نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

حميد اتباتـو - للأسف يسود عندنا خلط كبير بين الحوار وحرب المواقف... في حوار مع الدكتور عبد الكبير الخطيبي

  1. اللقاء مع الدكتور عبد الكبير الخطيبي ومحاورته فرصة لاستكناه إمكانية تقاطع مرن ونادر لمشارب متعددة للعلوم المعرفية, فانطلاقا من المنظور التاريخي والخطاب السياسي مرورا بالتحليل السوسيولوجي تنظيرا وتطبيقا وصولا إلى المقاربة السيميولوجية, تجد الخطيبي وقد أثث صرحا نظريا رصينا وطرح كعادته أسئلة إشكالية عميقة تمتح من مشروعه الفكري, في الحوار التالي يطرح الخطيبي منظوره للبحث العلمي وقضايا العولمة والهوية والتراث ومباحث معرفية أخرى...

    ***

    س: كيف هو حال السوسيولوجيا بالمغرب؟

    ج: تعرف السوسيولوجيا الآن كمعرفة وكعلم وضعا خاصا, حيث إنها مهمشة على المستوى الأكاديمي أولا, وثانيا فهي تعيش وضعا مبعثرا بالإضافة إلى هذا هناك مسألة أخرى هي أن هناك مجموعة من الدراسات في محاور كعلم الاجتماع الريفي وغيره لكن بدون تنظير, وبدون مجهودات نظرية وبدون مفاهيم جديدة.


    س: هل هذا يعني أنكم لا تطمئنون لوضع السوسيولوجيا بالمغرب ولآفاقها؟

    ج: لي رأيي في هذا الموضوع وسأقوله لك, نتحدث عن الحاضر وعن المستقبل, لكن من الضروري أن نرجع إلى الماضي, حتى نفهم بعض الأشياء التي منها وضع علم الاجتماع في المغرب, وهنا أود أن أذكر القارئ ببعض المراحل التي مر بها هذا العلم عندنا, وأبدأ بالقول إن تأسيس مدرسة في علم الاجتماع بدأ في الستينات, وهذا يعرفه الجميع, وكانت منظمة اليونسكو هي التي أسست هذه المدرسة في سنة 1961, بالإضافة إلى هذا يجب أن نذكر المجهودات التي قامت بها بعض الجمعيات في مجال البحث الاجتماعي خاصة AR.CH التي اهتمت أساسا بعلم الاجتماع الريفي, حيث كانت تقوم ببعض الدراسات لوزارة الفلاحة في نطاق بعض المكاتب الفلاحية, ومن العلماء الذين كانوا يشتغلون في هذا المجال نذكر بول باسكون ولازاريف.

    لقد كانت هذه المبادرة هي بداية تأسيس هذا العلم بالمغرب. وقد لعب بول باسكون الدور الأساسي في كل هذا بل إن الحديث عن عهد ما بعد الاستقلال يربط دائما بالدور الكبير الذي لعبه بول باسكون في تأسيس مدرسة مغربية لهذا العلم أولا, وفي تأسيس على الاجتماع التطبيقي خاصة في علم الاجتماع الريفي وقد كان توجه بول باسكون وتوجهي أنا أيضا توجها ماركسيا, أو قريبا من الماركسية.

    لعب باسكون دورا أساسيا في تلك الفترة وقد كون العديد من الأطر كعبد الله حمودي والناجي والطوزي... الخ, فقد كان باسكون هو العنصر الأساسي في استنبات علم الاجتماع بالمغرب في الستينات, كما ساهمت أنا كذلك بشكل نسبي في هذا الاستنبات, خاصة أن باسكون كان قد بدأ عمله في البحث السوسيولوجي ففي وقت سابق, كما كان له تكوين علمي وله أيضا تكوين في علم الاجتماع وفي الجغرافيا, بالإضافة إلى هذا كان له مكتب فلاحي بالحوز وقبل ذلك في الغرب, وكانت علاقته بالحكومة تضفي خصوصية على دوره, لأنه بالرغم من اشتغاله كباحث مستقل كان فاعلا في الدولة.

