نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

عبدالله إبراهيم - الرواية والبحث السردي

  1. لستُ من القائلين باحلال التاريخ السردي محلّ التاريخ الوثائقي، فوظائف الكتابة السردية غير وظائف الكتابة التاريخية؛ لأن التاريخ يقوم على عقد يفترض الصدق بين المؤرخ والقارئ، وفي حال أخلّ المؤرخ بمضمون ذلك العقد، لأيّ سبب، يكون قد خان العلاقة مع قارئه، وتنكّب لوظيفة كتابته، وترتب على ذلك أخطاء ملموسة لها نتائج خطيرة، أقلّها التزوير أو الاغفال، فيما لا ينصّ ميثاق السرد على الصدق، ولا يشترطه، غير أنه لا يتعمد إنكاره ومجافاته، حتى لو كانت الكتابة من نوع التخيّل التاريخي. وليس من الحكمة أن يبحث القارئ عن تحقّق أحداث الواقع في السرد، وإن تمحّل في ذلك فهو من سوء التأويل الذي لا يقبل في عالم السرد؛ لأن مقتضيات الخطاب السردي لا تقوم على الدقة، والموضوعية، والتقريرية، والتوثيق، بل تتوارى الأحداث الحقيقية وراء المجازات، والرموز، ولعلها تكون أحداثا متخيّلة تتصل بأحداث العالم الواقعي على سبيل الايهام، فالتمثيل السردي لا يشترط تطابقا بين العالمين. لا يغترف السرد مكونات الواقع بالصورة التي عليها بل يستخلص منها ما يعطي لروايته معنى على سبيل الاعتبار.

    غير أن ما يتحصّل عليه القارئ من رواية هو غير ما يتحصّل عليه من بحث في التاريخ، فالرواية تجمل له ما يطويه ذلك التاريخ من أسرار خاصة، ومتع، وعدالة، ظلم، وهو ما يتعّذر وصفه بالبحث، ورصده بالتاريخ، وباختصار فيما يجعل التاريخ القارئ مشرفا على تيار الأحداث، يجعله السرد يخوض فيه، وعند هذه النقطة فلا فائدة من السؤال عن الحصيلة المعرفية، بل السؤال عن تشكيل صور ذهنية عن الأخلاق، والعادات، وأنماط العيش، والحريات، والاستبداد، والكراهيات، والتحيزات، وغير ذلك من الركائز الاجتماعية الكبرى التي يقع تمثيلها وليس تقريرها. وبما أن الروائي ليس مؤرّخا، ووظيفة هذا تختلف عن وظيفة ذاك، فإن هذه الصور الذهنية، وهي قوام الكتابة السردية، تعطي لقارئ الرواية، ثم لكاتبها، معنى مصوّرا عن العالم، أي أنها تعرض عليه أشكالا عديدة للعالم، إلى درجة يتكاثر فيها فيصبح عوالم بعدد الروايات التي تنهل منه، لأن كل عالم سردي تعرضه رؤية، وتتولّى صوغه شخصيات، وينبني بأحداث غير التي يتكوّن بها عالم سردي آخر.

    وقد حدث أن طُعن هذا الميثاق طعنة نجلاء أفادت السرد أكثر مما الحقت به الضرر، لأنها ذكّرت بضرورة مراعاة شروط ذلك الميثاق وإلا كان سوء العاقبة، فلأن "دون كيخوته" لم يرع شروط ميثاق السرد، وكان يصدّق بكل ما ورد ذكره من وقائع في روايات الفرسان خلال العصور الوسطى، بل جاوز ذلك إلى تطبيق مُثل أولئك الفرسان في عصره هو حيث تلاشى وجود أولئك الفرسان، فقد انتهى مخبولا لأنه وثق، تمام الثقة، بكل ما عرضته عليه تلك السرود الخيالية، ولم يحتمل "ثربانتس" ذلك الخبل فراح يرمي بروايات الفروسية في النار كي تلتهم أوراقها المتغضّنة، وبعمله هذا، وضع حدًّا صان ميثاق السرد، ولم يسمح بتجاوزه بعد ذلك، فإن تجاوزه القارئ أصيب بالجنون، وطاف السهول الإسبانية على هدي قدامى الفرسان على ظهر دابة هزيلة برفقة تابع دميم، وهو يريد إصلاح العالم بسيف مثلوم ودرع صدئة

