نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

كرار العامل - الزهايمر.. مسرحية

  1. الشخصيات :

    خمسة مسنين مصابين بالزهايمر
    نادل مقهى بشارب غليظ
    مالك المقهى
    مندوبان حكوميان


    الجو العام :

    مقهى قديم في خلفيته دورة مياه, يجلس اربعة مسنين على كراسي موزعة توزيعا منتظما على الخشبة .

    صمت يخيم على الخشبة , والاربعة مشغولون بأشياء عدة . الانارة تضطرب ببطء ثم تنطفئ . يتحرك الجميع مبتعدون عن كراسيهم . يفتحون ازرار بناطلهم يحاولون التبول حيث وقفوا مستغلين غياب الانارة .تعود الانارة بشكل مفاجئ , تكشف محاولتهم , يعودون بخجل الى كراسيهم . تضطرب الانارة مرة اخرى ثم تنطفئ , يتحرك الجميع ويفعلون كما في الاول , تعود الانارة ثانية وتكشف مرة ثانية محاولتهم البائسة , يعودون الى كراسيهم خائبين خجلين . يتكرر الامر للمرة الثالثة ويحصل كما في المرتين السابقتين , يعود الجميع الى كراسيهم الا واحدا منهم يبقى منتصبا يفرغ ما في جعبته من بول متناسيا عودة الانارة . يحاول احدهم تنبيهه ثم ينتبه اخيرا ليجد الجميع ينظر اليه , يخجل ثم يعود لمكانه لآخر مرة.

    خامسهم يخرج من دورة المياه , يركضون جميعهم نحوه , يتدافعون على باب دورة المياه ثم يدخلون فرادا.

    الزبون الخامس : ايها النادل (يصفق بيده).

    النادل : آمرني سيدي.

    الزبون الخامس : اين الشاي الذي طلبته قبل ساعة؟

    النادل : لقد طلبته قبل نصف ساعة من الان يا سيدي ... (يجلب له كوب الشاي) وقد جلبته لك وقتها ولكنك يا سيدي كعادتك تنسى ثم تعاند كالطفل وتقول في كل مرة إنك لم تنسى.

    الزبون الخامس: ما هذه الوقاحة وتشبهني بالطفل ! .هكذا تعاملون زبائنكم , تقذفوهم بالتهم .معاملاتكم سيئة ومقهاكم متهالك كما مبادئكم , منخور كما عقولكم!. سأخرج هذا الطفل العنيد بداخلي هذه اللحظة .لم تحضر لي الشاي مطلقا , وسأصر على قولي هذا بينما تعترف انت به.

    النادل : ولكني يا سيدي اقول الحق حتى لو كان على شاربي. جلبت لك الشاي قبل ان تدخل الى دورة المياه . لقد شربت الشاي على عجلة مثل ما فعلت قبل قليل وقد بدأت بطنك تضطرب لسبب شبه مجهول و اخذت تتلوى من فرط توجعك كما تفعل الآن (يتلوى الزبون فعلا) . ثم توجهت مسرعا نحو دورة المياه (يتوجه الزبون فعلا الى دورة المياه ) لتحاول مسرعا تفريغ ما شربته. (يلتفت للزبون فلا يجده).



    مالك المقهى : ما هذا النعيق والزعيق؟! . (يدخل) ايها النادل سأخصم من مرتبك عشر ما تستلمه اذا سمعت دون تأكيد بأنك طرف في هذه الفوضى . هذا مقهى وليس حظيرة خنازير .

    النادل : اكون شاكرا لك لو انك استبدلت قرار الخصم بقرار اخر اكثر عدلا , قرار الفصل سيكون نافعا لي . سئمت العمل في هذا المقهى . سئمت من الزبائن العجائز فيه . كرهت رائحة اجسادهم , نسيانهم المتكرر والمقرف ثم كرهت نفسي .



    مالك المقهى : لم هذا التململ يا صديقي (بود زائف) . كن واسع الصدر تكن واسع الثروة.



    النادل : انا يا سيدي اسعى لذلك ولكن الحظ وامورا اخرى تحول دون تحقيق ذلك.

    مالك المقهى : اضافة لهذا, فأنك يا صديقي ملول جدا.

    النادل: وعنيدا ايضا , انا اعرف.

    مالك المقهى: قليل الدراية , ضيق المسعى .

    النادل : قليل الثقة فقط (بضجر).

    مالك المقهى : وذو شارب كث غليظ.

    النادل : ماذا سيحصل لو انك تجاوزت هذه الجزئية بذكائك , تعرف حساسيتي تجاهها! .

    مالك المقهى: لذا اقول , لكي تكون قياديا في المقهى ومؤثرا في زبائنه , يجب عليك ان لا تضع انفك في خصوصياتهم فقط , بل وشاربك ايضا.

    النادل: وتحسب انني لم افعل, ان نسيانهم يفسد كل شيء , بما فيها عملي .

    مالك المقهى : فعلت ولكنك سرعان ما مللت. اسمعني ايها النادل ان هذا المقهى وضع لخدمتهم , الدولة جعلتنا نقوم بمهمة مساعدتهم لتجاوز هذه الازمة الى ان يموتوا . يزعجك نسيانهم وكأنك نسيت , اننا نعمل هنا وبأمر من الدولة في مقهى حكومي لمرضى الزهايمر , وسيكون النسيان امرا مألوفا فيه . نحن نطمح لخلق ظروف افضل لهم , او بالأحرى نطمح كثيرا لجمع المال مع هكذا ظروف (يضحك). احرص كما تحرص على حماية شاربك, على تلبية طلباتهم التي فرضتها علينا الدولة , الا اذا كنت ترغب في مخالفة الدولة فهذا امرا سأتركه مجبورا لتعاملها , وانت تعرف تعامل الدولة هذه الايام (يتجه نحو الخارج) قلل من كثافة شاربك وكثف من اشغالك و اعمالك (يخرج).

    النادل : يا له من شخص مقرف , متعجرف طماع . كم اكره الطماعين ومحبي المال , الساعون لجمعه بما اوتوا من قوة و تفكير ,حتى وان كان على حساب جهل الاخرين وعللهم.

    (اصوات جوقة موسيقية , يدخل مجموعة الزبائن الى المقهى وهم يغنون ويرقصون ويعزفون)

    النادل : ما هذه الضجة التي تثيروها في مقهى محترم وتفسدون حياتي وعملي , مرة بنسيانكم ومرة بصياحكم ومناقشاتكم الطويلة والمملة التي غالبا ما تنسون مواضيعها الاصلية. نقاشات تبدأ بالشأن السياسي وتنتهي بارتفاع اسعار السوق ثم تعودون لمناقشة الشأن السياسي وكأنكم لم تناقشوه من قبل.



