نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبدالله خليفة - العوسج.. قصة قصيرة

  1. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العوسج ــ قصةٌ قصـــــــــيرةٌ
    سبتمبر 24, 2018

    سأموتُ هنا ، قاتلاً ومقتولاً وغريباً . بعيدٌ ذاك الظل والماء المتدفق في عروق الأرض ، وضحكات الجيران والغرفة الأثيرة والموسيقى والزجاجات . تدفقْ أيها الدمُ وذكرني بكل الألم . أخرجْ مني ، ولوني بصفرة التراب . ليتني شيءٌ من العذاب الرقيق وبعضٌ من الموسيقى الخافتة ، وتثاؤب السحاب في المساءِ الباردة ، ليتني لم أغادرْ بيتي ! ليتني صعلوكٌ متشردٌ ، وليت الأماني الساحرة الضبابية لم تسكن منزلي . ليت الأيامَ الخوالي ترجعُ لي ، سأقايضها بكل ما أمتلك . جاءت الرصاصة واستقرتْ في صدري . تركوني ومضوا يفحصون التلال ، كان كلُ شيءٍ هادئاً في البرية ، لم يكن ثمة أشرار أو لصوص أو صعاليك. تطاير الحصى من تحت سنابك الخيل وانتشرت الضحكاتُ والزهرات البرية والقبراتُ ونتفُ الغيومِ الربيعية ، وغدتْ الأرضُ المترامية في قبضة البصر، وكأن كلَ البشر تحت رحمة بنادقنا. . وفجأة بانت شجرة العوسج الكئيبة كبصقة الشيطان، وأحاطتنا التلالُ كعصابةٍ من العمالقة . أنشق الهدوءُ في لحظةٍ ، ودوى صوتٌ مألوفٌ وانفجر الألمُ في روحي . نصلٌ حادٌ مسمومٌ يتحسسُ جلدي ، أشربُ برودته ومرارته . وأحسُ به يتوغلُ في عروقي ، كبرقٍ يشعلُ أوردتي الجافة ، ويوقدني . . من سيدثرني هنا ؟ الريحُ خافة ، والرملُ باردٌ كأيامي الناضبة ، والشمسُ طفلة مريضة بين الحياة والموت ، والتلالُ شواهدٌ لقبرٍ هائل ، والسماءُ الزرقاءُ وجهٌ غريب ينتظر موتي ليضحك بملْ القلب .. وشجرة العوسجِ كغدر الزمان ، سأضحكُ وأضحك وأنسى شجرة الرمان ، بعيداً عن الحارة العتيقة ، بعيداً . . اطاردُ أصدقاءها وأعدائي ، ليس ثم أمل لهم الآن . لأنسَ الألمَ لحظة . ترنحَ الهدوءُ وترنحتُ ، وطالعوني وطالعني بأسى . هذا الوجهُ الصديقُ تحولَ في وقت الافتراق . كأنه أدرك أن لا لقاء بعد الصوت البغيض الذي انفجرَ بيننا . أفي هذه الساعة تتركني ؟ حسناً ، إنني لن أبكي ، لن أمدَ يدي . أتقبل هذا المصير البشع وأموتُ هنا هادئاً ، جافاً ، يابساً .
