نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أمل الكردفاني- حظيرة الدجاج الأعمى- مسرحية من مشهد واحد

  1. المسرح: " على يسار الخشبة طاولة وثلاثة مقاعد يجلس عليها رجل وسيدة خمسينية وفتاة تقترب من الثلاثين . على الطاولة كؤوس وقناني عصير أصفر اللون. لافتة على يمين الخشبة ، فوق باب خشبي بعنوان (مقهى حظيرة الدجاج الأعمى) ، المسرح تغطيه اضاءة صفراء قوية لدرجة الازعاج ، وكل شيء مصبوغ بالأصفر ، الجدران ، المقاعد الثلاثة ، الطاولة ، الأشخاص الثلاثة ، ملابسهم وشعرهم ولون جلدهم...ولا شيء غير ذلك".
    الفتاة- لن أزعجك بطلبات كثيرة يا عزيزي... المهر فقط .. بضع جرامات من الحلي الذهبية .. فساتين وقليل من العطور وملابس داخلية.. (قالت ملابس داخلية بصوت إيحائي وهي ترمق الرجل بابتسامة خبيثة)..
    الخمسينية- ولا تنسى أيضاً الثلاجة والبوتوجاز وأهم شيء الميكرويف ... ففي بداية أيام حياتكما سويا لن تطبخا كثيرا حتى تستمتعا بالوقت .. ستعتمدان على الطعام الجاهز وغالبا يحتاج الطعام الجاهز الى تسخين سريع...(التفتت الى الجمهور ثم تأوهت بحسرة).. صدقاني هذه هي الأيام الوحيدة التي سيهرول فيها وقتكما كجناحي الطائر الزنان... بعدها..
    الفتاة- أمي..كفى ...
    الرجل- تعرفين يا........ حسنا لن أقول خالتي فنحن قريبان في العمر بل ربما تكونين أصغر مني بعقود (تبتسم الخمسينية بفرح).. تعرفين يا حماتي... آآآه .. حتى حماتي لا تناسبك ... لماذا كنتِ أمها.. لكنت تزوجتك معها .. (يقول بجدية) طبعا إذا كان ذلك يناسبك...
    الخمسينية- (تضحك وتبرز أسنان رمادية غير منتظمة) ... طبعا كان ليناسبني يا عزيزي فأنت رجل تتمناه كل النساء.. وسيم .. وغني ... ووالدتك متوفية وهذه معجزة... آه يا عزيزي .. قل لي يأ أختي.. أختي الصغيرة تسعدني... صحيح أنها لا تتناسب مع كونك خطيب ابنتي .. لكن لا بأس حتى لا ..
    الفتاة- أمي...كفى ...
    الرجل- حقيقة أنا مستعد أن أبذل روحي رخيصة من أجل نهلة... وأموالي كلها تحت يديها ومعها روحي ... تعرفين يا نهلة أننا شعب قليل التعبير عن مشاعره .. لكنني لم أكن مثل هذا الشعب... لقد كنت دائما أطلق العنان لمشاعري .. أبكي كالنساء ولا أخجل.. أغضب كالأسد ولا أخجل .. أسب وألعن ولا أخجل.. وأحبك أيضا ولا أخجل...
    (صمتَ ، ونهلة تنظر اليه بخوف وقلق في حين ترمقه أمها بابتسامة مدلهة)
    الرجل- لماذا لا تقولي شيئا يا نهلة؟
    (تستمر نهلة في التحديق فيه بخوف وقلق)
    الخمسينية- (توكزها بكتفها) استيقظي يا حمقاء.. أنت هبلة ولست نهلة...
    نهلة- (تنهض بسرعة وقلق).. أريد الذهاب إلى الحمام... استئذنكما.. (تدور وراء كرسي أمها التي تمسكها من بنطالها)..
    الأم- انتظريني .. سآتي معك... تلاحظين طبعا التكييف الضعيف في هذا المقهى..