    بعد هذه المرحلة كانت هناك مرحلة ثانية, حيث اندمج معهد علم الاجتماع ضمن كلية الآداب, وكانت هناك مجموعة من الأسماء مثل محمد جسوس وفاطمة المرنيسي, وأساتذة في المعهد الفلاحي كونوا أسماء اخرى, ففاطمة المرنيسي مثلا كونت جيلا خاصا يختص بالدراسات النسوية, ومحمد جسوس كون بعض الأساتذة الباحثين في ميادين متنوعة, بالإضافة إلى هذا تخرجت أطر أخرى من معاهد أجنبية سواء في بلجيكا أو فرنسا أو كندا, ومن أجل التاريخ الصغير كما يقال, فقد كنت آخر مدير في معهد علم الاجتماع (1966-19970) وقد كان تعييني من طرف ناصر الفاسي نائب كاتب الدولة آنذاك, وكان اقتراح آخر من طرف المرحوم محمد الفاسي يتعلق الأمر فيه بعبد الله العروي, لقد تم اختياري أنا كمدير ولم يكن ذلك سببا في أي حقد لي من طرف عبد الله العروي لأن الصداقة الثقافية شيء مختلف عن الصداقة الشخصية, فمثلا يمكن أن تكون لك ثقافة وتبنى على الاقتراح المتبادل وأنا أحترم كثيرا الإنتاج الفكري والعلمي والإيديولوجي لعبد الله العروي بدون أن تكون لنا صداقة شخصية, أي أننا نرتبط بصداقة عن طريق الكتب والأفكار.


    س: أسستم إلى جانب بول باسكون ملامح البحث السوسيولوجي الجاد في المغرب, كيف تقيمون امتداد هذا البحث؟ وأين أنتم من الملامح الأولى للتوجه الذي أسستموه رفقة بول باسكون؟

    ج: هناك أسماء عديدة تشتغل الآن في الكليات وفي المعاهد وفي الإدارات, لكننا نحتاج الآن لدفعة أخرى قوية لخدمة علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية, بصفة عامة لماذا؟ لأننا نحتاج للعقل السوسيولوجي في المجال التطبيقي كذلك, وهناك العديد من الهياكل والقضايا التي تستدعي ذلك لأننا الآن يمكن أن نطرح السؤال التالي: ما هي الأشياء التي تغيرت الآن في المغرب؟ هناك مشاكل الجماعات الأساسية في المغرب, ومشاكل الطبقات, ومشكلة تهميش البادية، ومسألة العائلة، ومسألة التأثيرات الحضارية العالمية على المجتمع المغربي... الخ, وكل هذا يحتاج إلى تحليل وتفكير اجتماعي, ويحتاج إلى علم الاجتماع الذي يحاور علوم أخرى كما كان في الستينيات، حيث كان الحوار مع التاريخ والجغرافيا والاقتصاد, وللاستدلال على هذا يمكن أن نعود إلى Le bulletin économique لأن هذه المجلة تعطي نظرة عن المجالات التي كنا نهتم بها آنذاك.

    إننا الآن في أمس الحاجة إلى دفعة جديدة في المجال خاصة بالنسبة لتدريس علم الاجتماع حتى في المستوى الثانوي, لقد تغيرت الكثير من الأشياء في وقتنا الحالي, وهناك علوم جديدة ظهرت كعلوم الاتصال, ويجب أن يغني كل هذا البحث السوسيولوجي, فهناك الآن قضايا عديدة مطروحة من مثل تأثير التقنيات اللامادية على المجتمع المغربي, ولهذا فنحن نحتاج إلى علم الاجتماع، ويجب تدريسه في المستويات العادية والثانوية ويجب الاهتمام به في مجال البحث أيضا.


    س: لكن أليست هناك جهة ما تخشى تأسيس البحث السوسيولوجي الجاد؟

    ج: ربما ما حصل في سنة 1970 كان خطأ الكل يعرف ذلك, لقد حصل ذلك الخطأ لأنه كان هناك جهل للوضع الحقيقي. فبالنسبة لي لم يكن هناك خطر إيديولوجي أو سياسي, فالطلبة كانوا في المعهد, يدرسون ويشتغلون في الإدارة هذا بالنسبة للستينات, أما الآن فلا أظن أن هناك شيئا من هذا.


