تماسات الجزيرة، تلاحق سراهـا خرائط العمليات الكبرى والعيون المأجورة سلفا، وأبواق النفير المرتزق.
    وخوفا من الساسانيين العرب، ألحقت إياد بالبزنطيين العرب ليؤذن لها بالرحيل ليلا إلى الحبشة. وهناك أعلنت قوميتها الأخرى.
    ــ المجون المقارن يبيـد النظرة الأولى.
    أوصتك كاهنة إيـاد.
    ــ لن تعود إلا و كلاب عرفجة أفصح منـك.
    ولما فتحت فاك لاحظت الأميرة خلوه من عضلة اللسـان؛ فصاحـت :
    ــ بسكين من أعدم كسرى فصاحتـك ؟!حين قطع لسانك؟؟
    وعوض أن تشاركها البكاء شممـت الحجـر، فانصرفت وهـي تقـول:
    ــ هـذا شنيـع فأنت لست صحافيا ليُقطع لسانـك.

    القاهرة 1983
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..