نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

مليكة مستظرف - مأدبة الدم.. قصة قصيرة

  1. الى كريمة:
    قال شكسبير:”دعونا لا نثقل ذاكرتنا بعبء مضى”…

    لكن مثلي يجب أن يظل مثقلا بذاكرته حتى لا أنسى أنك ذات رمضان اقتطعت جزءا من جسدك لتمنحيني الحياة. كيف لي أن اهرب منك وانت ستكنيني؟
    أخذت الأنبوب الزجاجي الشفاف الذي أعطتني إياه الطبيبة, ودخلت إلى مرحاض المستشفى الحكومي. كان نتنا ومتعفنا. وضعت أصابعي المتورمة على أنفي اتقاء لتلك الرائحة النفاذة. على العموم أنا لست من هواة الجلوس في المراحيض, بخلاف زوجتي التي لا يحلو لها تصفح كتب الطبخ إلا هناك.ناولت الطبيبة الأنبوب الزجاجي, أخذت تتأمل ذلك السائل البني الممزوج بالدم, مطت شفتها السفلى ربما امتعاضا أو قرفا, لا أدري منذ شهر تقريبا.. لا ليس شهرا بل عشرين يوما بالتحديد, بعد زواجي بـأسبوع واحد فقط, أخذت أحس بألم أسفل الظهر..ألم شديد قوي..يعتصرني..ينهشني..يشلني.. يمتد إلى بطني ومثانتي. أزحف إلى المرحاض , عملية التبول أصبحت بالنسبة لي عملا شاقا, تنزل قطرات بنية تؤلمني كفلفل حار. جدتي كانت تخلط أعشابا عجيبة مرة مقيتة, تفرغها في جوفي دفعة واحدة, الجيران كذلك أصبحوا يخترعون و صفات غريبة أخرى ويأتون بها, وأنا أصبحت فأر تجارب بوجه منتفخ أصفر مطلي بالزعفران. أمي قالت: “ العروسة قدامها كحلين”. الفقيه السوسي قال إنه “التوكال”* نزع عني ملابسي, كان يحرك شفتيه الزرقاوين, ويغلق عينيه تارة ويفتحهما تارة أخرى.أنظر إليه بوهن يعبث بجسمي.عليك اللعنة ، لو كنت في كامل قوتي لكسرت عظامك.هذا الألم يعود ثانية, أصرخ وأصرخ, الفقيه السوسي يقول التوكال. أمي تتهم زوجتي.. زوجتي تنكمش, تخاف, تبكي..تقسم على المصحف أنها لم تؤذني… سباب بينها وبين أختي, يتحول الأمر إلى معركة بالأيدي. وسب في دين أمي.. وأنا مسجى على ظهري أحس بالاختناق. الطبيبة تلمس بأصابعها الباردة جسمي, تضغط على ظهري, بطني, مثانتي, وكل شيء. يحمر وجهي خجلا, هي لا يحمر وجهها, لقد تعودت على ذلك. وجهها مستطيل وأبيض بلون الورق. لو رأتها جدتي لأعطتها إحدى وصفاتها العجيبة حتى يصبح وجهها موردا.
    نمت على سرير المستشفى, كان أشد نتانة من المرحاض. بقع دم متجمدة على السرير, آثار بول.. تأففت. نظر إلي شخص مستلق على السرير المجاور, يمص سيجارة رخيصة, يحاول أن يخفيها عن الممرض الرئيسي. قال لي ستتعود. الطبيبة كذلك قالت لي ستتعود. أخبرتني أنني مصاب بالفشل الكلوي المزمن. هززت كتفي بلا مبالاة. هل هذا المرض أخطر من المصرانة الزايدة*؟ لا أظن. كل ما في الأمر, ستعطيني أدوية وحقنا لمدة شهر أو أسبوع وبعدها أصبح “بحال العود”, كما يحلو لوالدتي أن تسميني, وسأعود لبيتي هناك في “بني ملال” حيث تنتظرني زوجتي. سننجب نصف دزينة من الأطفال لكن الطبيبة تتكلم عن أشياء وقعها غريب عن أذني, تصفية الدم , كلية اصطناعية, أنابيب, عملية بسيطة في اليد, وستتردد على المستشفى مرتين في الأسبوع, ستحضر من بني ملال إلى البيضاء.أبي قال ”مالك فيك السيدا؟ إذا كنت تعاني من “الكلاوي” سآخذك إلى سيدي حرازم* . لم يذهب أحد هناك إلا وشفي.ثم أنا لا أثق بهذه الطبيبة. المرأة عموما لم تخلق لتكون طبيبة. ثم ما علاقة الكلى بهذا الاختناق الذي تحسه ويمنعك من النوم؟ أنت تعاني من الضيقة”. الألم يعود أشد قسوة, أشد ضراوة, يمنعني من التفكير و التركيز, هل أسمع كلام الطبيبة أم اختار كلام أبي؟الرجل الذي ينام على السرير المجاور, والذي يمص سيجارته الرخيصة التي تزيد إحساسي بالاختناق, قال لي أنت لا تملك حق الاختيار, يمكنك فقط أن تختار بين أن تموت فورا ولمرة واحدة, أو تموت بالتقسيط على مدى شهور وسنوات. الموت سيتسلل عبر مسامك, سينخر عظامك وصدرك وقلبك, وسيأكل من نفس صحنك, ويتسرب عبر مسامك, سينخر عظامك و صدرك وقلبك, وسيأكل من نفس صحنك, و يتسرب إليك عبر الهواء الذي تتنفسه. وبعد ذلك ستتعود على وجوده, ستصاحبه وتستأنس به, ولأن الموت جبان وغدار, سيأتيك من الخلف ويغدر بك, وسيلعب عزرائيل لعبته معك حين لا تنتظره, إنه يأتي دائما حين لا ننتظره. وسيأخذونك لمثواك الأخير ويضعون على جسمك حجرا كبيرا حتى يتأكدوا من عدم رجوعك, ويذرفون عليك دمعتين, ويأكلون كسكسا لذيذا ويشربون كثيرا من القهوة السوداء ترحما عليك, في حين أنك ساعتها تقدم كشف حساب عن تصرفاتك في الدنيا.
