أندريه بروتون - كان النَّدى يُهَدْهِد نفسه.. ترجمة: مبارك وساط

1- الموتُ الوَرديّ

ستُرْشِد الأخطبوطات المجنّحة لِمرّة أخيرة القاربَ الذي صُنِعتْ أشرعتُه من هذا النّهار
الأوحد ساعةً ساعةَ
إنّها السّهرة الوحيدة التي ستشعر إثْرها بأنّ الشّمس تصعد في شَعرك بيضاءَ وسوداء
من الزّنازين سيَرشَح مشروب روحيّ أقوى من الموت
حين نتأمّله من فوق هاوية
ستتّكئ المذنّبات بحنان على الغابات قبل أن تصعقَها
وكلّ شيء سيَنتقل إلى الحُبّ الذي لا يتجزّأ
إذا ما حدث أن اختفى وازعُ الأنهار
قبل أن يسود تماماً ظلامُ الليل ستُعاين
الوقفةَ الكبرى للفِضّة
على شجرة خوخ مزهرة ستَظهر الأيادي
التي كتبتْ هذه الأبيات والتي ستصيرُ مغازلَ من فِضّة
هي أيضاً وأيضاً سُنونوات من فِضّة على نَوْل المطر
سترى الأفقَ ينفتحُ قليلاً وسيُقضى فجأةً على قُبْلةِ الفضاء
لكنّ الخوف سيكون وقتَها قد كفّ عن الوجود وبلاطات السّماء والبحر
ستُطيّرها الرّيحُ الأقوى منّا
ما الذي سأفعله بارتعاشِ صوتك
يا فأرةً ترقص الڤالس حول النَّجفة الوحيدة التي لن تسقط
كرافِعةٍ في يد الزّمن
سأُصْعِد قلوب البشر
من أجل رَجمٍ أسْمى
سيُحوِّم جوعي مثلما ماسة نُحِتتْ أكثرَ ممّا يجب
سيَضفِر شَعر ابنته النّار
صمتٌ وحياة
لكنّ أسماء العشّاق ستُنْسى
مثلما قطرة الدّم التي هي زهرة جميلة
في الضّوء المجنون
غداً ستكذبين على شبابكِ نفسه
على شبابك العظيم يا يراعة
الأصداء سَتَشدّ لوحدها وبشدّة كلّ هذه الأماكن التي كانتْ
وفي الامتداد النّباتي اللانهائيّ والشّفاف
ستتجوّلين في رفقة السّرعة
التي تأتمر بأوامرها دوابُّ الأَحراج
حُطامي ربّما سيٌسبّب لكِ خدوشاً
دون أن تَريْهِ كما لو أنّك هويتِ على سلاح طافٍ
ذلك أنّني سأنتمي إلى الفراغ المماثل لأدراج
سُلّم تُسمّى حركتُه بِصعوبة أكيدة
إليكِ بالعطور من تلك اللحظةِ العطورِ الممنوعة
حشيشةُ الملاك
تحتَ الزَّبد الأجوف وتحت خُطاك التي ليستْ خُطىً
أحلامي ستكون قَطعِيّة وغيرَ ذاتِ جَدوى كما صوت جفون الماء في الظِّل
سأنفذ إلى أحلامك لأسبِر فيها عمقَ دموعك
نداءاتي ستتركك متردّدة بلطف
وفي القطار المُنْشأ من سلاحفِ جليدٍ
لن يكون عليكِ أن تقرعي ناقوس الخطر
ستصِلين وحيدةً إلى ذلك الشّاطئ المعزول
حيثُ نجمةٌ ستحُطّ على أمتعتك التي من رمل