    الرجل- نعم إنه مقهى قديم منذ منتصف القرن العشرين .. هم لا يريدون تحديث نمطه على ما أعتقد ليظل متمتعا بطرازه الكلاسيكي هذا.. والتكييف كما تعلمون توحي برودته بالانتقال من أفريقيا إلى القارة القطبية..
    (تتحرك المرأتان إلى يمين المسرح)
    الأم- ماذا دهاك يا حيوانة؟
    نهلة- ألم تسمعي ما قاله يا أمي...
    الأم- لم يقل شيئا لأسمعه.. كل ما قاله لطيف...
    نهلة- لقد قال بأنه يبكي ويضحك ويغضب دون خجل...
    الأم- وماذا في ذلك؟
    نهلة- أليس هذا دليلاً على الجنون... هذا الرجل مجنون..
    الأم- إيييييه يا حمقاء.. الرجال يحبون استعراض حماقات وهمية أمام حبيباتهم... هل تصدقينهم.. اسأليني أنا... أبوك حينما خطبني قال بأنه يكره النظام ويلعنه وأنه صاحب تاريخ نضالي ضد الدكتاتورية ... قال لي بأنه اعتقل مئات المرات... قال لي بأنه شارك في عشرات المظاهرات ضد النظام ....
    نهلة- من.؟!!... أبي!!!؟
    الأم- صدقي أو لا تصدقي... المهم أنني بمجرد أن انتهى من أفلامه هذه أو كما تسمونها أنتم جيل هذا العصر بالطلس.. بمجرد أن انتهى حتى خلعت دبلة الخطوبة وألقيتها في وجهه...فأنا لا أريد أن أتزوج رجلا حالما وثوريا .. الثوري هو ثور .. تماما ثور .. ليس ثورا عاديا بل ثور من ثيران المصارعة الإسبانية... يهجم على خرقة حمراء ليتم قتله في النهاية أمام جمهور من الساديين الساخرين...
    نهلة- يا إلهي يا أمي.. كنت مادية ووصولية منذ ذلك العهد وحتى اليوم... هذا جيد...
    الأم- بالتأكيد- فنحن نعيش عمرا واحدا يا بنيتي...ولا أحد يستحق أن نهدر هذا العمر من أجله... ولذلك كما أخبرتك.. هذا عريس لقطة.. ساقه القدر إلينا...مليونير .. يمتلك مصانع.. يمتلك منازل وقصور .. أرصدة في البنوك.. سفر كل عام لأوروبا وآسيا والأمريكتين...فحتى لو كان مجنونا - ولا أعتقد أن المجنون يمكن أن يصبح مليونيرا- فيجب أن تقبلي به...(تنظر نحو نهلة بقسوة وعنف) أم تراك لا زلت تحنين لحاتم الصعلوك؟
    نهلة-(اكفهر وجهها) التافه حاتم.. طبعا لا ... المخادع التافه.. التافه الحقير .. (يتهدج صوتها) .. الملعون الكلب...(تبدأ في البكاء)... الحقير .. الحقييير ... (ترتمي على صدر أمها وتبكي)...
    الأم- حسنا.. لا زلت تحنين إلى الصعلوك الصغير... يقول المثل إن المرأة قد تنسى من انتشلها من الوحل ولكنها لا تنسى من دفعها فيه.... امسحي دموعك السوداء هذه ولنعد إلى مقاعدنا... هيا يا جزرتي الحلوة...
    نهلة- جزرتك الحلوة!؟
    الأم- نعم.. جزرتي الحلوة.. عندما حبلت بك توحمت على ورق الجرائد...
    نهلة- ورق جرائد؟
    - نعم .. أبوك اشترى جرائد خصيصا لآكلها ..
    نهلة- وهل أكلتها؟
    الأم- بالتأكيد وكأنها خروف محشي بالأرز والمكسرات...
    نهلة- وما علاقة الجزر بذلك طيب؟
    الأم- لا أعرف وتوقفي عن الاسئلة ولنعد إلى مقاعدنا...
    (يعودان الى الطاولة...
