نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

د.هـ. لورنس - عامل المنجم العليل.. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

  1. لم يكن يستحقها... هكذا كان يقول الناس. لم تندم – رغما عن ذلك- على زواجها منه. كان قد بدأ في مغازلتها منذ أن كان في التاسعة عشرة، وكانت بنت عشرين. كان شابا قويا صغير الحجم في لونه سمرة... منتصب الصدر عالي الرأس، ممتلئ بالحياة. وكان عامل منجم ماهر ويكسب جيدا، بل ويفر بعض المال. كانت "لوسي" فتاة بيضاء وطويلة ممشوقة القوام وهادئة الطباع. رآها "ويلي هورس" (وكان هذا اسمه) تتهادى في الطريق فمشى خلفها يراقبها عن بعد...ملأت نفسه إعجابا وشغف بها حبا. لم يكن سكيرا ولا كسولا...ورغم سذاجة وقلة ذكاء كانتا باديتين عليه، إلا أنه كان بشوشا حميما. لذا قبلت به زوجا.

    انتقلا إلي العيش في شارع "سكارفيل" في بيت واسع من ست غرف، تقاسما تأثيثه. كان الشارع قد شيد على حافة تل طويل مائل، وكان ضيقا كنفق، بيد أنه كان يطل على سهول خضراء،وواد تكسوه أشجار غابة يقع في أسفلها منجم الفحم.

    جعل من نفسه سيد الدار،ولم تكن تعلم الكثير من حياة عامل منجم فحم. تزوجا صباح يوم سبت، وفي ليل اليوم التالي قال لها بلهجة عمال الفحم: "حضري لي إفطاري وضعيه على الطاولة، وضعي أدواتي قرب المدفأة. لابد أن استيقظ عند الخامسة والنصف قبل بدء ورديتي". آراها كيف تضع أوراق الصحف علي الطاولة بدلا عن مفرش الطاولة الأبيض، وعندما حاولت الاحتجاج زجرها قائلا:" لا أريد أن أري شيئا من أقمشتك البيضاء هنا في الصباح. أريد أن أتمخط وأن يسيل لعابي إن أردت". ووضع بنطاله الأزرق السميك، وقميصه المقلم، وملابسه الداخلية أمام النار حتى تغدو دافئة عند استيقاظه فجرا.

    وفي الموعد المحدد تماما غادرها دون أن يكلف نفسه عناء إلقاء تحية الصباح أو النطق بكلمة وداع، بل أسرع هابطا الدرج مندفعا صوب الباب. عاد إلي البيت في الرابعة عصرا ليجد طعامه حاضرا وجاهزا للالتهام. أصيبت العروس بالرعب حين وقعت عليه عيناها. ذلك القوي ذو الوجه المغطي بالسواد. وانتصبت الفتاة البيضاء مثال الجمال والنظافة أمام المدفأة وهي في بلوزة بيضاء وتنورة أشد بياضا. دلف عامل المنجم إلي الداخل بحذائه الضخم الثقيل، وبادرها بالسؤال: "هل أنت خارجة، وإلي أين؟". أجابت في تحنان : "كنت في انتظارك لتعود إلي البيت".

    ألقي في غير اكتراث بإناء شربه المعدني وصندوق أدواته على الطاولة، وخلع جاكيت العمل، وسحب الكرسي بقرب المدفأة، ورمى بجسده فيه وقال: " دعينا نتناول بعض الطعام. أكاد أموت من الجوع".

    "ألا تود الاغتسال أولا؟"

    أجاب في استنكار:"ومم اغسل نفسي؟"

    "حسنا... لا يمكنك تناول العشاء..."

    قال لها فيما معناه: "بالله... أمشي كدا"..." إنني معتاد على الأكل حتى في داخل المنجم، مجبر على ذلك".

    قدمت له الطعام وجلست قبالته. كان رأسه الذي يشبه الرصاصة مكسوا بالسواد، عدا بياض عينيه وشفتيه المحمرتين. جال بخيالها شعور غريب وهي تراه فاغرا فمه المحمر مبديا أسنانه البيضاء وهو يزدرد الطعام.