    صمت قليلا, أطفأ سيجارته بعصبية وأشعل أخرى بيدين مرتعشتين. كنت أود لو أرجوه أن يكف عن التدخين والكلام وحتى التنفس.. هذا الألم يمزقني ثانية وجسمي يِؤلمني كأنني قطعت آلاف الكيلومترات على قدمي.عاد الألم وعاد صديقي للكلام ثانية الدنيا امرأة مومس تهرب منك إذا تبعتها و أبديت بعض الاهتمام بها, وتزحف إليك زحفا إذا هربت منها وأوليتها ظهرك. و زوجتي مومس, اللعنة على النساء, على كل النساء ابتداء من حواء وانتهاء بزوجتي إلا أمي. قبل المرض كنت الآمر الناهي, لا تجرؤ على رفع صوتها في حضوري, أنظر إليها نظرة واحدة بعيني فتنزوي في المطبخ. هل تصدق أنها كانت تغسل قدمي كل يوم؟ لكن عندما تمكن مني المرض, ووهن جسمي, تنمردت واستأسدت علي. أصبحت بالكاد أتكلم, وإذا جلست لا أقف وإذا وقفت لا أجلس. أنهي حصة غسيل الكلي وأصبح كالخرقة المبللة, أجرجر جسمي النحيل إلى البيت و أتكوم على السرير متعبا لا أبغي إلا شيئا واحدا “النوم”. لم أعد أعمل, خانتني صحتي, أصبحت هي رجل البيت, هي التي تعمل, لذلك تنمردت علي.سأهمس في أذنك بسر, لم يعد سرا…لقد فضحتني عليها اللعنة بنت الحرام. على الفراش لم أعد أستطيع أن أرضيها, أتعب بسرعة,أتعب قبل أن أبدأ.أحس بالعرق يلفني و قلبي يكاد يتوقف عن الخفقان. كنت أتحاشاها. في البداية, كانت تعاتبني بعينيها, لكن العتاب أصبح سبا علنيا. ذات خيبة حاولت أن أتحايل على عجزي بحبوب “الفياغرا”. ليلتها أعدت أمجادي وأمجاد أجدادي الأشاوس. وانتهت المعركة, لكن في قسم المستعجلات. كان الأمر مخزيا لا يفهمه إلا الطاعنون في العجز مثلي. بعدها طلبت منها أن تفعل ما بدا لها بعيدا عني و دون أن أعرف. على العموم هي لم تكن تنتظر إذنا مني, أخبار مغامراتها كانت تصلني. كاد أهلي أن يأكلوا وجهي. لكن لكي أقبل بوضع كهذا, يجب أن يكون قلبي مصنوعا من روث البغال, وهذا الدم الذي يجري في عروقي بول خنازير. اضطررت لتطليقها حفاظا على ما تبقى أو لم يتبق من رجولة وهمية. لكن الفاجرة فضحتني عند كل العائلة, قالت لهم إني لا أختلف عنها في شيء, بل هي أرجل مني… بنت الحرام قليلة الأصل. أشعل سيجارة أخرى من عقب سيجارته. عاد للكلام , للثرثرة. ” لكن دعنا نتكلم فيما هو أهم, النساء لا تستحق منا كل هذا الاهتمام, ضلعة عوجاء إذا حاولت تقويمه تكسر. أهم شيء هو ما سأقوله لك الآن, يجب أن تحصل على مجانية العلاج, حتى في المستشفى الحكومي حصة غسيل الكلى مكلفة جدا. بعض المحسنين فقط هم الذين يتكلفون بمصاريف العلاج. ستطلب منك السكرتيرة التابعة لهم بعض الأوراق. على ذكر السكرتيرة, كلما أراها أنحس أنها مركبة بطريقة خطأ… لا تضحك.. وجهها يبدو كبلغة صفراء قديمة, وبعينيها حول غير خفيف, وفمها ممتلئ أسنانا حادة كسمك القرش, صدرها يبدو ضامرا ولديها عجيزة ضخمة, ورجلاها كقصبتين نحيلتين. ستطلب منك شهادة تثبت فقرك و أخرى تثبت مرضك وصورا شمسية لك. “المقدم” لن يعطيك شهادة الفقر إلا إذا