    ينفتح باب المقهى على يمين الخشبة ، ويدخل رجل يصبغ شعره الكث وجلده ووجهه وجلبابه باللون الأحمر... ينظر إلى الجالسين الثلاثة .. يحدق فيهم ويحدقوا فيه .. يحدِّجهم بنظرات ساخطة ... ويحدقون نحوه بفضول)..
    الرجل الأحمر- يا رجل... أنت يا رجل... نعم أنت أنت...
    خطيب نهلة- نعم .. ماذا هنالك؟
    الرجل الأحمر- لماذا تضع ساقيك على الشاطئ.. ممنوع تلويث الشاطئ بالقاذورات.. الا تقرأ اللافتة؟
    خطيب نهلة- أي لافتة..؟ وأي شاطئ؟
    الرجل الأحمر- ماذا تقصد...؟
    خطيب نهلة- أقصد أن وصول أمريكا الى القمر كان خدعة... هل أنت كميرا خفية...؟
    الرجل الأحمر- كميرا... قمر... هل تقصد أن السحالي تتزوج البط.. يبدو أنك تسخر مني..
    خطيب نهلة- حقا لا أسخر منك.. إنني أتحدث بكل جدية يا سيدي...
    الرجل الأحمر- ولكن كيف تكون جادا ومعك كلبتان لهما أنياب حادة...
    الأم- (بغضب) ماذا تقصد بكلبتين أيها الصعلوك..
    نهلة- ماذا تريد...سنأكلك إذا لم تفصح عن نواياك بوضوح..
    الرجل الأحمر- لن يستطيع أحد أكلي.. هل تظنون أنني لحمة طرية... لا .. لا وألف لا... أنا لحمي مر.. مر .. مر...
    خطيب نهلة- لا تصدقها يا سيدي إنها كلبة لطيفة ..
    نهلة- (تتسع عيناها بذهول)... أنا .. أنا .. أنا لطيفة.. يا للهول.. متى كنت كلبة لطيفة أيها السباح الذي يغرق في ماء المطر؟
    خطيب نهلة- لطيفة .. صدقني.. إنها تكذب.. هكذا هن الكلبات على أي حال.. يكذبن لحبيبهن...
    الرجل الأحمر- وتلك الكلبة السمينة؟
    الأم- سمينة في عينك يا هلفوت... سمينة في عينك... احترم نفسك ولونك الأخضر الجميل...
    الرجل الأحمر- تبا لي .. هذا خطأي أنا .. لم يكن يجب علي أن أنحط لمستوى الكلبات السمينات أبدا...(يغطي عينيه بساعديه ويبكي)...
    نهلة- أمي.. كفى...
    الأم- ألا تسمعين ماذا قال عني؟
    نهلة- (بحنان) .. لقد أبكيته يا أمي...
    الأم- فليبك كما يشاء... هذا جزاء كل من يحاول قلب النظام الدستوري...
    خطيب نهلة- عفارم عليك يا حماتي.... قفي (تقف الأم).. إضربي بيد من حديد (تجلس)... قفي (تقف الأم) ... الخزي للجبناء وللعملاء (تجلس)... قفي (تقف الأم) ...اسحقي الطابور الخامس.. (تجلس)...
    الرجل الأحمر- (بحزن) لوثت الشاطئ بقدميك العفنتين... يا شاطئي الحبيب... يا شاطئي الحبيب... (يبكي وهو يغطي عينيه بساعديه)..
    خطيب نهلة- (ينظر للأم).. عليك أن تعلقيهم على المشانق بشارع النيل... بالجسور ... بالميادين العامة ... نحن من ورائك يا كلبتنا الصامدة .. من ورائك بقلوبنا وسواعدنا من أجل عدالة إجتماعية...
    نهلة- حبيبي.. كفى .. إن أوداجك انتفخت ووجهك ممقتع من الغضب...إن كل كلبات العالم لا يستحقن هذا الدعم.. صدقني .. إنها ليست كلبة بوليسية بل كلبة لصة ... لصة... إنها تحمي اللصوص وتنبح لتنبههم بقدوم صاحب المال حينما يسرقون...
    الأم- أصمتي أيتها الكلبة الخائنة الوضيعة ...
    الرجل الأحمر- كل شواطئي تلوثت بأقدامهم ... كيف سأبحر في أمواجها المسمومة المتعفنة برائحة الأقدام النيئة ...
    خطيب نهلة- أيها الرجل الأخضر... أيها الرجل...
    (يتبادل الرجلان النظر بصمت)..
    الأم- ليث عبثا إذن إذا كنتما قد تحالفتما أنت أيتها الكلبة الوضيعة مع ذلك الصعلوك...
    الرجل الأحمر- ارفع قدميك النيئتين عن شاطئي لو سمحت؟
    خطيب نهلة- وماذا إن لم أفعل؟
    الرجل الأحمر- ستذهب إلى مزبلة التاريخ... صدقني... إن العظماء وحدهم من يذكرهم التاريخ... والعظماء كلهم دخلوا إلى شاطئي ولكنهم احتفظوا بأرجلهم بعيدا عنه....
    خطيب نهلة- لكننا لسنا على الشاطئ يا سيد .. فلتنه هذا الهراء .. نحن بمقهى حظيرة الدجاج الأعمى...
    الأم- هل رأيتِ من قبل دجاجاً أعمى يا جزرتي الحلوة؟
    نهلة- أمي.. كفى... لست جزرتك الحلوة...
    الأم- كلبة .. حقا كلبة وضيعة ...
    نهلة- هذا أفضل من جزرة حلوة...
    الرجل الأحمر- هناك عشب أخضر نما على شاطئي.. عشب طري .. يرتوي بجرعات قليلة من الماء... إنه يحتجز بعض الحشرات والغذاء للأسماك الملونة الصغيرة... والأسمالك تدلف إلى قلبه .. تأكل وتدغدغه... فيسعدان سوياً... يسعدان بهذا التفاعل المشترك...هل تظن أن تلويث شاطئي بقدميك المتعفنتين هذا سيلحق الأذى بالعشب والسمك الملون معاً.... لماذا إذن تتعمد إدخال قدميك في شاطئي...
    خطيب نهلة- (يدور بجسده كاملا نحو الرجل الأحمر).. هة .. هأنا ارفع قدميَّ عن شاطئك...
    (يفرح الرجل الأحمر)...
    الرجل الأحمر- إذن فقد اعترفت أخيرا بجريمتك...
    خطيب نهلة- (بنفاد صبر).. نعم أعترف .. أعترف...
    الرجل الأحمر- وهذا شاطئي النقي الجميل الرائق وليس مقهى حظيرة الدجاج الأعمى؟
    خطيب نهلة- هو كذلك...
    الرجل الأحمر- وهاتان الكلبتان .. هل هما مسعورتان؟
    خطيب نهلة- (ينظر الى المرأتين)..لا .. إنهما تمازحانك فقط... هما كلبتان طيبتان...(يستدرك ويرفع سبابته).. إلا إذااااا؟
    الرجل الأحمر- (بجزع)... إلا إذااااا؟
    خطيب نهلة- إلا إذا قبلت أن تكون أنت ايضا كلباً شرساً مسعوراً...
    الرجل الأحمر- (يهز رأسه نفياً بجزع)... لا .. لا يا سيدي .. أنا كلبٌ طيب أنا الآخر... إنني لا أنبح أبدا .. أنا كلبٌ منزلي مدجن .. إنني أنونو فقط ... كالقطط ...
    الأم- نحن كذلك ننونو ... اسمع...
    (تنهض)... نونو نونو نونو نونو نونو ...
    نهلة- (تنهض) نونو نونو نونو نونو ...
    خطيب نهلة- (ينهض) نونو نونو نونو نونو نونو نونو ..
    الرجل الأحمر- نونو نونو نونو نونو ..
    يتجه ببطء ويخرج من الباب.. ويظل الثلاثة واقفين وهم ينونوون...

    *(ستار)*

    عن الكاتب

    كاتب من السودان
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..