    كانت يداه وذراعاه منقطتان بالسواد، وبدا عنقه القوي العاري أشد بياضا قرب منطقة الكتف. وكان هذا مما بث فيها بعض الاطمئنان.

    سرت في الغرفة بعض من رائحة منجم الفحم...رائحة هواء عطن رطب.

    سألته:" لماذا يشتد سواد قميصك الداخلي حول منطقة الكتف؟". أجابها: "هذا بسبب الماء الذي يتساقط علينا من السقف"...وطفق يشرح ويشرح...

    ولما بدأ في الاغتسال، وكان جاثيا على قطعة سجاد صغيرة...عاريا إلي منطقة الخصر، شعرت بالخوف منه. كان قوي العضل، شديد التصميم وبادي العنف كحيوان بري مفترس. وحين نهض عاري الصدر ليجفف جسده واتجه نحوها شعرت بالغثيان من منظر عضلاته المفتولة.

    رغم كل ذلك كانا سعيدين، يكاد هو يطير من الفرح والفخر بسببها. كان رفاقه يحاولون معابثته وإغاظته. ولكن لم يكن لشيء أن ينتقص من فخره بها...لم يكن لشئ أن ينتزع فرحه الطفولي بها.

    كان يجلس في الأمسيات على كرسيه الوثير يؤانسها ويستمع إليها تقرأ عليه أخبار الصحف، وعندما يصحو الجو كان يخرج و"يتفرقص" في الشارع مسندا ظهره على حائط الحانة، ويحي المارة واحدا واحدا. وعندما لا يمر أحد من المارة من عند الشارع كان يكتفي بالجلوس والتدخين معتمدا على رصيده الضخم من "الاكتفاء الذاتي" والرضا الكامن في قلبه. كان زوجا سعيدا.

    لم ينقض على زواجهما عام حتى بدأ عمال المناجم إضرابا عاما. كان "ويلي" عضوا بالنقابة، لذا فقد كان بإمكانه الصمود إلي حين، بيد أن ثمن الأثاث لم يكن قد سدد بالكامل، وسقط في براثن الديون، بينما دخلت هي في دوامة من القلق. كان يحاول تسكين قلقها بأن يكون بعلا جيدا... كان يهبها كل ما لديه.

    دخل الإضراب أسبوعه الخامس عشر، ثم عاد العمال إلي المناجم. ولم ينصرم عام بعد ذلك الإضراب حتى تعرض "ويلي" لحادث في المنجم أدي لقطع مثانته البولية. أخذه طبيب المنجم إلى المستشفي وهو يصيح كالمجنون من الألم في جسده ومن الرعب من المستشفي. ثم أرجع إلي داره حيث كانت زوجه قد أخطرت سلفا بتحضير سرير مرضه. وعندما وصلت سيارة الإسعاف إلي الدار صدم سمعها صراخه المتوجع من ضراوة الألم عند تحريكه. عاتبها الطبيب قائلا: "أيتها السيدة. كان عليك أن تضعي سريره في الصالة هنا، وتوفري عليه وعلينا مؤونة صعود الدرج".

    كان ذلك لوما وتحذيرا متأخرا، فرفع "ويلي" إلي الطابق العلوي وظل يصرخ من شدة الألم ويصيح: " لقد تركوني يا لوسي مرميا... مرميا لساعتين قبل أن يرفعني أحدهم وينقلني للخارج". أجابته زوجه: "إنني أحس بآلامك يا "ويلي"... يجب عليك احتمال الألم...أعرف ضراوة الألم...صدقني".