    الزبون الاول : يبدو انك اصبحت كثير النسيان فكيف ينسى نادل مقهى الزهايمر حدثا سنويا مهما لزبائنه؟!!.

    النادل: اي حدث ترقصون لأجله وتفسدون فيه يومي.

    المجموعة : انه عيد يهمنا هذا ما قاله لنا مالك المقهى . هل نسيت يا صاح؟ .. قل ..نسيت ام ماذا؟ ...لا لا انت لست كعادتك هذه الايام ..كيف تنسى مناسبة كهذه وعيد مثل هذا العيد؟!!

    النادل: عيد ماذا؟

    المجموعة: انه عيد ال ... (ينسون.. ويسألون بعضهم بعض) اي عيد كنا نحتفل من اجله ؟؟ ما هو ؟؟ ما هو؟؟

    النادل : يا رباه ..انتم لستم طبيعيين بالمرة . ما اتعسني من نادل , حيث اقضي يومي بين اناس مصابين بمرض كالزهايمر في مقهى مخصص لهم ومع سيد طماع وجشع مثل مالك مقهانا.

    الزبون الاول : شاي من فضلك .

    النادل : حالا (بضجر).

    الزبون الثاني : كأس النبيذ خاصتي.

    النادل : صبرا علي صبرا.

    الزبون الثالث: قهوة فرنسية لو سمحت .

    النادل: ما اكثرها طلباتكم وما اقلها حيلتي ...تفضل .

    الزبون الثاني: ما هذا؟

    النادل : كأس النبيذ الذي طلبته !!.



    الزبون الثاني: متى طلبت نبيذا يا جماعة ؟!.. كونوا شهودا على ما حصل..



    المجموعة: نعم نعم انت محق , لم تطلب اي شيء من النادل ..



    النادل : رباه ...امركم لا يحتمل ... ولولا وضعي المعاشي و اطفالي الجوعى الذين ينتظروني لهجرت هذا المقهى الملعون , وتركته لكم ولصاحبه المكروه الطماع .



    (يدخل مالك المقهى)

    مالك المقهى : اهلا وسهلا بالجميع .. اهلا بالمميزين جدا , رواد مقهانا الجميل هذا .اطلبوا ما شئتم اليوم , انا موجود اليوم لكي احقق جميع رغباتكم , تمنوا ما شئتم وستجدون ما كنتم تتمنون ماثلا امام اعينكم في ظرف قصير , اليوم هو يومكم , والعيد هذا اليوم عيدكم ..افرحوا وارقصوا وغنوا واطلبوا ما لا يخطر على بال احد.. فاليوم يوم سعدكم.



    النادل: ولكنك يا سيدي تقول لهم نفس الكلام منذ شهرين ..تأتي صباح كل يوم لتعلن لهم دون مناسبة ان اليوم يوم فريد وهو يصادف عيدهم!.. اي عيد هذا يحصل في الشهر الواحد فقط ثلاثين مرة واحيانا مرتين في اليوم الواحد؟!!.



    مالك المقهى : (يزجره) دعهم يفرحون ويمرحون ..هم يدفعون اكثر عندما يفرحون دونما حدث او مناسبة ..سيرقصون لمجرد الرقص.. دون ان يتذكروا السبب الذي دفعهم لذلك. انهم مفصولون عن العالم الاخر, بعيدون عن المدينة جدا .. حيث لا يسمعهم ولا يراهم احد سوانا, وهذه نقطة لصالحنا (يضحك).

    (الى الزبائن) ان العيد يا احبتي لا بد ان يترك ذكريات سعيدة تأنس بها لاحقا .(يتجه نحو الخارج) ادعكم تأنسون لوحدكم , تتذكرون احداث الماضي السعيد.. حظا سعيدا اخوتي (يختفي).



    الزبون الرابع: لقد كتبت فيما مضى قصيدة عن العيد.. ( يرفع يده ..يعدل قامته ...يتهيأ للإلقاء ثم يقول) ولكني نسيتها.



    الزبون الاول: ان العيد يذكرني بالكثير من المواقف المخيبة , او المحرجة منها..



    النادل : اذكرها لنا اذا اردت اضافة عنصر التشويق لهذه الجلسة..



    الزبون الاول: لا لا ..لا استطيع.. الامر محرج.



    الزبون الثاني: الجميع يريد ان يسمع .



    الزبون الاول: الموقف مخزي حقا , لا احب ذكر المواقف المخزية.



    الزبون الثالث: تكلم يا صاح



    الزبون الاول: اوووه .. سأتحدث سأتحدث ... ان العيد يذكرني بهزيمة نكراء امام اول امر بالهجوم ..كان الجو شتاء واللقاء رومانسي, كان كل شيء يدفعني نحو الفعل , الميل البشري نحو الدفء والحب. هي الاخرى كانت جميلة كأي لحظة دفء في محيط جليدي .. عمرها كان بين ال...



    النادل: العشرين و الواحد والعشرين



    الزبون الاول: كيف عرفت ذلك؟

    النادل: انك تسرد القصة كل يوم لنا, وفي كل مرة تسردها كأنها المرة الاولى.



    الزبون الاول: و اقتربنا نحو النهاية , نحو الهزيمة ... كانت جميع اعضائي تعمل الا عضو واحد . .اردت لعصاي ان تبقى عصا لا ان تتحول في يدي الى افعى هاربة, مندحرة فارة نحو جحرها ..حتى اشد الفرسان المهزومين خيبة كانوا يأتون منتصبي القامة الا هو .. انها الخيبة يا جماعة , لا يغلق فجوتها جيشا من المواقف الظافرة.



    النادل :هون عليك يا صديقي.. بسيطة يمكن تدارك هذا الموقف في المستقبل.



    الزبون الاول: ان العطب في الروح لا في العضو , ان التصدع في النفس لا في الجسد..



    النادل: قلت لك ; كلها كم يوم وتحل القضية..



    الزبون الاول: اعرضت عن كل التجارب السابقة لها , من اجل هذه التجربة المقدسة.. اردت تدشين جسدها العذري واصلي عليه صلاة نبي مؤمن به.. اذا اراد الانسان ان يفقد عذريته عليه ان يفقدها من اجل موقف عظيم , وفي يوم عظيم.