    س: كيف تنظرون لوضعية البحث العلمي بالمغرب؟

    ج: بيدنا الآن ملفا هيأته وزارة البحث العلمي, إلا أننا لا نملك الآن الوقت الكافي للحديث عنه, خاصة أنه ملف داخلي من جهة, ولأن هناك بعض ملامح الإصلاح, وما أود قوله بهذا الصدد هو أننا نجد مجموعة من الدراسات لكن ما هو البحث العلمي أولا؟ ما يسمى بالبحث العلمي هو دروس تلقى في الجامعة أو محاضرات تنشر كدراسات, ويمكن أن تكون في المستوى, لكن يمكن أن تكون عبارة عن درس عام فقط فالكثير من الدراسات منشورة الآن, ليست إلا امتدادا للدروس الجامعية, لكن عندنا أيضا بحوث علمية في بعض الميادين سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم الطبيعية, لنا أيضا بعض الكتب المهمة حتى وإن لم يتوفر لها إطار وهياكل وإمكانيات, فالمشكل المطروح إذن هو مشكل هيكلة البحث العلمي أي اقتراح طريقة ذكية تنطبق على الوضع المغربي, ويتم من خلالها الربط بين الجامعة والوسط الاقتصادي والاجتماعي, وأظن أن هذا يحتاج إلى بعض الوقت من أجل تطبيقه, من جهة أخرى يجب تشجيع الأطر الراغبة في البحث عن طريق خلق تعاون مع مؤسسات خارجية.

    الملف الآن مطروح, وهناك شيء جديد بالنسبة للحكومة الحالية, ويتمثل في إنشاء كتابة الدولة خاصة في مجال البحث العلمي, وهذه المبادرة لم تعرفها أية حكومة سابقة, ربما تكون هناك بعض المشاكل لأنها ليست مستقلة بما فيه الكفاية.

    الوضع سيء ربما, لكن عندنا طاقات تحتاج فقط إلى هيكلة وإلى إمكانات, فكل البلدان بها نخبة لها موهبة, يتم تدعيمها وتشجيعها, وعندنا أيضا لابد من توفير الإمكانيات الكافية للنخبة المنشغلة بالبحث العلمي.


    س: اقترحتم في مشروعكم الفكري النقد المزدوج كاستراتيجية لتفكيك الميتافيزيقا ولرسم صورة المغرب المتعدد, ولتجاوز عمى الهوية, والاختلاف المتوحش, فهل وصل خطابكم بالصيغة التي رغبتم فيها؟

    ج: »الهوية« و»الاختلاف« و»النقد المزدوج« مفاهيم تطورت خاصة أنه لم يكن عندي مشروع واحد بل مشاريع فكرية عديدة لأن لي تفكير وتساؤل منظوري, أي أنني أقوم بفتح بعض الأبواب.

    لقد بدأت تجربتي الفكرية بعلم الاجتماع ومسألة الطبقية سواء في المغرب, أو في بلدان العالم الثالث بدأت إذن بتساؤلات حول المجتمع, وكانت لي في نفس الوقت اهتمامات بالفلسفة, كما انشغلت باهتمامات أخرى متنوعة لأني أجتهد في ممارساتي, ولهذا من الصعب بعض الأحيان أن نتابع هذا الإنتاج الذي أقوم به خاصة أنني أحترم الشعب المغربي وأقدم للقارئ المغربي كتابات في مستوى متقدم كما أن تشجيع الفكر المتخلف يزكي التخلف ويعمل على مراكمته.

    إن منهجية التساؤل أيضا هي مشروع في حد ذاته, فتحت بابا في علم الاجتماع مع آخرين, وساهمت في تأسيس بداية لمدرسة اجتماعية في المغرب, ثم انتقلت إلى الاهتمام بالثقافة الشعبية باعتبارها جزء من المجتمع, لأني أهتم بالفئات الصامتة والمكبوتة, ولأني أدركت أنه لا يمكن أن نتكلم عن المجتمع إذا لم تكن له كلمته ضمن التحليل نفسه, كان هذا بعد أن أدركت نوعية العلاقة الرابطة بين كبت المجتمع وكلام المثقف, عدت إذن إلى أسس الثقافة الشعبية في الأدب الشفوي والفنون الشعبية والعادات والحياة اليومية, أي أني انتقلت إلى البحث في الحياة اليومية من الناحية الاجتماعية والسيميائية, وبهذا فتحت بابا آخر فتح بدوره المجال للعديد من الكتابات حول الثقافة الشعبية في هذه الجهة أو تلك وحول الوشم وحول الموسيقى, وحول أشياء أخرى عديدة.