2- الأَوْلى الحياة

أَوْلى الحياةُ من هذه الموشورات عديمةِ السّمك حتّى وإنْ كانت الألوان أكثرَ صَفاءً
أوْلى من هذه السّاعة المُغطّاة باستمرار من هذه السّيّارات الرّهيبة التي من لهيب بارد
من هذه الأحجار النّاضجة أكثر من اللازم
أوْلى هذا القلب الذي يُفتَح بضغطة
من هذه البِرْكة ذات الهمهمات
ومن هذه القماشة البيضاء التي تُغنّي في آن في الهواء وفي التّراب
من نعمة الزّفاف هاته التي تَصِل جبيني بجبين الخُيلاء الكامل
الأوْلى الحياة
الأَوْلى الحياة بشراشفها طاردةِ الشّر
بندوبها الباقية من عمليّات الفرار
الأَوْلى الحياة الأَوْلى وردةُ التّزيين هاته على قبري
حياة الحُضور لا شيء غير الحُضور
حيثُ صوتٌ يقول أأنتَ هنا وآخرُ يُجيب أأنتَ هنا
لا للأسف لستُ قطْعاً هنا
مع ذلك حين يحدث أن نُساند ما نجعله يموت
الأَوْلى الحياة
الأوْلى الحياة الأوْلى الحياةُ الطفولةُ الجَليلة
الشّريط الذي يُطلقه دَرويش
يُشبه مِزلقة العالَم
ما هَمّ إنْ كانت الشّمس مُجرَّدَ حطام
إذا ما كان جسد المرأة يُشبهها
تحلم وأنت تتأمّل المسار على طوله
أوْ فحسب مُغمِضاً عينيك عن العاصفة البديعة التي اسْمُها يدُك
الأَوْلَى الحياة
الأَوْلى الحياة بما لها من قاعات انتظار
حين يكون المرء عالماً بأنّ الدّخول لنْ يُتاحَ لهُ أبداً
أَوْلَى الحياة من مؤسّسات العلاج بالمياه المعدنيّة هاته
حيثُ قلاداتٌ تتكفّل بالخدمة
ألأَوْلى الحياة غير المؤاتية والطّويلة
حين يقع أنْ تنغلق الكتب هاهنا فوق رفوفٍ أقلّ نعومة
وحين يحدث أن يكون الجوّ أحسن من الأحسن هناك حين يحدث أن يكون الجوّ حُرّيةً
نَعَمْ
الأوْلى الحياة كخلفيّةٍ للاستخفاف
لهذا الرّأس الجميل كفايةً
كترياق لذلك الكمال الذي تستدعيه وتخافُه
الحياةُ مسحوقُ التّجميلِ الإلهي
الحياة مثلما جواز سَفر لمْ يُسْتعمل
مدينةٌ صغيرة مثلما پُونتامُوسّون
وبما أنّ كلّ شيء قد قِيل
الأَوْلى الحياة


3- بالقياسِ إلى الآلهة
إلى لويس أراغون
« قبل منتصف الليل بقليل قربَ رصيف الميناء،
« إذا تبعتْكَ امرأةٌ شعثاءُ فلا تتوجَّسْ من ذلك.
« إنّها اللازورد. ليس هنالك ماتخافه من جهة اللازورد.
« ستكون هنالك مزهريّة كبيرة صهباء بين أوراق شجرة.
« بُرجُ أجراسِ قريةِ الألوان الذّائبة
« سيكون لكَ نقطةَ استدلال. خُذ وقتك،
« تذكّرْ. الحَمّة السّمراء التي تقذف إلى السّماء بنبْتات الفُطر
« تُحيّيك. »
الرّسالة المختومة من زواياها الثّلاث بِسمكة
كانت الآن تعبر في ضوء الضّواحي
كما لافِتة مَحلِّ مُرَوِّض.
والحاصل
أنّ الجميلة، الضّحِيّة، تلك التي كانوا يُسَمّونها
في الحيّ بِهرَم البُليحاء الصّغير
كانتْ لِوحْدها تَحلّ خيوطَ غيمةٍ شبيهةٍ
بكيسٍ صَغيرٍ من الرّحمة.
بعد ذلك بوقت إذْ كانت الدِّرع البيضاء
وهي منصرفة إلى الاهتمامات المنزلِيّة وسِواها
تأخذ، مرتاحة كما لم تكن قَطّ من قبل،
الطّفل من القوقعة، ذلك الذي كان ينبغي أن…
لكنْ لِنلزمِ الصّمت.
كان أتونٌ يمنح
في حِضنه مجالاً لرواية فروسيّة تَخلب
اللبّ.
على الجسر، في السّاعة نفسِها،
هكذا كان النّدى ذو رأسِ القطّة يُهدهد نفسه
وإذْ يحلّ الليل، – قد تكون الأوهام تبدّدتْ.
ها هم الآباء البِيض1 يعودون من صلاة السِّتار
والمفتاح هائلُ الضّخامة مُعلَّق فوقهم.
ها هم حاملو النّبأ العظيم الرّماديّون؛ وأخيراً ها هي رسالتُها
أو شَفتُها: قلبي هو وقواق بالنّسبة للإله.
لكن ما إن انتهت من الكلام، حتّى لمْ يبق هنالك سوى جدار
يترجّح في قبر كما شراع رماديّ حالك.
الأبديّة تبحثُ عن ساعة يَد
قبل منتصف الليل بقليل قُرب رصيف الميناء.
4- قسمان من الكتاب الشّعريّ:
“سمكة قابلة للذّوبان“:

