نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

رحمة حسام - الساحر والشتاء.. قصة قصيرة

  1. كتبت تقول:
    "لعلك بخير.. وأنا -رغم أنه لا يعنيك- بخير ولله الحمد. حرى بك ألا تتعجب مما أقول ؛ فأنا-مثلا- ما عادت أفعالك تثير تعجبى. أنت بأكملك ما عدت تثير شيئاً فى نفسى سوى الأسى والخذلان العميق.
    فحين تنتظر أحدهم بلهفة.. وتعدُّ الأيام.. وتسهر الليالى حالماً بلقاء.. وحياةٍ يتحقق فيها كل ما حلمتما به سوياً.. لتكتشف فى النهاية أنك ما انتظرت سوى سراب.. إن لم يكن ما تشعر به حينها هو الأسى بعينه فكيف يكون الأسى إذن؟
    و حين تمضى الأيام بك منتظراً سماع كلمة يطمئن بها قلبك .. تنتظر وقد افترضت ألف عذر لمن تنتظر نطقه.. فيقرر ذاك المُنتظَر ليس أن ينطق بما لا يرضيك .. كلا.. بل يقرر ما هو أقسى ؛ ألا ينطق أصلا.. أن يتجاهل تساؤلاتك.. أن يتهرب منك كما يهرب المرء من عدوه.. أن يعاملك كحملٍ غير مرغوب.. ثقيل على النفس.. أليس حرى بقلبك حينئذٍ أن يتمزق من خذلانه ؟

    و المأساة أنك لم تفرض ذاتك على أحد من الأساس، قد كنت فى حالك تماماً.. لا يشغل بالك سوى ترتيب الملابس فى دولابك بشكلٍ يٌسهّل عليك الاختيار من بينها فى الصباح قبل الذهاب إلى الجامعة، والبحث عن وصفات طبيعية تُجدد بها نضارة بشرتك، والشجار مع الصديقة حول اللون الأنسب للفستان الذى سترتديه فى فرح ابنة خالتك، أشياء ٌ من هذا القبيل لا تُوجِع القلب. فيجيئك وجع القلب.. بغير سعى منك ولا طلب.. فى صورة جارٍ مثلك، جميل المُحيّا.. بهى الطلعة.. متفوقاً نابغاً.. لطالما لمّح ولم يصرّح. لمّح فى البدء بابتساماته المتكررة فى اللقاءات العفوية السريعة.. ثم بالنظرات الخاطفة .. ثم بالنظرات الطويلة من عينين جميلتين، تتمنى أن تسبح فيهما وتخشى الغرق، فتظل زماناً طويلاً تشيح بوجهك بعيداً كل مرة بكل ما أوتيت من كبرياءٍ لا يرضى التبذُّل، فلا يجد الساحر سبيلا أمامه بعد ذلك ليخلب لُبَّك سوى أن يُصرِّح بما يهتز له القلب.. أى قلب.

    فأى قلب لا ينتشى حين تخبره أنه أجمل ما رأت العين وأرق ما سكن القلب.. وأن النعيم فى حضرته لا يضاهيه نعيم.. وأن البقاء معه إلى الأبد أعزُّ أمانيه؟
    ما بالك إن كنت -أصلا-لطالما تمنيت فى نفسك أن يحدث هذا الذى يحدث.. وأن تسمع ما تسمع.. غير أنك ما كنت ترضى أبداً أن تتخذ العِوَجَ سبيلاً .. وها هو حلمك يتحقق.. ويجيئك مستقيماً لا زيغ فيه من السبيل الذى ترتضيه.. أليس هذا فردوساً على الأرض؟
    لكن فردوسك غير مكتمل؛ إذ كان مما أخبرك به بعد ذلك فى إطار التصريح :
    ( ولكنى سأسافر، بعثة لمدة ثلاث سنوات إلى فرنسا، كم أحلم بتلك اللحظة التى نتشارك فيها سقيعها فى الشتاء سوياً .. نخرج إلى الشوارع نتسكع تحت الأمطار .. غير عابئين بالبرودة من حولنا.. متدفئين ببعضنا البعض وبما نحمله من محبةٍ فى قلبينا ،سأسافر العام الأول بمفردى لحين ترتيب أمورى هناك، ثم أعود لأصطحبك معى إلى حيث نهنأ كما لم نعرف الهناء من قبل قط) .
    و لأنك تحبه، تفرح لنجاحه ذاك ..

    غير أن قلقاً ما يسكنك، وسؤالا يتردد بداخلك :
    كيف ستكون علاقتنا فى هذا العام؟ بمعنى أنه إن لم يكن هناك رابطٌ ما يربطكما كيف يستقيم الأمر؟ وكيف يطيق قلبك أن تشتاق إليه فلا يجوز أن تحادثه لتخبره، أن تفرح فلا يجوز أن تشركه معك فرحتك، أن تخاف فلا يجوز أن تطمئن نفسك بأمان محبته؟ ثم السؤال الذى يزيد من حيرتك :
    ولماذا لا يفكر هو كما تفكر، ولا يشعر كما تشعر، إن كان يحب كما تحب ؟
    تُلمِّح له بما أرّق قلبك، علّك تجد لأرقك صدى، فلا تجد جواباً سوى مزيداً من سحرٍ قد أتقن فنونه، يُمنَّى القلب بعذبِ ظنونه. صحيح.. هل تعرف كيف يأسر أحدهم قلباً بكلماته؟
    أحسبك تعرف.. وتعرف أيضاً كيف يسافر المرء وقد ترك خلفه حلماً هو فارسه، ثم يبرع فى قتله ببطء ولا يبالى ؛ بالتسويف.. بالتجاهل.. بالتعالى على قلبٍ رآك حقاً فى العُلا، فسحقته.
    مر عامان ولم تأتِ، حتى تسويفك قد كففت عنه، ورسائلى القليلة المتباعدة التى أرسلها للطمئنة عليك قد صارت عبئاً ثقيلاً على نفسك ما عدت تقوّ على تحمّله.

    منذ شهرين، لم أسمع منك خبراً ولم أرسل إليك ؛ فقد آثرت أن أكف عن تعذيبك برسالاتى المزعجة. ولكن أمراً استجد ذكّرني-للأسف-أن أُرسل إليك :
    لقد هجم الشتاء بسقيعه وأمطاره، واليوم بينما كنت أعبر الطريق وقد ظللت أفرك اليدين ببعضهما البعض من السقيع تارة، وأرفعهما إلى رأسى لأحميها من المياه تارة آخرى، تذكرت أن ثمة من كان يعدنى أن يضمنى إلى دفئه ويعبر بى الطريق إذا ما أشتد السقيع وتساقط المطر، فوددت أن أخبره أننى قادرة-الحمدلله- على عبور الطريق بمفردى، وعلى احتضان ذاتى والاحتماء بدفء قلبها الذى لم يخدع أحداً قط، ولا حاجة لى أبداً إلى برودة قلب السحرة المحترفين، المخادعين الذين يعدوننا بدفء المحبة ،ليتركونا بعدها لسقيع الخذلان ".

    * نقلا عن:
    بوابة الحضارات | قصة قصيرة.. الساحر والشتاء
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..