    فقد لعب كتاب »الاسم العربي الجريح« دورا مهما في توجيه منهجية تحليل الثقافة الشعبية كما اقترح مذهبا يمكن استثماره في مجالات أخرى, بالإضافة إلى هذه الأمور فتحت بابا آخر ربطت فيه بين علم الاجتماع والتحليل النفسي, حيث قمت بدراسات حول الجنس في القرآن الكريم وحول مفهوم الجسد وحول مسألة الجنون وحول قضايا أخرى.. وكان لي أيضا حوار مع الفلسفة, خاصة الفلسفة النيتشية, لأن نيتشه في رأيي فتح أبوابا كثيرة للفكر بصفة عامة فهو المؤسس للحداثة في الفلسفة, أي أنه آخر فيلسوف بهذا المعنى, وبعده بدأت تجربة في الفلسفة.

    بالإضافة إلى كل هذه المراحل التي ميزت مشروعي الفكري, هناك أيضا مرحلة الاهتمام بالفنون العربية الإسلامية كجزء من التراث ليس التراث الشعبي ولكن التراث الكلاسيكي العام. فمشروعي إذن ليس مشروعا تجريديا محضا كما يقول بعض العلماء, فأنا أقوم باكتشاف مجالات خطوة خطوة أما بالنسبة للاهتمام بالسياسة الذي لوحظ علي مؤخرا, فأنا أقول إن السياسة موجودة في أي كتاب لكن لأول مرة أهتم بقضية مطروحة هي »حكومة التناوب« وقد حاولت أن أبحث في خلفيات هذه المسألة وأنتظر الآن ما الذي سينتج عن هذا التحليل وأنا بهذا الأمر أحاول أن أفتح بابا آخر, لأن الأمر يحتاج إلى مبادرة أولى ثم تتبع الخطوة بخطوة أخرى من طرف آخر, خاصة أننا نلاحظ أنه ليس هناك نقاش بين المثقفين, وأنا هنا أتحدث عن حرب المواقف بل عن الحوار في المسائل الأساسية التي تهم الوضع المجتمعي بالمغرب فهناك الآن قضايا عديدة اجتماعية وسياسية مطروحة, وأنا دائما أرغب في تفعيل حوار إيجابي بصددها يشارك فيه الجميع, فالمثقف لا يعطي الدروس للقارئ أو للطلبة إنه هو الذي يأخذ دروسا في الحياة ويقوم بدراسة ذلك وغربلته وتأويله واستثمار كل هذا في بناء منهجية فكرية, فانا كمثقف لا أعطي الدروس لأي كان ولا أرغب في أخذ الدروس عن أي كان أيضا, إننا نتساءل الآن عن الحوار بين المثقفين أنفسهم وبين المثقفين وبين الناس أيضا؟ فالحوار غائب إلى حد ما ولا نرصد له أثرا في واقعنا.


    س: في بعض البلدان كفرنسا مثلا, كل وضعية في المجتمع إلا وتفعل حولها النقاش والجدال والحوار بين المثقفين وداخل الرأي العام ولدى كل المهتمين, إلا أننا لا نلاحظ ذلك عندنا, لأن الحوار حتى وإن تم لا يفعل إلا من طرف جهة محددة غالبا ما تكون سياسية, فلماذا بالضبط لا ينخرط الجميع في النقاش والحوار حول كل القضايا في المجتمع المغربي؟

    ج: يجب أن تكون هناك جدلية بين التحليل والسجال, لأننا نلاحظ أن ما يوجد هو حرب للمواقف وليس الحوار وإنه نوع من ممارسة العنف على الآخر, فمن أسس الحوار الاستماع إلى الآخر كآخر والاعتراف له لحقه في الرأي كآخر, ونحن بحاجة إلى طرح الأسئلة الصحيحة لأن طرح الأسئلة الصحيحة هو جزء من الجواب.

    يجب إذن القبول بالحوار وبالرأي الآخر بالإضافة إلى طرح الرأي الخاص وتدعيمه بالحجج, لأن الحوار ينبني على هذه الأسس على عكس حرب المواقف, وللأسف يسود عندنا خلط كبير بين الحوار وبين حرب المواقف.


    س: التبديد الثقافي ظاهرة ملازمة لمجتمعاتنا, ألا تعمق العولمة هذا التبديد؟

    ج: التبديد مطروح باستمرار, حتى بالنسبة للدول المتقدمة لكن ما هي طبيعة التبديد الثقافي الذي يحصل في المغرب؟ هناك أولا عدم الاهتمام بالتراث بطريقة متجددة ولهذا يجب الاهتمام بالتراث والعادات والقيم الحضارية التي تؤسس الشخصية المغربية. إنها مسألة أساسية لكن لا يمكن أن تتم هذه المسألة بأمر فوقي, ولأعطيك مثالا عن القيم الحضارية أحيلك على أولئك الذين يهاجرون من البادية إلى المدينة فهؤلاء الأشخاص حين ينتقلون إلى المدينة يعيشون في البداية فراغا في الهوية لأنهم انقطعوا عن البادية ولم يندمجوا بعد في قيم المدينة وهذا من مظاهر ما يسمى بالتبديد الثقافي, لأن ما هو اجتماعي واقتصادي يفعل بشكل رئيسي في التبديد الثقافي.