    "لا أستطيع... البول...البول". لم يكن "ويلي" قد عرف مرضا في حياته قط. مرة واحدة حطم أحد أصابعه وظل يحدق فيه في صمت. بيد أن الألم هذه المرة ممض ممض، ويصدر من أعماق أعماق جوفه. ظل على تلك الحالة إلي أن خمد من الإعياء. مرت أسابيع قبل أن يكون بإمكان لوسي أن تخلع ملابسه وأن تغسل جسمه. لم يكن يسمح بأن تقربه إمرأة غيرها. كانت فيه خصلة التواضع المتوحش السائدة في الرجال من أمثاله. ظل طريح الفراش لمدة ستة أسابيع يتوجع... حار الأطباء في إصابته، ولم يدروا ماذا يفعلون. احتفظ بشهيته للطعام، ولم يفقد شيئا من وزنه ولا قوته. ولكن بقي عنده الألم الممض، وعجز عن السير على قدميه. وفي الأسبوع السادس لمرضه دخل العمال في إضراب عام آخر. كان يصحو عند الفجر ويجلس بالقرب من النافذة ويحدق في الشارع. ذات يوم أربعاء في الأسبوع الثاني للإضراب جلس صامتا كعادته يحدق في الشارع. كان لا يزال شابا قوي البنية يحمل رأسا كالرصاصة، بيد أن نظرات خوف عميق كانت تكسو وجهه.

    "لوسي...لوسي". صاح مناديا زوجته.

    أتته مهرولة من الطابق الأرضي بوجه شاحب منهك.

    "ناوليني المنديل".

    أجابت وهي تقترب منه: "لماذا؟ أليس لديك واحد؟"

    قال وهو يتحسس جيبه: "بلي. لدي ولكنه أبيض...اعطني منديلا أحمر".

    أجابت وهي تعطيه المنديل الأحمر: "وماذا إذا أتي أحدهم ورأي المنديل الأحمر في يدك. وعلي كل، هل ناديتني للطابق الأعلي فقط من أجل المنديل؟"

    أجاب في صوت مرتعب: " أظن أن البول يأتي مجددا"

    "ابدا...أنت تعلم ذلك جيدا. يقول الطبيب: إنك تتخيل ذلك فقط".

    صرخ فيها: "أولا يمكنني أن أحس بما هو في داخلي؟"

    قلت: "انظر...هنالك عربة قطار المنجم تسير أسفل التل. دعني أذهب لأكمل صنع الكيكة".

    ذهبت وتركته وحيدا.

    مرت عربة قطار المنجم تهز المنازل هزا. بدا الشارع هادئا، ثم سمع أصوات الشباب يتصايحون وهم يلعبون كرة القدم (الدافوري) في وسط الشارع. أحس "ويلي" بالشارع كئيبا، وأثار ضجيج الشباب وحركتهم في نفسه الكوامن. مني نفسه بالنزول ومشاركتهم اللعب. لقد أضعف الألم عقله وروحه، ولم يعد يسيطر علي نفسه.

    وأتت إلي الشارع في تلك اللحظة جماعة أخري من الشباب. كان اليوم هو يوم دفع الرواتب. كانت النقابة تدفع للعمال في مبني الكنيسة الصغير. كان الشباب يحملون قطعهم المعدنية فرحين، وسمعهم يتصايحون. كاد يقفز من على كرسيه عندما سمع أحدهم يصيح: "من منكم يود الذهاب إلي مبارة فيلا ونوتينجهام؟". سمع أحد أفراد الشلة يرد بالقول: " لا توجد قطارات في هذه الساعات. لابد أن نذهب راجلين". كان الشارع تحته يموج بالحياة ويضح بالحركة. سمع آخر يصيح بصوت ثمل أجش: "من منكم يذهب معي إلي نوتينجهام لمشاهدة المباراة؟"

    "دعنا نذهب...دعنا نذهب" تهادت إليه أصواتهم. كانوا – كما تلاحظ السلطات دوما- سريعي الإستجابة لأي نداء!

    "أنا ذاهب معكم...أنا ذاهب معكم". صرخ "ويلي" المريض القابع تحت النافذة بأعلى صوته... أتت "لوسي" إليه مهرولة من أسفل الدار.

    صاح الرجل العليل معلنا:" سأذهب لمشاهدة فيلا ونوتينجهام".

    ردت بصوت رقيق: "لا تستطيع الذهاب...لا توجد قطارات الآن، وليس بمقدورك السير لتسعة أميال".

    وقف معلنا: "سأذهب لمشاهدة المباراة".

    "أنت تعلم أن ليس بمقدورك الذهاب. عليك بالجلوس والبقاء هادئا". وضعت يدا حانية علي كتفه، فأزاحها بعنف وزمجر: "دعيني وشأني. سأذهب إلي نوتينجهام لمشاهدة المباراة".