    (تنتقل الاضاءة للزبون الثاني)

    الزبون الثاني: الخيبة هي ان تحمل عود ثقاب مشتعل في جو عاصف . هي امرأة لا ترتدي مضطرة سوى كلسونا يغطي شعر عانتها في بيت داعر..

    (ترتفع ضحكات الجميع سرعان ما تتحول الى بكاء مفجع)

    يواصل الزبون كلامه: عندما تذبح اسماعيلك على منصة الحزب الذي تؤمن به , وبعد حين تجد نفسك خارجه , مطرودا منه ,هكذا تولد الخيبات . واحيانا كثر تحبل بها الشعارات الحزبية وتطلق, وحينها فقط يولد طفل الثورة مشوها , يحمل '' صماخا '' يشبه ''صماخ'' الامين العام لحزبنا..



    النادل : نحن في زمن التعددية الحزبية يا صاح , زمن الحزب الواحد قد ولى !ّ (بصوت عال).



    الزبون الثاني: صه ..اخفض صوتك , فعناصر الحزب يتواجدون في كل مكان , يخرجون للناس حتى من مواسير المياه والحنفيات وقدور الطهو!!.



    النادل : (يضحك ) اووه نسيت .. نحن في زمن الدكتاتورية ( يضحك ايضا) او على الاقل هناك شخص واحدا مازال يؤمن بذلك (ينفجر بالضحك).



    الزبون الثاني: اذكر انني عندما عارضت قرار الحرب , حملوني الرفاق في ليلة ليلاء (يجر كرسيه خلفه ) في الشوارع كما يحملون شعارا قومي ثم ( يرمي الكرسي امامه يركله بقوة ثم يقف كالمسمار يطالعه , في حين يجرون الثلاثة واحدا منهم الى الجانب المعاكس , من رأسه ثم يلقون به ويركلونه).



    الثلاثة لصاحبهم الملقى : تكلم ..لصالح من تعمل ؟ اي جهة تخدم؟؟.



    الضحية الملقاة: لم اعمل طول حياتي سوى للحزب صدقوني.



    الثلاثة: وتقولها بملء فمك... لصالح احزابهم ..هاا ؟؟؟ . في اي مكان كنتم البارحة تخططون للانقلاب؟؟



    الضحية الملقاة: كنت البارحة في بيت زوجتي الصغرى ولم اخطط لشيء ما.



    الثلاثة: وهذا اعتراف اخر على خيانتك وتعاملك مع قوى معادية.



    (تنتقل الاضاءة للزبون الثاني)

    الزبون الثاني : لقد وضعوا اي شيء يصادفهم , من قناني الزجاج الفارغة الى العصي في....



    النادل : اعلم يا صديقي , انني حزبي قديم , ويمكن ان نعمل معا لبناء حزب جديد يتبنى موقفا مضادا لفكر "ابو صماخ" (يضحك) ونطهر الحزب منه ومن العناصر القذرة المرتبطة به عندما نستولي عليه و سيساعدنا رواد المقهى ايضا (بجدية مفرطة).



    الزبون الثاني: سيخيب مسعاك اذا اخبرتك فقط بأعداد العناصر المنضوية تحت لواءه ... الحياة مجموعة خيبات ايها النادل , او بالأحرى مرتبطة بالاصمخة , فصماخ للامة , صماخ للحزب , صماخ للفن , صماخ للغة. كان مدرس النحو ذو صماخ لغوي باهر , جاءت اللغة العربية منسجمة مع تطلعات صماخه , فكان الفاعل مكسورا وسيضل مكسورا حتى يدخل في تشكيلات الحزب . كان الخبر مجرورا من ياقة قميصه اذا اخبر بنية حسنة او بدونها عن شائبة تخص الحزب. كانت كان واخواتها تدخل على بيوت من تشاء وقتما تشاء , فتنصب عملها على الجميع وليس على الخبر وحده!.

    كان اصغر عضو في الامن يبعصنا.



    الجميع: كيف؟



    الزبون الثاني: همممممم يبعصنا لغويا وليس فعليا يا جماعة.. لم تحدقون هكذا ؟ّ!



    (يقف خلفه احدهم , يتصرف وكأنه ضابط)

    الضابط: احجي بساع ولا تعبني ...شبيه المفعول بيه؟

    الزبون الثاني : منصوب سيدي.



    الضابط: انجب لك قشمر.. انت جاي تنكت.. احجي ولك احجي ... المفعول بيه شبيه؟



    الزبون الثاني :سيدي انت شتكول هو الصحيح .منصوب, مرفوع, مجرور.. كلشي تكوله صحيح.



    الضابط : السيد القائد يكول معدوم



    الزبون الثاني: هاي هيه سيدي .. معدوم معدوم.. هو احنا نعرف اكثر من السيد القائد!



    الضابط: اخذوه ..علموه النحو على اصوله.

    (تجر المجموعة الزبون الثاني ويلقون به الى الارض)



    الضابط: ايا ابن المنصوبة على هالدكة.



    (تنتقل الاضاءة للزبون الثالث ..يبدأ بالتذكر)

    الزبون الثالث: لي مع العيد ذكريات كثيرة واحاديث ذات شجن.

    (يظهر احدهم في وسط المسرح وهو يركض بفرح مع حبيبة مفترضة تشاركه في الركض والفرح كأنهم طفلان ...صوت الحبيبة من الكواليس.. بعد المرح واللعب تصيب الفتاة المفترضة رصاصة طائشة ..الصوت من الكونترول .. يؤدي الشاب ايماءات تعبر عن الفجيعة )



    النادل: هيه هيه كفاك كذبا .. لم تكن رصاصة .. بل كانت قذيفة هاون.



    الزبون الثالث: ولكن و لكن ...من اخبرك؟



    النادل : انك تقص القصة ذاتها علي كل يوم.



    الزبون الثالث: تبا.. لعنة الله عليك - خربت السالفة كلها .. اليس من الجيد اني ما زلت اذكر القصة كاملة ولم يسقط سوى هذا الجزء منها في ظل ذاكرة كهذه؟؟!!!

    كنا نتشابك ونأتلف حتى في اشد المواقف تضادا .. فرقتنا العشوائية والفوضوية والنظرات الغرائبية التي تتجاوز الاشياء المتشابهة وتحاصر المختلفة .. اصبحنا نقيس وطنيتنا في حجم الضحايا التي نقدمها في سبيله .

    هيه ..مرحبا ايها الوطن

    (يقف الزبون الرابع, ويمثل دور الشخص المقصود بكلام الزبون الثالث)

    الزبون الرابع: مراحب حبيبي.