القسم التاسع
ليلة شنيعة، ليلة أزهار، ليلةُ حشرجات، ليلةٌ مُدوِّخة، ليلةٌ صمّاء يَدُها طيّارة ورقيّة بشعة مشدودة من كلّ الجهات بخيوط، خيوط سوداء، خيوط مُخزية! يا ريفاً من عظام بيضاء وحمراء، ماذا فعلتَ بأشجارك المقزّزة، ببراءتك المتشجرة، بإخلاصك الذي كان كُييْساً تزدحم فيه اللآلئ، منقوشة عليه أزهار وكتاباتٌ كيفما اتّفق، ودلالاتٌ في أقصى الحالات؟ وأنتَ، يا قاطع الطّريق، يا قاطع الطّريق، آه إنّك تقتلني، يا قاطع طريقٍ في ماء ينزعُ أوراق سكاكينه في عينيّ، ألا تعرف الشّفقة، يا ماءً مُشِعّاً، يا ماءَ معموديّةٍ أُكنّ له الحبّ ! ستطاردكم لعناتي طويلاً مثلما طفلة جميلة حدَّ أنّها تُخيف، طفلة تُلوِّح في اتّجاهكم بمكنستها التي من وزّال. في طرف كلّ فرع هنالك نجمة وهذا لا يكفي، كلّا، يا هندباءَ مريم العذراء. ما عُدت أُريد أن أراكمْ، أريد أنْ أُخرِّق بقطع رصاصٍ صغيرة طيوركم التي ما عادتْ حتّى أوراقاً، أريد أن أطردكمْ من بابي، يا قلوباً ذات بُزور، يا أمخاخًا منذورةً للحُبّ.كفى من التّماسيح هناك، كفى من أسنان التّماسيح على دروع المحاربين السّاموراي، وكفى أيضاً من دفقات الحِبر، وفي كلّ مكان جاحدون، جاحدون بأطرافِ أكمامٍ حمراء أرجوانيّة، جاحدون لهم عيون الكشمش الأسود، لهم شَعْرُ دجاجة! اِنتهى الأمر، لن أُخفي بعدُ شعوري بالخِزْي، لا شيءَ بعدُ سيمكنه أن يهدّئني، ولا أقلُّ من لا شيء. وإذا كانت عجلات القيادة في حجم بيوت، فكبف تريدون منّا أن نلعب، أن نتعهّد ديداننا، أن نضع أيدينا على شفاه القواقع التي تتكلّم بلا توقّف (هذه القواقع، من سيُسكتها، آخِرَ الأمر؟). لا أنفاسَ بعد، لا دم، لا روح ولكنْ أيادٍ لِعجن الهواء، لجعل خبز الهواء في لون الذّهب لِمرّة واحدة، لِتصْفقَ الممحاةَ الكبيرة للرّاياتِ النّائمة، أيادٍ شَمسيّة، وبإيجاز، أيادٍ جمّدتها البرودة!