    "اجلس... سيسمعك الرجال. ماذا سيظنون؟"

    "إليك عني! دعيني وشأني!" وأطبق حانقا بكلتا يديه علي جسمها، ورأسه الصغير يفور بالغضب والجنون. كان قويا كالأسد.

    صاحت "لوسي": "أواه... يا "ويلي". إنك تؤلمني"

    "سأقتلها... سأقتلها" وظل يصرخ ويصرخ.

    "يا "ويلي" سيسمعك الناس"

    "إنه البول اللعين أتي مجددا. سأقتلها من أجل ذلك"

    كان كالمجنون تماما...وجاهدت لمنعه من التحرك نحو الدرج، وافلحت في الإفلات من قبضته، بينما ظل هو يزبد ويرغي. نادت جارتها "إيدزل ميلر". كانت"إيدزل" تنظف زجاج شقتها في الشارع المقابل. كان عمرها أربعة وعشرين عاما، وهي إبنة رجل ميسور الحال. كانت مجموعات من الناس قد بدأت تتجمع في الشارع مرخية السمع للزوج العليل يرغي ويزبد ويصيح متوعدا وهو يزرع الغرفة جيئة وذهابا ويصيح: "سأقتلها...سأقتلها". هرعت "إيدزل" إلي شقة الزوجين. بدت لها الشقة نظيفة مرتبة. صرخت الجارة وهي تتكئ على السرير وقد فاق بياض وجهها بياض فرشه. سألت وهي ترتعد: "لماذا يا سيد هورس بول؟ أنت تعشقها. أنت تدرك ذلك. ما هذا الذي تقوله؟"

    "إنها غلطتها...عندما يعاودني الألم...سأقتلها...ساقتلها. البول...البول. أكره فرط البول. أريد أن أقتلها". وهمد رويدا رويدا. وحين ارتمى على الكرسي انهارت "لوسي" وهي تختلج في نحيب مكتوم، وجرت دموع حري على وجه الجارة. ظل هو يحدق في النافذة، وعاودت وجهه نظرة ألم مكلومة.

    وفجأة التفت إلي زوجته وقال في استعطاف: "ماذا كنت أقول؟ ...ماذا كنت أردد؟"

    أجابت الجارة بدلا عنها :" كنت تردد شيئا فظيعا. كنت تقول لها سأقتلك...سأقتلك".

    "أصحيح هذا يا لوسي؟"

    "لم تكن تعي ما تقول" أجابت زوجته برقة ولكن ببرود واضح.

    قطب "ويلي" جبينه وعض شفته وانهار باكيا في حرقة ووجهه نحو النافذة.

    لم يصدر في الغرفة صوت غير عبرات وزفرات الأشخاص الثلاثة. وفجأة كفكفت "لوسي" دموعها واتجهت لزوجها قائلة" :أنك لم تكن تعي ما تقول يا "ويلي"" أنا واثقة من ذلك. لا... لا يهم ما قلته الآن، ولكن لا تعد لمثلها".

    ولما هذأ الجميع نزلت مع جارتها إلي الطابق الأرضي .

    "أنظري يا إيدزيل إلي الشارع، وأخبريني عما إذا كان الناس ما يزالون يتفرجون ويسترقون السمع".

    أطلت "إيدزيل" بحذر من خلف الستارة وأجابت: "نعم.. توجد الآن السيدة "سيرفن" والسيدة "لينا" وهما يتهامسان، ومعهما السيدة "أول سوب"".

    "يا للهول. أرجو أن لا يكونوا قد سمعوا شيئا مما قيل أو دار. إذا نما لعلمهم أنه قد فقد عقله فلقد يتم إيقاف تعويضه. أنا متأكدة من أنهم سيفعلون ذلك".

    ردت الجارة محتجة: " لا. لا يمكنهم إيقاف تعويضه من أجل شيء كهذا".

    "لقد سبق أن تم إيقاف تعويض..."

    "لن ينشر الخبر... لن أخبر أحدا".

    "ولكن إذا ذاع الخبر، فماذا ترانا فاعلين...؟!"


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    * نقلا عن الأحداث
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..