نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أميرة سيد مكاوى - غريبات.. قصة قصيرة

  1. تفحّصت وجهها جيدا في المرآة، كي تتأكد أنها انتزعت الشعر الذي بدأ ينبت على ذقنها، قبل أن تباشر وضع المساحيق، استعدادا للقاء صديقاتها الدور. ابتسمت وهي تحرك يديها يمينا ويسارًا، كي تتأكد من أنها لم تترك شيئا، تذكرت كلمات زوجها بضرورة ذهابها للطبيب كي تفحص خللها الهرموني الذي أدى إلى ظهور ما لم يكن من المفروض أن يظهر، تحدثت وكأن هناك من يسمعها: ماذا تريد من صحراء لا تروي أن تنتج؟ الصحراوات الجافة لا تنبت فيها إلا الأشواك يا عزيزي.

    علت ضحكتها قبل أن تنتبه إلى أنه من الممكن أن يسمعها الجيران القاطنون في نفس المجمع السكني . تأهّبت للقاء وهي مثقلة بأحزان امرأة شرقية لا يحقّ لها البوح، ومغلقة عليها أبواب الحرية، تأكّدت أن ابتسامتها مرسومة بدقة حتى لا يشعر أحد من العاملين بالمنزل أو السائق، أنها تنزف قهرًا، وأن البكاء لا تصحبه دائما دموع، فهناك بكاء آخر لا يسمعه ولا يراه إلا صاحبه، دموعه تشبه الأكاسيد الحارقة، تلتهم من أرواحنا، وتتركها مشوّهة، مليئة بالندوب، تؤلم بين الحين والآخر، لتذكّرك دائمًا بهذا النوع من البكاء.

    أكثر من خمسة عشر عاما وهي تخبر الجميع أنها سعيدة هانئة، لا تشكو إلا من ضغوط العمل ومتابعة صغارها فيما يخص تفوقهم الدراسي والرياضي، لا تقترب من المنطقة المحظورة، وإن تحدّثت عن زوجها، تتعمد أن تذكر مواقف تنبئ أنهما على وفاق .

    التقت صديقاتها وأطلقن الضحكات والنكات وهي تنظر إلى أغوار عيونهن، وترى قهرا يشبه الساكن في عينيها، لكنها لا تجرؤ على السؤال، ولا هن يحكين! جميعهن متوضّئات بماء الخجل والعادات والتقاليد، ينزفن من قلوبهن وأرواحهن، ولا يتجرأن على الحديث، فقط يطلقن الضحكات ويحكين عن العام والعام جدا، ولا تقترب أي منهن من جراحها التي لا تندمل. هي تعلم جيدا تلك العيون المستجدية للعطف دون أن تطلب، صديقتها تمتص نظرات الحنان من الجميع، وكأنها تستمد منهم ما يبقيها على قيد الحياة، لغة الجسد غير الآمن حين يعبّر في توتر أنه بخير ومستقر، تتجلى في صديقتها الأخرى التي تغيّر جلستها دون أن تشعر بين الحين والآخر، وتلك اليد التي جفت من قلة الحنان تداعب بها صديقتها الثالثة خصلات شعرها، فتحدث صوتا يشبه الأزير، فتبرر جفافها بكثرة الأعمال المنزلية (الصحراوات الجافة ليست بها نداوة)، غريبات كلهن عن أنفسهن، من لا يجد راحة في وطنه يغترب، كذلك نحن معشر النساء حين نفقد أنفسنا وأرواحنا نغترب، نرحل بعيدا عن ذواتنا، ونعيش في مناطق من الشعور أقل إيلامًا .

    ما الذي جفف أعينهن من البهجة؟ لماذا جميعهن مثقلات بالوجع وضحكاتهن لها صدى بعيد، يصرخ من الوحدة والقلق والخوف؟ هل هم جوعى كلمات حانية وشراكة حقيقية أيضًا؟ أضاء الهاتف وظهرت صورة زوجها، بدأ قلبها يخفق، هي لا تريد أن تكمل معه مشاجرة الأمس أمام أعين الحائرات مثلها، لا تريد أن تكمل حياتها كلها معه، لا تريد أن تسمع صوته الجاف وأسئلته التي تعفيه من وصمة التقصير ولا تعفيه من قلة الاهتمام، لا تريد أن تظهر غير سعيدة، لا تريد أن تعرف صديقاتها عن تعاستها، لا تريد ألف شيء، فقط لا تريد!
    في طريق العودة، صاحبها صوت أم كلثوم وهي تشدو (نسيت إني خاصمته ونسيت الليل اللي سهرته، وسامحت عذاب قلبي وحيرته، م أعرفش ازّاي أنا كلمته).


    أميرة سيد مكاوى


    * عن بوابة الحضارات
    بوابة الحضارات | غريبات
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..