    الزبون الثالث: اريد وظيفة , قطعة ارض, حياة تستحق ان تعاش.



    الزبون الرابع: بسيطة يا قلبي ... ما اسمك؟.

    الزبون الثالث: حران نايم منسمط .

    الزبون الرابع: لديك ضحية واحدة فقط في سجل الضحايا لدينا.



    الزبون الثالث: وماذا يعني هذا؟.



    الزبون الرابع: لا يمكننا منحك اكثر من هوية.



    الزبون الثالث: وبماذا تنفع الهويات ؟ امنحوني حياة اعيشها بكرامة.



    الزبون الرابع : عذرا نحن نضطر لطردك خارجا .. نحن نعمل هنا بموجب القانون لخدمة الذين لديهم اكثر من ضحية واحدة (يذهب بعيدا).



    الزبون الثالث :يجب ان تفتخروا بما صنعتم من حيوات للآخرين , لا بقدر ما يموت منهم!

    اردت الانتماء لحبيبتي , وارادت هي الانتماء الى الوطن .. هي لا تريد ان تثقل كاهل الوطن ببيت واثاث واطفال , فاستعاضت عن كل هذا بقبر في احدى مقابر الوطن القديمة .لم استطع تحديد الجهة التي قتلتها , فالرايات جميعها متشابهة , ويستحيل عليك تحديد فيما اذا كانت هذه الجهة تعمل لصالح الوطن ام ضده!

    كأن الوطن يقيم مذبحة عظيمة يدعوا جميع السفاحين اليها , ويقيم استعراضا للذبائح الوطنية , ثم يختمها برقصة جماعية للجثث المتفحمة.

    يُشكر الوطن على عطاءه , اذ منحها قبرا ازوره كل عيد .. اضع على قبرها اكليلا من الورد وكثيرا من الاعذار والتبريرات , ابرر لها في كل مرة تخلف الوطن عن زيارتها واقول : انه ينسى يا حبيبتي فقط , انه ينسى ..انه مصاب بالزهايمر يا حبيبتي خطيه...



    (تنتقل الاضاءة الى الزبون الاول وهو مضطرب )

    النادل (للزبون الاول): لماذا انت مضطرب هكذا ؟! , الحل بسيط ..لمنع تكرار تجربة قاسية كتلك, اعطي لفارسك المهزوم جرعة قوة , كبسولة أمل .. اوعده بتجربة اخرى , موعد غرامي اخر.



    الزبون الاول: ارغب في ممارسة الفعل حتى ولو مع "فطيسة" , اريد ان اشعر به .ان ارى فارسي الصغير وهو يفتح القلاع واحدة بعد اخرى .



    النادل: خذ هذه حبوب الامل , هذا هرمون السعادة بين يديك ..خذه وسر بفارسك نحو الاميرة. انا امد يد العون لك.



    الزبون الاول: ولكن....



    النادل : لا بأس.. تستطيع الايفاء بديونك فيما بعد اذا كنت لا تملك مالا هذا الوقت.

    (تتلاشى الاضاءة ثم تنتقل الى الزبون الثاني .. النادل يراقبه )

    الزبون الثاني: قلتها سابقا وسأقولها , اقدم اي شيء لصالح هذه الامة ولاسترداد قيمتنا وكرامتنا المهدورة , علقت شبابي كله على هذه الجزئيات .



    النادل (للزبون الثاني): ولن تكون بهذا الغباء لتتنازل عن قضية عادلة كهذه.



    الزبون الثاني: بالطبع لا.



    النادل: اذن كيف ستتصرف ؟؟. الام تطمح في هذا الظرف؟؟



    الزبون الثاني: رغم ان الظرف صعبا والامر سيكون معقدا , الا اني ما زلت اطمح لبناء حزب يحقق للامة طموحها ومناها..



    النادل: لم يكن الامر يوما صعبا , نحن فقط نتخيله هكذا .. انا الان اسعى لعونك ..ضع يدك في يدي ..ستحقق اعظم احلامك واصعبها معي , سنبني معا حزبا قويا قاهرا ..و سنسند قضيتنا وحزبنا بفلسفة حزبية متينة.



    الزبون الثاني: يا للروعة ..كم جميلا ان يكون للامة حزبا يدافع عنها .. واكون انا راع لهذا الحزب ومؤسسا له.



    النادل: (يجر الزبون الثاني بقوة) هيا .. انهض ..حزبنا , حزب الامة الجديد يناديك . الامة تدعوك.



    الزبون الثاني:(يقف) انا في خدمة الامة (يصدر ايماءات بالركض).



    النادل: الحزب يأمرك الان.



    الزبون الثاني: الحزب يأمر ونحن ننفذ.



    النادل: الحزب يطلب منك .....



    الزبون الثاني: عملية هجوم مضادة على مقرات الاحزاب الاخرى؟



    النادل : كلا.. امرا هاما اخر.



    الزبون الثاني: عمليات اغتيال منظمة لقادة الاحزاب المعادية؟

    النادل: بل اهم من ذلك



    الزبون الثاني: حزام ناسف ..تعذيب؟؟.



    النادل: الحزب يريد...



    الزبون الثاني: ايييييييييييه ؟؟



    النادل : اموالا فقط

    (يسقط الزبون الثاني على الارض)



    (تتلاشى الاضاءة هنا لتنتقل هناك , حيث يجلس الزبون الثالث.. يقف النادل بقربه ويحاوره)



    الزبون الثالث: لم اتخلف عن زيارتها ولا حتى عيدا واحدا, وكأنه طقس يوناني. اما الان , فانا قعيد , غير قادر على زيارتها , كما ليس هناك من يحملني اليها (بحزن).



    النادل : اذا كان الامر متوقف على هذا , فانا سأتكفل بذلك يا صديقي (يواسيه).



    الزبون الثالث: لا يمكنني الذهاب اليها خال الوفاض ..اخجل من عيونها اذا جئتها زائرا من دون الوطن , او اي شيء منه.



    النادل : احملك انت والوطن اذا تطلب الامر .



    الزبون الثالث: معجزة هذه!.



    النادل: بالأموال تتحقق المعجزات , امنحني نقودك , وسأجلب لك وطنا , او حبيبة اذا اردت. وفر لي الاموال فقط (ينحني عليه).