القسم السّادس عشر
المطر وحده إلاهيّ الطّابع، لذا فإنّ العواصف حين تنفض فوقنا فائقَ زيناتها، وترمي إلينا بأكياس نقودها، نشرع نحن في القيام بحركة تمرّد لا تُماثلُ إِلّا دعكَ أوراقِ أشجارٍ في غابة. السّادة الكبار، ذوو حواصل المطر، رأيتُهم يوماً يمرّون على خيولهم وأنا من استقبَلهم في النّزل الطّيب. هنالك المطر الأصفر، الذي تَسقط قطراته، العَريضة مثلما شَعْرنا، مباشَرةً في النّار التي تُطْفِئها، المطر الأسود الذي تنساب قطراته على زجاج نوافذنا بتحبّب مخيف، لكنْ لا ننسَ أنّ المطـر وحـده إلاهيّ الطّابع!
في هذا اليوم الماطر، وهو يوم مثل أيّام الأخرى كثيرة أكون خلالها الرّاعي الوحيد لقطيع نوافذي على حافة هاوية أُقيمَ فوقها جِسرٌ من الدّموع، أُدَقّق النّظر في يديّ اللتين هما قناعان على وجهين، ذئبان يرتاحان كثيراً لدنتيلّا أحاسيسي. أيّتها اليدان الحزينتان، إنّكما ربّما تُخْفِيان عنّي الجمال كلَّه، لا أُحِبّ مظهرَ المتآمرتين الذي لكما. بالتّأكيد سأجعلُ رأْسيكما يُقْطعان، ولستما من سأنتظر منهما إشارة للقيام بذلك؛ أنتظر المطر مثلما قنديل رُفِع ثلاث مرّات في الليل، أو عمود من البلّور يصعد وينزل بين التّشَجّرات المباغتة لرغبتي. يداي هما تمثالان للعذراء في كوّةٍ قاعُها له زرقة الشّغل: ما الذي تمسكان به؟ لا أريد أن أعرف ذلك، لا أريد أن أعرف سوى المطرِ بما هو قيثارٌ كبير على السّاعة الثّانية بعد الظّهيرة في قاعة استقبال بيتِ السّوء، المطرِ الإلهيّ الطّابع، المطرِ بُرْتقاليِّ اللون ذي الجوانب الخلفيّة التي هي أوراق سرخس، المطر بما هو بيوضٌ للضّريس شفّافةٌ كلّيّةً وباعتباره أجزاء صغيرة من أصوات يُرجعها الصّدى الألف.
ليس لعينيّ تعبير أقوى ممّا لقطرات المطر التي أُحِبّ أن أستقبلها في داخل يدي؛ في داخل فكري يسقط مطر يجعل نجوماً تهوي معه مثلما يجرف نهرٌ صافي المياه الذّهبَ الذي سيجعل عمياناً يقتتلون. بين المطر وبيني تمّ عقدُ ميثاقٍ باهر وفي ذكرى هذا الميثاق تُمطر السماءُ أحياناً والشّمس في أشدّ السّطوع. وخضرة الأعشاب هي أيْضاً مطر، يا مَرْجاتِ خَضيرٍ، يا مَرْجات خَضير. السّرداب الذي توجد بمدخله شاهدة قبر تحمل اسْمي هو السرداب الذي يسقط فيه المطر بشكل أفضل. والمطر هو ظِلٌّ تحت قُبّعة القشّ الهائلة التي لفتاةِ أحلامي الشّابّة، وشريط تلك القبّعة هو جدولُ مطر. ما أجمل المطر ويا للتأثّر الذي تعرف كيفَ تُسبّبه لي أغنيتُه التي تعود فيها أسماء بنّائي السّقوف الشّهيرين! فما الذي أمكن إنشاؤه من الألماس عدا أنهار؟ المطر يُضخّم هذه الأنهار، المطر الأبيض الذي ترتدي فيه النّساء ألبستهنّ بمناسبة زفافهنّ، والذي له رائحة زهرة شجرة التّفّاح. لا أفتح بابي إلّا للمطر ومع ذلك يُقرَع جرسُ بيتي في كلّ لحظة ويكاد يُغْمى عليّ حين يتمّ الإلحاح، لكنّي أعتمد على غيرة المطر لتُخلّصني في نهاية المطاف، وحين أنصب شِباكي لطيور النّوم، يكون ما آمله أوّلاً هو أن أضع اليد على جنّات المطر الكامل الباهرة، على الطّائر–المطر الذي هو موجود كَما الطّائر– القيثارة. فلا تسألوني إنْ كنتُ عمّا قريبٍ سأَنفذ إلى ضمير الحبّ مثلما يُشير البعض إلى ذلك، وأكرّر لكم أنّكم إنْ رأيتموني أتوجّه نحو حِصنٍ من زجاج حيثُ تتهيّأ لاستقبالي مقاييسُ للمقادير مطليّةٌ بالنّيكل، فذلك لأباغت فيها الدّيمة2 في الغابة النّائمة، فلا بدّ لها من أن تكون عشيقتي.
……………


1- “الآباء البِيض” هي التسمية الرّسمِيّة للمبشّرين بالمسيحيّة في إفريقيا، أمّا صلاة السّتار فهي صلاة العَصْر عند الكاثوليكيين.
2- الدّيمة، هنا، بمعنى المطر، واعتماد هذه الكلمة المؤنثة يفرضه سياق العبارة كما هو واضح.
…………………….


* منقول عن:
كان النَّدى يُهَدْهِد نفسه/ أندريه بروتون - ثقافات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى