نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

مي عاشور - أزقة بكين

  1. إن الروح تشعر بقدر من السكينة المسبقة لتواجدها في مكان ما، فتسوق المرء إليه بلا تفسير.

    أخيراً …أفضى بي ذلك الزقاق الطويل الذي سكنت فيه إلى شارع فسيح، ظننت أن هذا الزقاق لا نهاية له، تركت نفسي أسير مع سيل الطريق، الذي يقسم البيوت القديمة رمادية اللون، حمراء القرميد والنوافذ على جانبي الطريق، وكأنهما ضفتان لنهير ضيق صغير. تزين نوافذ بعض البيوت نباتات وأزهار، فيصير السير في أزقة بكين أشبه بلوحة لفنان صيني رسمها منذ أمد سحيق، تجسد الحياة بكل ما فيها من تفاصيل دقيقة. إن المشي في زقاق ضيق ينتهي بشارع كبير، أشبه بتبخر الهموم فجأة، فمهما ثقلت دروب الحياة بصعوبات شتى، نحاول دومًا البحث عن دروب أخرى أكثر اتساعًا لأحلامنا وتطلعاتنا وأمنياتنا.

    الزقاق متكدس بالبشر، وغني بمشاهد يومية مختلفة، قد تألف بعضها، وقد تستغرب الآخر منها؛ مسنان يجلسان يلعبان (*)الماجيانغ، يتجمهر حولهما آخرون يشاهدون اللعبة بحماس، سيدة تسير مع كلبها الصغير، الذي ألبسته ملابس لطيفة، وكأنه طفلها الوحيد. على امتداد الطريق في زاوية ما ملابس معلقة على حبل مستأنسة بدفء الشمس، هاربة من الرطوبة الخانقة.

    تلتحم كتل رمادية من الغيوم فوقي، وفجأة تهب رياح تفتتها، فتخترق تلك الكتل المفتتة أشعة الشمس من جديد.

    أصوات أجراس الدراجات ترن في الزقاق من حين إلى آخر، أسير وتسير من حولي، تسبقني من الاتجاهين، شباب ومسنون على دراجاتهم في طريقهم إلى أشغالهم. تتسرب إلى أنفي رائحة فاكهة طازجة، أحسب أنني على أعتاب بساتين من التفاح والخوخ، أنظر إلى جانبي إذ بي أمر بجوار متجر صغير لبيع الفاكهة، تقف أمامه امرأة وطفلتها، الطفلة تمسك بتفاحة أكبر من كفها الرقيقة. امرأة تجلس أمام منزلها، تمسك بمروحة مصنوعة من البامبو، تحركها أمام وجهها، فتتطاير خصلات شعرها الأملس، كخيوط حرير صينية، تستخدم في صناعة شال أنيق. صوت أغنية صينية تقليدية يقترب، آلف هذا النوع من الموسقى، فأرى رجلاً مسناً يسير دافعًا بكرسيه المتحرك أمامه، بخطوات متمهلة، وفوق كرسيه يضع “راديو ترانزستور” صغيرا. في بكين رأيت عدداً من المسنين يستخدمون الكراسي المتحركة، لمساعدتهم على التنقل في الشوارع، وقطع مسافاتها المتعبة بالنسبة لهم.

    بداخل الزقاق يقف مجموعة من الشباب والفتيات أمام مكان ما، أدقق البصر فاكتشف أنه باب لمطعم، ينتظرون دورهم للدخول لتناول العشاء، يبدو أن المكان متخصص في صناعة طعام بعينه، لا أحد يتخيل أبداً أن هذا الزقاق يمتلئ بمطاعم كثيرة هكذا. الزقاق ضيق جداً، ولكنه يتسع بالبشر والحكايات والمشاهد المتجددة مع بزوغ كل فجر جديد.

    أنظر إلى اليسار، فأرى أعمال صيانة لحضانة، لا أتخيل أن هذا الزقاق به حياة كاملة، به بيوت وفنادق، ومتاجر ومدارس….. به سيارات ودراجات، وبنوك، ومكاتب، ودورات مياه عامة. في مكان ما قريب من مخرج الزقاق، يجلس رجل أمن تحت مظلة، وإلى جواره صف من الدكك الخشبية بنية اللون، يستريح عليها بعض الناس، أرى طفلاً وأمه، وآخرين يجلسون غارقين في الحديث.

    يوم آخر في أزقة بكين …..

    ينسحب نور الشمس من الأفق رويداً رويداً، لتحل محله أضواء المدينة المبهجة، يعلن الليل عن إسدال ستائره، وأجد نفسي أسيرة في قلب زقاق آخر جديد، هذا المكان أكثر صخبًا، تمتزج فيه بكين المعاصرة مع تلك الأخرى القديمة؛ المباني عتيقة، والصخور عليها نقوش من زمن مضى، متاجر حديثة بها فنون صينية تقليدية ولكنها مقدمة بشكل معاصر، متاجر لبيع الخزف الصيني، والملابس التقليدية والحُلي المصممة بشكل معاصر، ومصابيح صينية حمراء معلقة في كل مكان، تنبعث من خلفها أضواء زاهية زرقاء وزهرية.

    أرى عروسان يستعدان لاتقاط صور ما قبل زفافهما، يرتديان ملابس صينية تقليدية، ويقفان أمام جدار منقوش في الزقاق، يبتسمان، فثمة شيء ينمو في القلوب يظهر على الوجوه والضحكات. يضغط المصور على زر الكاميرا، فتخلد هذه اللحظة إلى الأبد، ربما سيعلقان هذه الصورة فيما بعد على جدار منزلهما أو سيحتفظان بها داخل إطار للصور في زاوية ما فيه.

    يطول السير بي، وحينما ينبسط الزقاق أمامي، أرفع كاميرتي لالتقاط صورة له. فقد تتلاشى الصور من الذاكرة، ببساطة حينما نتركها في مكان ما منشغلين عنها، فيتقلص حضورها تدريجيًا، كصوت شخص يهوي إلى بئر نهايتها غير مرئية، ثم يأتي يوم نحاول فيه رؤيتها بوضوح، لكن لا نرى سوى صورة باهتة، يطغى اللون الأبيض عليها، حينذاك قد نراها ولكن دون ذلك الشعور الأولي، فندرك أن ما نراه ما هو إلا طيف عابر لها، وليست صورتها الحقيقية التي نتمنى أن تبصرها عيوننا، ثمة شيء ما كان هنا ومضى …. إلى الأبد.

    ولكنني أريد أن احتفظ بصور أزقة بكين، بما فيها من حيوية وألوان وأنوار….وبما فيها من نشوة اكتشاف أماكن وأناس مختلفين. انتهيت من السير في هذا الزقاق، لتنتظرني أزقة جديدة لاكتشافها في وقت لاحق في قلب بكين.

    * الماجيانغ: لعبة صينية تقليدية شعبية قديمة، يمكن تشبيهها بالدومينو.



    * منقول عن:
    Tumblr
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..