    ( ضربة مدوية يعلنها النادل , يصيح في كل الارجاء )

    النادل: انا عازم على مساعدة الجميع هنا , لن تستطيعوا فعل شيء بدوني , انا العقار السحري لكل معضلة .. اصحاب الذكورة المهزوزة والشهوة المطفأة في المقهى, امنحكم عقاري السحري مقابل اموالكم .. انتم يا دعاة السياسة ومنظروها في مقهانا هذا , انا المرجعية السياسية التي تمنحكم افكارها وحلولها.. المشتاقون التواقون لزيارة موتاهم , اخلق لكم موتا وقبور وزيارات اذا لمعت نقودكم المعدنية في المكان

    (يتجه نحو الزبون الاول )



    النادل : خذ هذه الحبوب توقظ جذوة ذكورتك .



    الزبون الاول : اوووه شكرا .. وهذا ثمن الدواء.



    (يركض النادل نحو الزبون الثاني)

    النادل : الحزب الان في ضائقة مالية .. ويحتاج الى وقفتنا, الى اموال كثيرة كما تعرف.



    الزبون الثاني: بالطبع .. اموالي كلها تحت تصرف الحزب.

    ( يتحرك النادل نحو الثالث)

    النادل : حبيبتك في انتظارك , هيا بنا نزورها .

    الزبون الثاني: بكل سرور ..



    النادل : اموالك يا سيدي في الاول .



    الزبون الثاني: اووه نسيت...تفضل.



    (يركض نحو الاول)

    النادل : لقد نسيت ان تدفع لي ثمن الدواء.



    الزبون الاول: تبا ..كيف نسيت ..تفضل يا عزيزي.



    (يركض النادل نحو الزبون الثاني)

    النادل: لقد نسيت ان تدفع مستحقات الحزب يا رفيق.



    الزبون الثاني: اللعنة علي ..كيف نسيت! ..تفضل رفيق



    (يتحرك النادل نحو الزبون الثالث): لقد نسيت يا صاح ولم تدفع الاموال التي اتفقنا حولها.



    الزبون الثالث: عذرا.. اسمح لي ...خذ



    (ويتكرر المشهد وهذا الركض المحموم والنسيان المتكرر مرة ومرتين )



    (تصفيق حار من مالك المقهى , تتبعها انارة كاملة للمسرح , والنادل ما زال يركض هنا وهناك لجمع المال)

    مالك المقهى : احسنت ايها النادل المجد في عمله .. نحن نسير نحو المجد بخطوات واثقة مطمئنة ..اجري كالكلب اجري , فأمامنا طريق طويل..

    (للزبائن) اسمعوا ايها الخنازير العفنة والزرائب النتنة .. انتم يا معشر الرذائل ومهبط الزبائل .



    الزبون الثاني للزبون الثالث: ماذا؟؟! اعتقد انه يوجه الاساءة لنا ..ما رأيك؟



    المالك: انتم يا قذارات العالم واسباب نزوعه نحو القباحة و يا منبع الوقاحة ..يا رواد مقهى الزهايمر ..يا تناسل الغباوات.



    الزبون الرابع: قف عند حدك ايها الرويبضة ... لا تتكلم عنا بسوء و الا...



    المالك: وماذا ستفعل يا موطن النتانة ؟!

    الزبون الرابع: (بغضب) سأضع حدا لذلك (يتوجه نحوه ..يقترب منه.. يحاول ان يتذكر ما جاء من اجله ..يقترب اكثر يقف بجوار المالك) اهلا ايها السيد..



    المالك: لماذا انت متخشب هكذا ؟؟ (يضحك) افعل ما كنت تتوعد به.



    الزبون الرابع: لم افهم .. بماذا توعدت يا صديقي؟! هل جننت؟؟



    المالك : (يضحك) قلت ستضع حدا لي.



    الزبون الرابع : متى ؟؟ .لم اقل هذا مطلقا .. وماذا فعلت انت لكي تستحق كل هذا ايها الطيب؟؟!



    المالك: (ينفجر بالضحك) تنح جانبا ايها الدابة (يزيحه عن طريقه) ..اسمعوا, لقد حان وقت الوفاء .. انتم مديونون للدولة ولي خصوصا .. نحن لا نقدم الخدمات لكم هنا بالمجان .. نحن نعمل لخدمتكم ونحصل جزاءا وفيرا من المال .. ولأنكم مفلسون حاليا وهذا ما يكشفه لنا وضعكم المتأزم .. ولأنكم في وضع لا يسمح لكم بدفع الاموال جزاء خدماتنا ولتوفير حاجاتكم الضرورية ..تقرر اعفائكم من دفع الديون ..

    (يهتف الجميع , ويصفق بحرارة )



    المجموعة: عاش مالك مقهانا الطيب.. عاش.



    المالك: ولكن ستتم الاستعاضة عن ذلك, بالأعمال الخدمية .. انتم مدعوون الان للقيام بأعمال تنظيف واخرى خدمية لصالح المقهى.



    المجموعة: ماذا ؟ أمجنون انت؟ نعمل نحن وفي مقهاك ؟! ..كبار السن تخدم مالك مقهى حكومي شاب!... يا للسخرية.



    المالك: اذن انتم مضطرون لدفع الديون.

    المجموعة: (يتلمسون جيوبهم) لا اموال لدينا جيوبنا تعلن عن افلاسها.



    المالك: اذن لا خيار اخر , العمل هنا سدادا لديونكم او الرفض الذي سنقابله بالطرد.



    (ينظر الجميع في عيون بعضهم بعض ..و تتملكهم الخيبة والحزن)

    المالك: سأعتبر سكوتكم علامة قبول.. هيه ايها النادل , اعطهم ادوات تنظيف آلات عمل ..ارغب في رؤية ارضية المقهى وهي تلمع كالذهب ..(للزبائن) هيا تحركوا.



    الزبون الاول: انها خيبة اخرى تضاف الى سجل الخيبات .



    الزبون الرابع: كتبت فيما مضى قصيدة عن الخيبات ...لكني نسيتها.



    المالك: اعملوا بصمت ..لا تتفوهوا بكلمة واحدة .. انا اكره العمال الثرثارون.



    (يعمل الجميع بجد)

    المالك: (للزبون الاول) هيه انت اجلب لي كوب شاي ساخن..(للزبون الثاني) انت ايها المعتوه نظف جيدا , ولا تنصرف عن عملك ثانية واحدة.



    الزبون الثاني: عذرا ايها السيد ..ولكن لماذا نحن ننظف هنا؟



    المالك: هل نسيت يا احمق .. لأنكم مديونين لي لذا عليكم العمل بجد لسداد ديونكم.



    الزبون الثاني: اوووه لقد نسيت ...عذرا ايها الطيب.