    إننا نعرف جيدا من الناحية النظرية أنه يجب الحفاظ على التراث ودراسته بطريقة متجددة لأنه لا يجب أن نكتفي بالتعامل معه كفولكلور بل يجب أن تتوفر متاحف جهوية ووطنية لتحفظه, وحين نتحدث عن التراث لا يجب أن نعني التراث القديم فقط بل حتى التراث الجديد, سواء تعلق الأمر فيه بالكتب الجديدة أو بالأفلام أو الصور وآخر للصوت, ونحتاج إلى أشياء كثيرة من أجل المحافظة على التراث.

    إن العولمة موجودة منذ القديم وليست شيئا جديدا, فالأفلام الأمريكية موجودة من زمان في العالم كله, وتشكل الصورة ثاني أهم إنتاج بعد صناعة الأسلحة, فنحن لا ننتبه إلى أنه في فترة انتشار الليبرالية الجديدة وليبرالية السوق اقترحت مجموعة من الحدود ولهذا فمساهمة العولمة في التبديد الثقافي تتم إذا كانت الثقافة غير متماسكة فنحن الذين نساهم في التبديد الثقافي, فمثلا حين تكون التلفزة المغربية مطالبة بتوفير أفلام فهي لابد أن تختار السلعة التي ستطلبها وهنا بالضبط يجب اختيار السلعة الجديدة والمنتوج النوعي فقط حتى لا نتسبب بأنفسنا في هذا التبديد. فالعولمة واقع الآن, لكن علينا أن نكون منتجين أيضا, فالهوية مسألة متعلقة بالماضي لكنها صيرورة أي أنها تؤسس وتجدد نفسها من جيل إلى جيل, وإذا كانت هناك ثغرة ما فلابد أن تظهر آثارها, فالتعليم مثلا بالإضافة إلى ميادين أخرى عديدة مسائل مهمة للحفاظ على الشخصية المغربية والقيم الحضارية الأساسية.


    س: لكن لابد من تصور محدد ودقيق من أجل ترسيخ البعد الميثولوجي والخيالي والرمزي للهوية الأصلية؟

    ج: هوية بلد وهوية شعب لها أسس متنوعة, فهوية المغرب تتكون من ملامح عديدة, الهوية فيها نقاش لأن بعض الناس يقولون إن الهوية المغربية تبدأ قبل الإسلام وهناك من يرى أن الهوية المغربية تبدأ مع بداية أسلمة المغرب وهناك من يحاول التوفيق بين الرأيين.

    فالهوية الأساسية لبلد لها أبعاد دينية وتاريخية وجغرافية ورمزية, تقوم على الحوار المستمر ومهم جدا أن يتم تقديم كيفية تصور صورة هوية المغرب بعيدا عن الشعارات, وبناء على مقاييس حقيقية وواقعية لأنه بهذا سيكون للتعليم أسس قوية..

    لابد إذن أن ندرس صورة الهوية في الحضارات المتقدمة فسؤال الهوية سؤال مهم لأنه موجود في كل الأرضيات الثقافية منها والروحية والتعليمية.

    يجب تشجيع المعرفة في جميع الميادين من أجل تحليل المجتمع المغربي, وتحليل العالم كعالم.

    إن قضية الفكر ليست تجريدية ولكنها مادية ويومية, فانا مثلا أرى المثقفين يكتبون في الصحف ويصدرون الكتب, إلا أننا لا نرى ممارسات يومية في الواقع, لأن النظرية أساسية, لكن التطبيق أساسي أيضا, ففي مجال التكوين مثلا لا يمكن الفصل بين الجانبين, لأن الفصل بين النظري والتطبيقي يساهم بدوره في التبديد الثقافي الذي تحدثنا عنه.


    س: هل ما تقترحونه الآن هو صيغة أخرى من أجل عدم التفريط في صورة المغرب البديع والمتعدد.

    ج: إن الفنانين والمفكرين يحاولون على طريقتهم إغناء الحياة اليومية بما هو جمالي وفكري, ولا يجب أن ننسى أن هؤلاء يمنحون حياتهم للآخرين ويضحون بها لأجلهم لأن لهم رغبة في ذلك ويودون إضفاء نوع من الجمال على الحياة اليومية, ولهذا بالضبط يجب تشجيع هؤلاء, وليس هذا فحسب, بل يجب وضع مقاييس وهياكل لهذا وليست الدولة وحدها المسؤولة عن تشجيع الإبداع بل الجميع, لأن الإبداع منتوج للجميع.

    وأنا شخصيا كنت منذ القديم أهتم باليومي في المجال المغربي, وبالتبديد الثقافي الذي يميز وضعنا, والذي يجعل حياتنا فقيرة للغاية.


    س: ما الذي يفعل لديكم هذا الانشغال الكبير بجرح الإسم الشخصي, وبالذاكرة الجمالية والثقافية المغربية خاصة بأبعادها المنسية واللامفكر فيها, كالأمثال والزربية والجسد والثقافة الشعبية وثقافة الصورة والوشم... الخ.

    ج: في »الإسم العربي الجريح« ركزت على مفهوم الجسد, لأن الجسم مادي وله أبعاد تاريخية ورمزية, فالعبيد هو الإنسان بكل صفاته, وما حاولت أن ادرسه هو كيفية تصوير الجسد في الثقافة ومن ثمة اهتممت برسم هذا الجسم عن طريق الوشم.

    كما اهتممت بالأمثال كلغة للجسد... إلخ, فالأبحاث التي أقوم بها تكون في بعض الأحيان تجريدية ولكن أكثرها يبدأ بطريقة إحساسية باطنية, ثم بعد ذلك تتحول إلى فكرة, ثم إلى افتراض ثم تصير متماسكة ومبنية.

    لقد فكرت دائما في المكبوت المغربي وفي الثقافة الشعبية ولم أفكر أبدا في الهجرة لماذا؟ لأنني عاشق للمغرب بكل جهاته, وعاشق لأهله, وليس لي نفور من هذه الأرض ومن أهلها, ولذلك بالضبط فأنا أشتغل على قضاياها الفكرية والجمالية والمعرفية.


    س: الثقافة الأمازيغية تراث وذاكرة وهو معطى في كياننا المستقبلي كيف يمكن أن ننهي مع الاستغلال المزدوج المميز للتعاطي مع المسألة الأمازيغية, وكيف يمكن توضيح وضعية السلم اللساني التي بإمكانها أن تخفف من مسلسل الإقصاء؟

    ج: لقد قلت هذا الأمر منذ مدة لأن السلم الاجتماعي يبدأ أولا بالسلم اللساني بين جميع العناصر المكونة للمجال الثقافي المغربي, فالسؤال المطروح هو بصدد قضية التعليم, أي كيف يمكن أن تعطى للأمازيغية مكانتها في الساحة الثقافية واللغوية والعلمية, فالأمازيغية جزء من الثقافة والتراث بالمغرب، ولهذا يجب أن تعطى لهذه الثقافة مكانتها الطبيعية, ولذلك نتساءل عن كيفية تحقيق هذا من الناحية التقنية ولابد أن يكون هناك جواب عن هذا الأمر.


    س: ما الذي بإمكانه أن يصحح وضعية المنسي الثقافي واللامفكر فيه الجمالي والإبداعي والفكري وكيف يمكن أن نفسح المجال لهذا المنسي ليساهم في إغناء المشهد المغربي؟

    ج: المغرب كما يعرف الجميع معروف بتراثه إلا أن هناك تبديد لهذا التراث, وهناك أشياء جميلة اندثرت وغابت من المغرب, وللمفارقة ففي عهد الحماية عمل الاستعمار على تأسيس إدارة خاصة, وأعطاها بعض المقاييس للحفاظ على جزء من التراث المغربي, وفي هذه الفترة أيضا كانت النظرة الفولكلورية في التعاطي مع التراث الخاص موجودة, ولازالت هذه النظرة توجد لحد الآن, ونساهم نحن أنفسنا في تسييدها في الوقت الذي يحتاج تراثنا إلى اهتمام علمي, وبالإضافة إلى هذا يجب أن نهتم أيضا بمسألة أخرى وهي التراث الجديد.

    فالتراث جزء من الماضي لكنه يجب أن يتجدد حتى لا يتحول إلى أشباح, وحتى لا يبقى بعيدا عنا, وهذه مسؤولية الجميع.