    في تلك الليلةِ الرديئة . . كنتُ قد اختنقتُ . أحاطتْ بي الخطوبُ وتشعبت الدروبُ وانهرتُ في الظلام . وبحثتُ في جيوبي عن قطعة نقدٍ فلم أجد . يا للبرد ! وسرتُ في الطرق وأبصرتُ البيوتَ الكبيرة المتألقة ، وسمعتُ الموسيقى الخافتة ، ودندنة الكؤوسِ وسألتُ نفسي : لم هذه الوريقات التي أحملها ؟ ما فائدة الكلمات لحياتي ولتلك الفتاة ولفقري وجوعي ؟ ودندنتْ الموسيقى وتخيلتُ الغرفَ الواسعة المريحة وخزائنَ الخمر والسيارات الدافئة والمقاعد الوثيرة والحدائق وسمعتُ النساءَ يضحكن فتذكرتُ فراشي العابس . لم ألقيتُ بنفسي في هذا الطريق ؟ إنهم يبحثون عنهم بدأب ، لعلهم ذابوا في الأرض . يبحثون ولا أحد ، ولكن الرصاصة اتخذت مسكنها في جسدي . كم تحمل هذا الجسد منهم ! ورحتُ أزحفُ . أريد الوصولَ إلى الشجرة . سأضع رأسي على جذعها ، واتأملُ الطريقَ والتلالَ والمدينة البعيدة والذكريات السعيدة الأليمة وأحفرُ قبراً للآمال وأحفر قبراً لجسدي وأحفر قبراً . . الأحجار والأشواك تعوقني ، أسمعُ الصيحات وإطلاق النار ، لا أقدرُ على رفع رأسي ، فمي على التراب ، وها قد انهرتُ واسمعُ فورانَ الدم في أعضائي . ها قد سقطتُ والآمالُ حجرٌ وعشبٌ ورمل . سأموتُ هنا غريباً كئيباً قاتلاً ومقتولاً ومقصدي شجرة عوسج ضامرة في البرية كضحكة ساخرة . ترنحتُ هنا وترنح عالمي ، وترابي دامٍ ، والآخرون تركوني لمصيري . . وحدي . . وحدي . . ادخلوا الرصاصة في أحشائي . دخلتُ بكلي في التنور ، سأنصهر وأموتُ . وانقلبتُ ورأيتُ وجه السماء . . كم أنت بعيدٌ أيها البساط الأزرق !
    في تلك الليلة الأليمة خرجتُ متشككاً في كلِ شيء . كانوا قد اجتمعوا تحت شجرة الرمان ، دائرة من الضوء والبهجة . سمعتُ صوتَها الجميل في المطبخ وحين سمعتْ صوتي قذفت بنفسها بلا حساب . أرأيتِ لعبة الأقدار ؟ عيناها في قلبي ، ووجهها القمحي يبذرني ويحصدني . أنت لي ! ولكنني فقير وطريقي محفوفٌ بالصعاب . والشكُ تسلل إلى جذوري اليابسة . أتريدين أن تعيشي في غرفةٍ وحيدة قذرة ؟ لا أملك رصيداً في بنك ، وليس لي إلا غارات وهمية في ممالك الأغنياء . وجلستُ بينهم وأخذتُ مقعدي وأخذتُ حصتي من النقد وأمطروني بالأسئلة . ماذا فعلت يا مالك في الصباح ؟ اقرأُ . ماذا فعلتْ في الليل ؟ سكرتُ قليلاً في أحد الفنادق ثم تشاجرتُ مع أحد المتسكعين . أين كلماتك ؟ لم أستطع أن أكتبَ شيئاً . نمتُ طوال النهار . ألم تجدْ عملاً بعد ؟ ذهبتُ إلى المصنع وانتظرتُ ساعات طويلة . كنا جمعاً غفيراً ينتظرُ ويستعرُ . ليس ثمة عمل هناك إلا لثلة قليلة . لم هذا التسكع المستمر ؟ إنني لا أمتلك الإجابة . وتدلتْ أغصانُ شجرة الرمان قرب رأسي . ورأيتُ ثمرة ناضجة تزهو بلونها القاني . هذا الدم يغلي بيني وبين الأرض . وهذا الأحمرُ لوني فكيف أنسل مني ؟ !
    سأزحفُ ، سأزحفُ نحو الجذع . سأضعُ رأسي بعيداً عن التراب والتقطُ نظرة من الطريق والمدينة . هو أملٌ يسيرٌ فأمهلني أيها المصير . لم تعد القصورُ مطمحي ، نظرة تكفي وحفرة صغيرة . لِــــمَ هذا التسكع ؟ ! صدقوني إنني لا أعرفُ . في الحارة أحاورُ الناسَ وأكلم الجدران ، وأخلق من غرفتي ملتقى للعابرين الملثمين وأوقدُ النارَ في الليل وأهيم بوجهها ، بسحرها ، وأحسُ أن شيئاً من دمي لم يشتعل . وهذه النقود المضيئة سآخذ شيئاً منها . لا أحد يدري . وفي الغد سأشتغلُ وأردُ الدينَ فمن يدري ؟
    هؤلاء الأصدقاء غابوا خلف التلال ، ومزقوا الصمتَ والهدوءَ . حتى هو تركني وذهب ، القى نظرة كالفجيعة وانطلق . لا أثر حتى للخيول . وهذا صوتٌ يستعيرُ حنجرة العاصفة . لم يتلاشوا رغم كل الطعنات والقتلى والموتى . في النظرة الأخيرة رأيتُ النهاية والبداية التي حفرتْ لي قبراً . .