    المالك: (للزبون الخامس) هيه يا عجوز .. انني بمزاج سيء .. اعزف لي الان على آلتك اللعينة , نغما يدخل السرور الى قلبي وتزيل الغيمة السوداء عني ..تحرك يا مغفل تحرك.



    الزبون الخامس: لو سمحت .. انا فنان ولا اتلقى الاوامر من احد.



    المالك: بل ستنفذها ايضا.



    الزبون الخامس: ولماذا انفذها اساسا؟؟



    المالك: لأنك مديون لي .. و مفلس ايضا.

    الزبون الخامس: (يتحسس جيبه) نعم هذا صحيح.



    المالك: فأنك تعوض عن كل هذا, بخدمتي.



    الزبون الخامس: لقد وجدت الجواب الذي كنت اتساءل عنه.. شكرا لك.



    المالك: تحرك الان اذن ونفذ بسرعة.. (للمجموعة) اعملوا بجد ايها التعساء .. لا تتركوا شيئا خلفكم .. ومن يتخلف عن اوامري سيجد نفسه خارج المقهى , ليتيه خارجا او تأكله الذئاب وهو يحاول الوصول الى المدينة البعيدة ..نحن مفصولون عن العالم .. لا احد يسمعنا و لا احدا يرانا..(يضحك بهستيريا لدرجة يختنق معها )

    (الى الزبون الرابع) يا مخبول , انني متعب جدا لدرجة تصعب معها الحركة .. احملني على ظهرك كالحصان وسر بي في المقهى .



    الزبون الرابع: انا ؟؟! بكل وقاحة تطلب مني , انا المسن المجهد احملك كالحصان .. الا تخجل من نفسك؟؟



    المالك: لم اجبرك على البقاء ..يمكنك الرحيل اذا اردت !!(يضحك)



    الزبون الرابع: انا احتج على هذه المعاملات السيئة .

    المالك: وماذا ستفعل؟الزبون الرابع: سأخرج ..لن ابقى دقيقة واحدة في مكان اهان فيه.



    المالك: تفضل .. ماذا تنتظر؟!

    (يتحرك نحو الخارج ..يمضى بخطى مضطربة .. هو يصل الى اخر المسرح لكنه ينسى)



    الزبون الرابع:(مع نفسه) ولكن .. ما الذي كنت انوي فعله ..فيما كنت ارغب يا ترى ؟.. تبا لهذه الذاكرة (يجلس على احد الكراسي )



    (ينادي الزبون الثاني بقية الزبائن

    .. اضاءة خفيفة مركزة عليهم )

    الزبون الثاني: تعالوا يا جماعة.. اقتربوا اكثر (يتجمعون حوله) ..لقد سئمت ولابد انكم سئمتم ايضا معاملات مالك المقهى وربما تولدت لديكم الرغبة في الخلاص منه.. الرغبة في الثورة

    (يوافق الجميع على ذلك)

    لذا اخذت على عاتقي مهمة تدريبكم وتهيئتكم لانقلاب منظم وثورة عظيمة..

    (ايماءات بالموافقة)



    الزبون الرابع: اما انا فقد كتبت فيما مضى قصيدة ثورية تلهب الارواح وتستنهض الهمم لمثل هكذا لحظات ...ولكني نسيتها!



    الزبون الثاني: ولان اي انقلاب يحتاج كموقف احترازي الى خطة .. وانا وبكل ثقة وتفان وضعت خطة لهذا مسبقا .. والخطة هي ان... ان الخطة كانت ... اللعنة علي لقد نسيت الخطة

    (خيبة تصيب الجميع)



    الزبون الاول: اين الخطة يا صاح؟



    الزبون الثاني: ساجدها حالا (يبحث في جيبه).



    الزبون الثالث: ضاعت امالنا!



    الزبون الثاني: لا تخافوا انها معي (يواصل البحث في جيوبه) ..انا اكتب كل شيء ذو اهمية في كتيب ..لابد ان تكون الخطة مكتوبة فيه ... ها قد وجدته

    (يخطف الزبون الاول الكتيب منه ويبدأ في القراءة)



    الزبون الاول: ها قد كتب صاحبنا في الصفحة الاولى ما يلي " يقول الطبيب نسيت اسمه انني في الاطوار الاولى من الزهايمر !.. انه مدع وكذاب والدليل على كذبه وافتراءه هو انني ما زلت اتذكر اسمه, واسمه الذي يظهر في اعلى سدريته هو.. اسمه ااااه ...اسمه هو .. لا يهم , ولكنه مدع وكذاب, انا اقسم بذلك.



    (يقلب صفحة اخرى) ملاحظة تقول : ان رائحة الشاعر كريهة ..ان هذا الشخص قذر وذو رائحة نتنة ..

    الجميع : اااه ..ما هذا؟!! ..انه لأمر محرج!!



    الزبون الاول: (يقلب الصفحة سريعا ) الورقة الاخرى تقول " جاءتنا هذا الصباح مندوبة الدولة وقد امرت بإقامة انتخابات نزيهة لاختيار مالكا جديدا للمقهى ..



    الجميع :ايييييييه ؟؟ (يطالبونه بالمواصلة)



    الزبون الاول: لقد كانت تتمتع بصدر ديموقراطي عظيم ومؤخرة انتخا.....



    الزبون الثاني: فضحتني يا صاح !



    الزبون الخامس :(يمازحه) تعجبني ملاحظاتك الدقيقة يا صاح (يضربه على ظهره) انت تتمتع بحس سياسي رفيع.

    (يضحك الجميع)

    الزبون الاول: الصفحة التالية تشير في عنوانها الى ... وجدتها يا جماعة



    الجميع: ماذا وجدت ؟!!



    الزبون الاول: الخطة يا جماعة ..سبيل خلاصنا .



    الزبون الثالث: ماذا تقول هذه الخطة ؟..تكلم .



    الزبون الاولى: اااه ...لا شيء



    الزبون الثاني: كيف لا شيء؟!!!



    الزبون الاول: هناك فقط عنوان مثبت في اعلى الصفحة يشير الى خطة .. وما يلي ذلك كله فراغ كبير .



    الزبون الثاني: انك تمزح ..مستحيل!



    الزبون الخامس: يا لهذه الفلسفة العميقة !!



    الزبون الرابع : لقد تذكرت يا اخوتي..



    الزبون الاول: ماذا الان؟



    الزبون الرابع: القصيدة الثورية التي كتبتها سابقا ..اتذكرها الان كاملة



    الزبون الخامس: لا تقل انك ستقرأها!