فهمت رأسك وأدخلت يدك في جيبك و أخرجت ورقة من فئة خمسين درهما, مع أنه يعلم أكثر من غيره أنك أفقر من الفقر نفسه. بعد أن تضع الملف ستعطيك السكرتيرة رقما يجب أن تحفظه عن ظهر قلب, لأنه بعد ذلك ستصبح مجرد رقم فقط. سيكون رقمك مائة و قد يكون ألفا. وستنتظر سنة, سنتين أو ربما ثلاثا. صديقي انتظر ثلاث سنوات و حينما حان دوره لكي يحصل على مجانية العلاج كان قد أ سلم روحه لبارئها. ولكن إذا كنت محظوظا وتعرف شخصية يفلق اسمها الحجر ستحدث معجزة بشرية , وعوضا أن يكون رقمك ألفا سيشطبون على الأصفار الثلاثة ليصبح رقمك واحدا, و تحصل فورا على مجانية العلاج. اعصر ذاكرتك, وتذكر إن كنت تعرف شخصا ما ,”ريحة الشحمة في الشاقور” مثلا, برلمانيا أو وزيرا أو حتى راقصة, لكي يتوسطوا لك. ستتعلم كيف تقبل الأيدي والأرجل, وتتوسل و تركع و تزحف وتنحني تنثني لكي تستجدي ثمن العلاج. لأنك إن لم تفعل ستبيع كل شيء, هذا إذا كنت تملك شيئا بالطبع. وستستدين وسترى كيف سيهرب منك أصدقاؤك وأهلك وأولادك, ستبيع عظامك قطعة قطعة , ودمك قطرة قطرة , لكي تستوفي ثمن العلاج. لا تسألني عن الحكومة, إنهم يعرفون ويتعامون, يعرفون ما نسر وما نعلن, بل يعرفون ما يحدث بين المرء وزوجه على الفراش . لكن يتغاضون, يتجاهلون وجودنا. مرة, منذ سنوات عديدة , لم أعد أتذكر متى بالضبط , حضر أحد المسؤولين , ابتسم أمام كاميرا التلفزيون , التقطوا له صورا وهو يقبل طفلة مريضة. نشرت الصور في الصفحات الأولى من بعض الجرائد الوطنية اليومية, وقال كلاما ضخما وكثيرا , ونحن صدقناه و صفقنا له و ابتسمنا, وكدنا نبكي لرقته. وكلما ذهبنا إليه لكي نسأله أن يفي بوعوده, لم يكن موجودا, أو في اجتماع أو… أو.. فهمنا متأخرين أن مهمتنا انتهت عند التصفيق والدعاء له أمام كاميرا التلفزيون. من يومها تعلمنا أن لا نصدق كل شيء وأي شيء. وفي المرات النادرة التي كان يتذكرنا فيها أحد المسؤولين , مصحوبا بأتباعه وكاميراته وصحفييه, كانوا يجبروننا على الحضور و الابتسام و التصفيق قرفا . وبعدها ننصرف دون أن ننتظر شيئا. فقد فهمنا قوانين اللعبة”. سكت صديقي. نفث سمومه بداخلي و سكت. لعنته في سري. لماذا لم يتركني أكتشف كل شيء بنفسي؟ أخذ يدندن بأغنية شعبية. دخلت السكرتيرة. عرفتها الصدر الضامر , العجيزة الضخمة… قالت لي بصوت خشن بفعل السجائر لا محالة, ” يجب أن تحضرشهادة الفقر , شهادة تثبت مرضك و… و… و… الى أن يحين دورك , ستتحمل مصاريف العلاج بنفسك”. نظرت إلى صديقي, ابتسم بمرارة وطأطأ رأسه. حشوت قدمي المنتفختين في بلغتي, جرجرت جسمي المنهك خارج المستشفى. حاولت أن أصرخ, صرخت, ” من أين لي بالمال حتى أدفع لكم؟” انتبهت الى نفسي , كل الناس ينظرون الي. سمعت أحدهم يقول “لقد جن الرجل”. هل جننت فعلا؟


    -1 التوكال نوع من السحر الأسود
    -2 المصرانة الزايدة:الدودية الزائدة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..