    رأى الطلقة تسكنُ الصدرَ ، وأيقن إنني غدوتُ كالحجر والرمل والأعشاب . آه ، دعوني أهجرُ هذا القبرَ وأبني بيتاً فوق السحاب . ليس ثمة أملٌ لي في الوصولِ حتى إلى هذه الشجرة الشوكية . هذه اللعنة المزروعة كالنصل . تقطعني هذه الآلامُ ، تبذرني . . غير إنني لا أصلح للحصاد .
    تلك الثمرة المتألقة قطفتها بين دهشة الجميع ، وضعتها على الطاولة وفلقتها فتناثرَ حبُها وبلل دمعها القاني بعض الوريقات ونظروا إليّ بدهشة . ما هذا العمل الطفولي ؟ أعذروني إنني أحبُ الأنسَ في غمرة الفعل . وضحكوا . رأيتُ الثمرة تبكي فذكرتني بالزقاق المظلم ورائحة الدم والجوع والزنازين وغرفتي الضيقة وآمالي الواسعة ، وذهلتُ وتساءلتُ : كيف عشتُ العمر لا أملك شيئاً ؟ جميعهم يملكون وأنا أشحذُ لقمتي من الجيران ! لقد كفرتُ بالجوع ! . . رأيتُ الستائرَ تــُزاح والرجالُ يراقصون النساءَ ودندنت الموسيقى وتعالت الوشوشاتُ وتسربت العطورُ إليَّ وأبصرتُ الحديقة الواسعة والكراسي الوثيرة وتعالى نداءٌ من أجلي ، فحدقت في أطماري الرثة وتحسستُ جيوبي الخالية إلا من ورقات محرمة فتسربتُ إلى الظلام مفزوعاً .
    لن أبلغ هذه الشجرة أبداً . ورأيتها تودعني وتبتسم . أنتِ لستِ لي ، أعرفُ هذا . كيف أحببنا بعضنا . إنني مذهولٌ من دسائس الأيام . مرة نلتقي وأخرى ، كلُ مرةٍ أصادف وجهك يفتحُ لي الباب . كل مرة أرى ابتسامتك تحضنني . فصرتُ في حيرةٍ من أمري ، أأنا قادمٌ من أجلك أم من أجل القضية ؟ وألقيتُ برأسي على فراشي ، وقيدني الظلامُ وافترستني الأوهام . لا شيء لدي يا صغيرتي ، لا شيء . . وبكيتُ من همي . هذه الغرفة الضيقة تنهارُ فوقي . وهذه أصابعُ الريبة تبحثُ عن عنقي . كيف سأزيحُ الداء من الأرض وهو كامنٌ في أعماقي ؟ كذبٌ ، كذبٌ ما ادعي . وانهمر العرقُ من جسدي وودتُ لو آكلُ وجهي . ورحتُ أبكي بشدة وأحسستُ بأني اقتربُ من اللحظة التي سأقفزُ فيها . أراها أمامي قاتمة كاللوحة المطفأة . بيني وبين الهوة . . خطوة . لن أدعَ هذا الموتَ يفترسني . سأفترسُ الأشياء .
    ها انذا اقتربُ من الجذع ، لدي قوة كافية تمكنني من إلقاء نظرة ورؤية الأرض في امتدادها تحت البصر ، والسماء في انحنائها فوق التلال والمدينة ، ثمة خط أحمر ورائي ، لقد زحفتُ بجنون لكنني لم أصل بعد .