    الزبون الرابع: القصيدة تقول " نحن في هذه اللحظة المنسية من واقعنا المنسي , في ظل الادوار المنسية والاسماء المنسية , نعاند ونثور كبذرة تنمو , تشق صدر الارض لتعلوا كشجرة ثم تكبر , تشتد سيقانها ,وتنشر اغصانها و تتغير حسب الفصول , بعدها تهرم ويجف عودها ثم لابد ان تعود الى الارض , تسقط كدمعة رجل شرقي هاربة من الانظار .. الى الارض والارض كما هي لا تتغير ..لا تتغير



    (يصفق الزبائن جميعهم ، ومن خلفهم مالك المقهى والنادل)

    المالك: عظيم ..عظيم ..شاعرية فذة وقصيدة صادمة لأديب ..



    الزبون الاول: فذ ؟

    الزبون الثاني: عظيم؟

    الزبون الثالث: متميز؟



    المالك: غبي.. انتم مجموعة اغبياء ..مجموعة من الفشلة تخطط لانقلاب بائس ضدي !.. ومن يفكر ولو همسا بالتآمر ضدي سيرمي نفسه بالتهلكة وسأضعه امام عمل مضني..



    الزبون الاول: لم نخطط لشيء ما يا سيدي صدقني!



    المالك: الانكار سيضاعف عليكم المتاعب.. من يسعى الى الشر يره .. سأحرمكم من الاكل والشراب لفترات طويلة عقابا لكم على فعلتكم..



    الزبون الثاني: ان هذا ظلم وحيف!(بغضب )



    المالك: انتم دفعتموني لفعل هذا .. وعليكم تحمل تبعات افعالكم.



    الزبون الثالث: سيدي نحن ضعفاء واجسامنا هزيلة .. وان العمل مع وجبات اكل قليلة سيقتلنا.(بحزن صارخ)



    المالك: الذنب ليس ذنبي.. انتم تتآمرون علي ثم تطلبون مني الصفح!



    الزبون الاول: ارحموا من في الارض, يرحمكم من في السماء.

    (ترتفع الاصوات متوسلة)

    الزبون الثالث: نحن نتوسل بك.. لقد بلغ بنا التعب مبلغا واخذ منا الجوع مأخذا ..فهل تتجاوز عنا بعطفك.



    المالك: لا تستعطفوني ... اما العمل والجوع او ..



    الزبون الثاني: او ماذا؟



    المالك: اضعكم في تحدي صعب.



    الزبون الاول: كل شيء سيكون بسيطا بالنسبة لوضعنا الصعب هذا..



    المالك: سأضع صاحبكم الاديب امام تحد ادبي .. فإذا نجح ستعفون من الخدمة و توفون حقوقكم كاملة.



    الزبون الثالث: نحن نقبل ..ضعنا جميعا في هذا التحدي اذا اردت ..لكن خلصنا من جوعنا وتعبنا.(بتوسل)



    المالك: سيكون على الاديب قراءة قصيدة نثرية في الموضوع الذي سأورده.



    (يدفعون بالزبون الرابع ويهتفون خلفه)

    الزبون الثاني: هيا .. اديبنا المميز انت لها.



    المالك: اقرأ لي قصيدة عن الوفاء حالا.



    الزبون الرابع: هااااا؟؟ .. قصيدة عن الوفاء؟!



    الزبون الاول: افحمه الان بأدبك الرفيع يا صديقي.



    الزبون الرابع: لا اتذكر شيء.



    المالك: وقتك ينفذ!.



    الزبون الرابع: دعوني اتذكر قليلا.



    الزبون الثالث: استعجل قليلا ارجوك .



    الزبون الرابع: سأقول ! .. في هذه اللحظة المنسية من واقعنا المنسي وفي ظل الادوار المنسية , نع...



    المالك: عن الوفاء يا زبون.. هذه القصيدة ليست في الموضوع المطلوب !



    الزبون الرابع: لا اتذكر سوى هذه الابيات يا سيدي ..اقسم لك.



    الزبون الثالث: تذكر ارجوك ..مستقبلنا مرتبط بك الان .. امالنا مبنية على قصيدة منك .



    الزبون الرابع: لا اتذكر يا سادة شيءً , لا اتذكر.



    المالك: لا بأس سأمنحك فرصة اخرى .. اقرأ عن الامل.



    الزبون الرابع: الامل؟؟ ... الامر بسيط.



    الزبون الاول: تكلم اذن.. ماذا تنتظر؟



    الزبون الثاني: جيد جيد ..دمت للنضال يا صديقي.



    الزبون الرابع: نحن في هذه اللحظة المنسية من واقعنا المنسي ,وفي ظل...



    المالك: انت تعيد القصيدة ذاتها, وهي اطلاقا لا تتصل بالأمل, لا من قريب ولا من بعيد.



    الزبون الرابع: لا احفظ غيرها.. افهموني ارجوكم .. ذاكرتي لا تخزن قصيدة غير هذه القصيدة.



    المالك: ليست مشكلة صعبة.. سأعطيك موضوع اخر بسيط, هو السعادة.



    الزبون الرابع: في هذه اللحظة المنسية في ظل الاسماء المنس...



    المالك: انك تفشل مجددا ..



    الزبون الثالث: (بغضب) تبا لك.. يا لك من اديب فاشل .. لقد افسدت الفرص واحدة تلو اخرى.



    الزبون الرابع: اعطني فرصة اخيرة ايها السيد ارجوك.



    المالك: منحتك فرص ثلاث و اهدرتها كلها.. واعتقد ان فرص ثلاث كافية لتعلن عن فشلك.



    الزبون الاول: لقد انهارت مع فشلك جميع طموحاتنا ..خيبة تتبعها خيبة.



    الزبون الثالث: وكأننا ولدنا للخيبات.



    المالك: اما زلتم تثرثرون؟ كفاكم كلاما الان.. هيا عودوا الى اعمالكما ايها الفاشلون ..عودوا الى اشغالكم الان ..



    (يدخل النادل صارخا في المكان)

    النادل: انهم قادمون يا سيدي .. نحن نواجه مأزقا عظيما .. انهم يتقدمون نحونا.



    مالك المقهى: من؟ من ؟.. .. تكلم ..من هم؟



    الزبون الثاني: يا اللهي انهم عناصر الحزب .. لقد كشفوا مكاننا, فجاءوا اليه.