    س: ألا يمكن اتهام جهة محددة بتسييد القبح والسماجة, وبتبديد ملامح الجمال في المجال المغربي عامة؟

    ج: ربما لكن ما هو أساسي هو الجهل...


    س: بصيغة أخرى إلى ماذا يمكن أن نرجع جهل الإنسان المغربي بعمق وإبداعية بعض المجالات الخاصة كالرقصات والإيقاعات والفنون المحلية, هذا في الوقت الذي يعرف فيه كل شيء عن إبداعات الآخر الغربي والشرقي؟

    ج: معك حق.. ورأيي منذ القديم هو أن الرقص الأطلسي مثلا تراث هام ويشمل على الكوريغرافيا بمعناها الحقيقي, فكل مكونات الكوريغرافيا تتوفر في الرقص الأطلسي. ولهذا بالضبط يجب تدريسه في المدارس, ويجب التعريف بكل أنواع الرقص المغربي. فمعك الحق في قولك إن الناس عندنا تعرف أشياء عن الرقص الأمريكي ولا تعرف أي شيء عن رقصنا نحن وفي هذا يمكن أن نتهم تعليمنا كما يمكن أن نتهم أشياء أخرى.


    س: المؤسسات في المغرب لم تعلمنا الإنصات لعمق الأشياء في المجال المغربي سواء بالنسبة للأسرة أو بالنسبة للتلفزيون؟

    ج: إني أقول نفس الشيء, وبالإضافة إلى هذا هناك جهل, وهناك عدم الانتباه للأشياء الأساسية والعميقة وهناك أشياء أخرى أيضا من مثل قلة الإنتاج في بعض الميادين, وغياب الاهتمام بالتراث نهائيا.


    س: الاختلاف خطاب نظري بالأساس كيف يمكن الحديث عن تجلياته في وعي المثقف بالشؤون المجتمعية وفي السلوك اليومي للأفراد؟

    ج: الاختلاف مسألة أساسية, سواء مع النفس أو مع الآخر’ فالاختلاف يبدأ أولا بالحوار مع العالم منذ الولادة, والطفل حين يتكلم مثلا ويتلقى جوابا نقول إن هناك حوارا, لكن إذا لم يتم ذلك وووجه بالضرب فهنا يعني أن الحوار منعدم, وليس هناك قبول بالاختلاف في الأصل, ونفس الشيء بالنسبة للكبار فإما يتم القبول بالحوار أو يدخل الجميع في حرب المواقف, والضغط على الآخر من أجل القبول بالرأي الخاص وفي رأيي الخاص ففي كل الميادين, نجد موقفا مزدوجا يتكون الجزء الأول منه من الحوار والثاني من حرب المواقف.

    س: نلاحظ انتعاش دعوات النكوص والارتداد والاختلاف الوحشي في المجال المغربي, إلى ماذا يعود هذا؟

    ج: بالفعل هناك مجموعة من التيارات المنغلقة على ذاتها تبرز الآن عندنا وهذه ظاهرة اجتماعية يجب دراستها وتحليلها وأشير هنا إلى أن الدعوات النكوصية وجدت دائما في العديد من المجتمعات إنها ظاهرات شعبوية تتكلم باسم الشعب ولها طموحها الخاص, لكن الأساسي بالنسبة إلي هو أنها ظاهرة ويجب أن تدرس بهذه الصفة لا غير.


    س: هل في رأيكم انتهت الآن الحاجة إلى مثقف المواقع والثقافة المتمردة والرافضة, وهل على الجميع أن يقبل بالتوافقات التي تطرح أو تفرض داخل المجتمع؟

    ج: هناك خلط في ما يخص قضية التوافق, لأن التوافق يتطلب مجموعة من الشروط من بينها معرفة الناس بلغة موحدة. والحديث باللغة الواحدة هي مسؤولية الجميع وحين نقول بالمسؤولية نقول أيضا بالإيمان بالحوار, والإيمان بمجموعة من المقاييس, لأن هناك أشياء بحاجة إلى دراسة وأخرى بحاجة إلى توضيح, وبالإضافة إلى كل هذا أقول إنه لا يمكن أن يتم القبول بأي شيء كما لا يمكن أن تستمر جهة ما في المعارضة باستمرار فتصبح المعارضة بهذا حرفة ومهمة دائمة لديها.

    فالوضوح إذن مطلوب سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للجماعة, وعلى كل واحد أن يعرف كيف يميز بين الأشياء وبين الواقع.