    آه ، لاتوقف قليلاً وأعب من الهواء وأتلمسُ الأشياء الهاربة من يدي . أين أصدقائي وأعدائي ؟ لعلهم ابتعدوا تماماً عن هذه البقعة . يا الهي ، إن هذا الكونَ قبرٌ كبير وأنا جثة وحيدة ! باردٌ هذا التراب . باردٌ هذا المكان . يا لهول الفقد ! لقد تركني ومضى ، اعتصرني ثم نبذني هنا ، وتلك النظرة المتألمة قناعٌ باردٌ وضعه فوق وجهه . ها هم يسيرون بعيداً عني ، توغلوا في الصحراء وتركوني ! إنني ميتٌ لا محالة ، لا جدوى من الرمل والحجر ، لا جدوى من الأعشاب والزهرات البرية والضحكات العميقة والأصوات النارية . تعالوا إليّ أيها الأصدقاء وضعوا رأسي تحت الشجرة . سألقي نظرة ثم أدفنُ نفسي في الظلام . غابت الحارة وجدرانُ البيوت العتيقة . تلك التي طالما سرتُ فيها . كيف هي الآن ؟
    في تلك الليلة الكئيبة ، في ذاك الزقاق ، في الظلام ، ظهرَ شبحٌ . رأيتُ وجهه . إنني أعرفه جيداً . لم يزل يدغدغ شيئاً في نفسي . حين أراهُ ينفجرُ باطني فجأة ، وسرتُ وسرت . وظلت خطواتهُ ورائي ، فكأنه انبثق مني . . وقيدني . وتسربت عفونة كلبٍ ميتٍ ، وحدقتُ بي الأزقة وأحسستُ بالتعب والألم . وطافت ببالي أوراقُ النقدِ الملونة والرحلات المريحة والمراقص والأصفر مالك الأشياء . . وتراخت خطواتي وشعرتُ بالتعب يملأ نفسي ويوقفني ، وأمسكَ يدي .
    ـــ لا تخفْ يا مالك .
    ـــ ماذا تريد ؟
    ـــ أريدك أنت . لم أحضر كي أتتبع خطواتك بل جئتُ من أجلك . جئتُ لإنقاذك . جئتُ لأنير لك الطريق وأحيل الوحل إلى زهر ، لا تجادلني فأنا ألمس يدك الباردة وأصل إلى داخلك .
    ـــ . . .
    ـــ لا تضعْ الوقت . كل أصدقائك سينتهون في هجمة من هجماتنا . أنت ، أنت وحدك الذي أعطيناك الفرصة فلا تضع الوقت .
    ـــ إنني . .
    ـــ إنني أنتظرك غداً في منزلي . في المساء . ألبسْ الظلام وتعالْ . .
    المساء ! يا سيدي القمر ابتعد عن ساحة السماء . إنني خائفٌ من نفسي ، مشى العرقُ في طرقاتي ، وخيلَّ إليَّ إنني في حفرة ، أحفرُ وأحفرُ وأهيلُ الترابَ ثم أنهار فيها . . التفتتُ إلى النوافذ والمصابيح . ما الذي يدفعني إلى هذا الدرب ؟ هي كلماتٌ أنثرها وأملأ يدي . . من سيرى ؟ لا أحد يدري ! وأمضي ، أمضي إليه . رجاءاً أيها القمر لا تفضحني . وأنت أيها المصباح الأصفر لا تنظر إليّ بهذه العين المستطلعة
    ـــ ها قد جئتَ . .
    لو أن أحداً يأتي ، لو أن عصفورة تغرد ، لو أن الأيامَ الغابرة تعودُ ثانية وأنهضُ نحو الحارة ، وأدخلُ بوجهٍ آخر . لن ألبس قناعاً ، بل سأكشف صدري . أفتحه للضوء وأطرد . . لو أن الأشجار تحبو إليّ ، لو أن المنزلَ القديمَ يفتحُ بابَهُ ويدعوني تحت شجرة الرمان . لو أن أهل الحارة . .
    وأوصدتِ البابَ في وجهي . وتراءى لي أن وجهكِ الرائع مشوبٌ بالغضب . وأنتِ التي . . في الوقت الذي ملكتُ الأشياء فيه . . أبتعدتِ . ولكن كيف هذا ؟ افتحي البابَ ، أفتحي الباب . . إنني ميتٌ خلفه . أفتحيه وخذيني ، موحل اليدينِ ، بارد الشفتين . لم أحضر لكي أقبض على أحد . بل جئتُ إليك .. أفتحي الباب .
    وحدي في الطريق . إنني فارغ اليدين ، أمتلكُ رملاً وأحجاراً وأعشاباً . ها قد وصلتُ إلى الجذع ، وها قد استقرت الأرضُ تحتي ، بلا سلاح ، بلا أفراح ، والسماءُ انحنت فوقي ، كالجراح ، والتدفق الأحمر نضب .
    لو كان الرملُ رماناً . . ! الأغصانُ لعناتٌ محدقة ، والأشواكُ كالحراب . . آه ، كيف جئتُ إلى هنا ؟


    عبـــــــدالله خلــــــــيفة
    من لرمل والياسمين (قصص)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982.

    * نقلا عن:
    عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العوسج ــ قصةٌ قصـــــــــيرةٌ
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..