    النادل: انهم قادمون بآلاتهم الحربية وارتالهم العسكرية ..منظرهم وهم قادمون يثير الرعب في القلوب يا سيدي.



    المالك: تكلم ايها المخبول.. عم تتكلم؟



    النادل: يسيرون باتجاه المقهى.



    المالك: يا الهي .. ماذا بوسعي ان افعل؟!!



    النادل: بآلاتهم العسكرية وارتالهم الحربية..



    المالك: يا رباه .. انها النهاية

    (يدخل مندوبا الدولة وهم يحملون دراجة هوائية , يترنحان وهما يثرثران )

    المالك : من انتما ايها القادمان ؟



    المندوب الاول: نحن يا سادة مندوبا الدولة لمقهاكم.



    المالك: (باستغراب) مندوبا الدولة!!! .. اين ارتالكم العسكرية والاتكم الحربية ؟



    المندوب الثاني: انها خلفنا .



    المالك: اين ؟ اين؟ اين هي كلموني ؟

    (يشيران الى دراجتهم الهوائية التي تركاها خلفهم , ثم ينفجران بالضحك )



    المالك: تبا .. دعابة سخيفة (بصوت منخفض وكأنه يكلم نفسه) ...وماذا تريد الدولة هذه المرة؟ (بصوت عال)



    المندوب الاول: نظرا لإيمان الدولة بالعهود والمواثيق الدولية .



    المندوب الثاني: وانطلاقا من الممارسة الفعلية للديمقراطية .



    المندوب الاول: قررت الدولة اقامة الانتخابات السنوية هذا الشهر قبل الوقت المعلن عنها بثلاثة شهور , لاختيار مالكا جديدا للمقهى , خلفا للآخر القديم.



    المالك: لكن وقت الانتخابات لم يحن بعد؟!!



    المندوب الاول: هذا قرار الدولة ولا يمكن تجاوزه.. تنح جانبا دعنا نكمل عملنا بمهنية عالية .. يا ايها السادة (للزبائن) ان الدولة تمنحكم حق انتخاب مالكا للمقهى جديد , ممن ترونه مؤهلا لخدمتكم ويلبي طموحاتكم.



    الزبون الثاني: (لبقية الزبائن) انها انتخابات يا سادة , انا افهم في ذلك كثيرا لأنني سياسي وحزبي قديم .



    المندوب الاول: جيد.. من يريد ترشيح نفسه الآن؟؟



    مالك المقهى: انا.



    المندوب الثاني: واحد فقط!!

    (يصمت الجميع )

    اعيدها لآخر مرة .. من يرغب في الترشيح لمنصب مالك المقهى غير هذا السيد؟

    (يواصل الجميع صمته , بينما يرفع المالك يده مرة ثانية)



    المندوب الاول: يبدو ان السيد وحده يرغب في الترشيح.. (للمندوب الثاني) ماذا سنفعل؟ (يتشاورون) .

    ايها السادة , لان السيد هو الوحيد الذي رغب في الترشيح .. ولعدم وجود منافسا له في التصويت.. لذا سنسألكم عدة اسئلة نقرر بعدها صلاحية السيد لمنصب كهذا.. فهل ترون السيد الماثل امامكم اهلا للمهمة؟



    الجميع : نعم.. نعم



    المندوب الثاني: هل معاملات السيد بوصفه مالكا قديم للمقهى جيدة ويحسن التعامل معكم؟



    الجميع: نعم ..بكل تأكيد.



    المندوب الاول: لم يقم السيد باضطهاد اي زبون هنا داخل المقهى؟



    الجميع: يضطهد؟!!! ..لا, لم يفعل مطلقا..



    المندوب الثاني: هل اجبر السيد احدا على القيام بأعمال تنظيف واعمال شاقة في المقهى ؟



    الجميع: لا لا , نحن متيقنون من هذا.



    المندوب الاول: ولم يسرق احدا و لم يستغل وضعكم الصحي في نهب اموالكم؟



    الجميع : لا مطلقا ..انه رجل طيب.



    المندوب الثاني: هل ترون السيد نزيها وصائنا للأمانة؟

    الجميع: نعم . هو كذلك واكثر.



    المندوب الاول: شكرا لكم, لقد تم تسمية السيد مالك المقهى السابق , مالكا جديدا له.. مبارك لك سيدي .



    (يصفق الجميع ويهتف لمالك المقهى , يغني الجميع اغنية فلكلورية )



    المندوب الثاني: نحن نشكر تعاونكم وتسهيلكم لمهمتنا .. الدولة تشكركم ايضا ..الى اللقاء.(يخرجان)



    المالك: ايها السادة لقد وكلتني الدولة لمهمة خدمتكم في المقهى .. وانا الان مالكه للمرة الثالثة , وسأبقى مالكه الى يوم ميعاد (يضحك).



    الجميع : عاش مالك مقهانا.. عاش.



    المالك: الان عودوا الى اعمالكم ..عودوا الى اشغالكم السابقة .. هيا بدون تأخير.. انت (للزبون الاول) تعال ونظف المكان كما امرتك.. (للزبون الثاني) انت يا معتوه احضر لي القهوة حالا ولا تتأخر .. (للزبون الخامس) ايها العازف الاخرق غني لي واعزف , دعني انتشي طربا .. اما انت (للزبون الرابع) فعليك ان تحملني وتسير بي في ارجاء المقهى.



    الزبون الرابع: ليس بعد الان يا سيد .. لن تستطيع باي حال من الاحوال اخضاعي .. انا حر بطبيعتي وصاحب ارادة ، لا امتثل لآوامر احد

    .

    المالك: انت مديون لي , ولأنك مفلس الان ..ستعمل تحت امرتي لتسديد الديون ..هذا كان اتفاقنا.. احملني الان ..هيا يا دابة ..هيا



    (يحمله ويسير به في ارجاء المقهى .. يركض خلفهم الزبون الخامس وهو يعزف ويغني)

    الزبون الخامس: على شواطي دجلة مر .. يا منيتي وكت العصر..(يسكت).



    المالك: غني يا ابله .

    الزبون الخامس: اوووه نسيت ..على شواطي دجلة مر .. يا منيتي وكت العصر..( ويسكت).



    المالك: استمر في الغناء يا احمق.



    الزبون الخامس: عذرا عذرا نسيت ..على شواطي دجلة مر يا منيتي وكت العصر.



    (تغلق الستارة)



    كلمة "صماخ" ، تعني في اللهجة المحلية رأس كبير .

    كلمة "فطيسة" ، الجثة في اللهجة المحلية.

    كرار العامل
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..