    س: في المغرب الحالي, من يحمل صوت الناس خاصة أفقر الفقراء وأبأس البؤساء, في الجغرافيا المنسية من الوطن من يتكلم باسم هؤلاء على المستوى الثقافي والسياسي؟

    ج: لقد تكلم الكثيرون باسم هؤلاء وقد تكلمت أنا شخصيا عن هذه الأشياء في كتابي الأخير وليس لي شيئا جديدا أضيفه.


    س: تحدثتم في ما سبق عن الوعي الشقي ماذا عن الوعي والوعي الشقي بالنسبة للمثقفين وبالنسبة للسياسيين, خاصة بالنسبة لسياسي ومثقفي اليسار المغربي؟

    ج: بالفعل سبق لي أن كتبت عن الوعي الشقي وعن الصهيونية, وكان ذلك بعد حرب 1973, أما بالنسبة لسؤالك فأقول يوجد مثقفون عندنا يمارسون السياسة, بل ويوجدون في الحكومة أيضا, وهناك مثقفون يهتمون بمجالات أخرى ويرتبطون بها, والمثقف عندنا له التزامات ذاتية تجاه القيم الحضارية التي يدافع عنها, إلا أننا نجد مجموعة من المثقفين منعزلين في مدنهم لعدم توفرهم على إمكانيات للحضور والمشاركة بالصيغة التي يشارك بها المثقف المتواجد ببعض المراكز المحددة.

    وما أضيفه في هذا الموضوع هو أن المثقفين أنفسهم بحاجة إلى دراسة اجتماعية خاصة.


    س: ماذا عن دور ورهانات المجتمع المدني بالمغرب؟

    ج: لي رأيي في الموضوع, ويحتاج توضيحه لبعض الوقت, وقد كتبته في مقال وإذا أردت أن نتحدث في هذا الموضوع نحدد موعدا خاصا لذلك.


    س: انخرطتم في مشروع إبداعي يشكل ملمحا أساسيا في التجربة الإبداعية المغربية, من محطاته »الذاكرة الموشومة« و» كتاب الدم« و» صيف في ستوكهولم« و »المناضل الطبقي على الطريقة التاوية« و »ثلاثية الرباط« ما هي الخلفيات التي تحرك لديكم الاهتمام بالكتابة الإبداعية؟

    ج: بدأت حياتي الثقافية بالكتابة الإبداعية لأن الكتابة هي ما يبقى. لي عشق خاص للكتابة وللكتاب لأنني أومن أن حضارة الكتابة حضارة عظيمة بالفعل, فالإبداع شيء أساسي بالنسبة لي, لأني حتى قبل أن أكون كاتبا كنت أعيش علاقة مع الكتاب الأحياء والأموات من خلال إبداعهم, الذي عملوا من خلاله على تدوين الذاكرة الإنسانية. فأنا لي عقد خاص بجماعة الكتاب والمبدعين.

    أنا أكتب دائما انطلاقا من علاقتي مع الواقع, ولا أكتب انطلاقا من المتخيل فقط. فثلاثية الرباط مثلا, هي عبارة عن مقدمة تمهيدية لكتابي الأخير... التناوب والأحزاب السياسية ويمكن أن نعقد مقارنة بين الكتابين.


    س: لماذا انحبس عندكم الاهتمام بالتنظير الروائي والكتابة الشعرية؟

    ج: لي كتابات شعرية, وأنا لست مزدوجا في مجال الإبداع, فالشعر موجود عندي حتى في النثر, وعندي مجموعة من المشاريع مكتوبة لكني لا أتسرع في نشرها.


    س: يعرف عنكم اهتمامكم بالشرق, ما الذي يجذبكم في الشرق؟

    ج: لقد زرت البلدان الشرقية منذ القديم, خاصة بالنسبة لمصر, وسوريا واليمن, لكن بالنسبة للشرق الآخر, فقد زرت أندونيسيا, وأرتبط باليابان بعلاقة ثقافية وجمالية, وأنجذب أكثر للحياة اليومية لأندونيسيا, ولي مشروع أساسي حول اليابان يحتاج إلى بعض الوقت من أجل إخراجه, وأرغب في العودة مرة أخرى إلى اليابان, وما أود قوله بصدد هذا البلد هو أنه أخذ الكثير من حضارة وثقافة الصين.


    * منقول عن :
    منشورات الموقع - حميد تباتو: حديث الاختـلاف
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..