    يحتاج القارئ إلى معرفة الكيفية التي يجعل بها الرواية جزءا من وعيه، وواقعه، ويدرجها في نظام فكره وذوقه، بحيث يتآلف معها، ويفكّر بها، فتصبح معاشرة الظاهرة السردية متعة لابديل لها عنده، وما أن يتأسّس ذلك التآلف حتى ينبثق نوع من التحالف، إذ تستجيب الرواية لمتطلبات القارئ حينما تعرض عليه نماذج لاتحصى من الموضوعات والأفكار، وتسرّب إليه أسئلة كثيرة حول الحياة، وربما تقترح عليه حلولا يهتدي بها من دون أن يكون ملزما بتطبيقها، وإلى كلّ ذلك، تستجيب الرواية للقارئ حينما تمنح نفسها لتأملاته وتأويلاته، فتنفتح عوالمها له، ويتمكّن من قراءة شفراتها على نحو صحيح، وهذا التفاعل بين القارئ والرواية يثري الظاهرة السردية والظاهرة القرائية، ولعله يفضي إلى اثراء معايير الكتابة مثلما يصوغ أساليب القراءة، فالعلاقة المتفاعلة بين الاثنين سوف تتمخض عن تطور مزدوج يشمل الطرفين، فمداومة القارئ على الرواية تجعله قادرا على تلمّس اتجاهاتها، وكلّما غطس فيها تكشفت له أسرارها، لأنها بحث في أحواله هو، فالقارئ العجول سوف يعزف عن تأسيس صلة بروايات كافكا، وسيصاب بالخيبة من جويس، وسيضل الطريق برفقة بروست، ويتعذّر عليه معرفة تضاريس الجنوب الأمريكي مع فولكنر، وسوف يقشعر بدنه حينما يقرأ ماركيز الذي اختلق قرية في يابسة الكاريبي الاستوائية، ورمى فيها بستة أجيال، فاقتلعتها عاصفة في نهاية المطاف، فإذا بالأمر كله نبؤة دوّنت على رقاق غجري بلغة مبهمة. ولكنه سيجد كل ذلك ممتعا حينما يكون على دراية بأن البحث السردي في أحوال الواقع يلزم كل ذلك.

    والراجح أن القارئ المتعجّل سوف ينعت بورخس بالحذلقة إذ هو يوثّق أحداث قصصه بمصادر مزّورة لم تُكتب على الاطلاق، وما صدرت عن مطبعة في أي بلد من بلدان العالم بل في خيال بورخس نفسه، وظنّي بأنه سيرمي نجيب محفوظ بالهرطقة حينما يتمحّل بتأويل شخصياته تأويلا قائما على رغبته في وضع تفسير جاهز لما يقرأ، وربما يتهم جبرا ابراهيم جبرا بالاباحية لأن شخصياته تغرق في متعها الدنيوية دونما تروّي، وسيتهم الطيب صالح بالعدوانية، وربما العنصرية، لأنه سمح لأحد أبطال رواياته الاقتصاص من نساء بيضاوات، وقد يتهم إميل حبيبي بممالأة الإسرائيليين لأن شخصياته تعايشت معهم في الأرض المحتلة، وقد يبدو له أورهان باموك كارها للتاريخ التركي لأنه أقرّ بمذابح الأقليات في نهاية حقبة السلطنة، وسيتّهم فؤاد التكرلي بالمحلّية العراقية الضيقة جدا لأن شخصياته تتحدث بلهجة أحد أحياء بغداد دون سواها ما يتعذر على القارئ فهمها، وربما يتخيّل أمبرتو إيكو محققا في القضاء لأن عماد بعض رواياته يقوم على التحقيق المعمّق، وسوف يحسب أغاثا كريستي خريجة كلية الشرطة في لندن.

    يحدث كل ذلك حينما يكون القارئ غريبا عن عالم السرد غير عارف بأنه بحث موارب في الواقع، لكن مداومته عليه تصطنع ألفة بينهما، وتخلّف معرفة، وتنشيء حوارا، يتيح للتأويل أن يحلّ محل التفسير الحرفي للنصوص السردية، فينفتح عالم كافكا باعتباره مكافئا سرديا لعالم واقعي محاط بالعجز، وملفوف باللغز. ويتقبل عالم جويس بوصفه نظيرا لغويا للعالم، وفيه تتقاطع حركة االشخصيات في مدينة ساكنة، هي دبلن، فتلوذ بخواطرها، وتتداعى ذكرياتها، وكأنها تعبر عن حيرة الإنسان الحديث. وسيجد رفقة بروست ممتعة لأن الأشياء تبعث زمنا مضى في نفوس شخصياته، وتخفي غزارة اللغة حركة شاحبة لمجتمع يرفل بالحيرة، غير أنه برفقة فولكنر سيختزل أمريكا إلى تلك المنطقة المتخيلة "يوكناباتوفا" حيث يريد المجتمع الانقطاع عن ماض وينفتح على حاضر، وما يتخلل ذلك من نزاعات، وتعارض في الأفكار. وسوف يدلف مع ماركيز إلى ذلك المرجل الساخن للنزوات، وسفاح المحارم، والشبق، والقتل، والاستبداد، والخداع، والسحر، فتكون "ماكوندو" بؤرة تحيل على تاريخ قارة طوال قرن كامل، وفي القلب من ذلك تنمو تلك الأمثولة القائمة على النبوءة، وكل خرق لها سيؤدي إلى فناء سلالة "بونديا" وفحوى النبوءة يذهب إلى أنه في حال حدوث سفاح المحارم بين أفراد السلالة فالمولود سيحمل معه دليل ذلك الإثم، وهو ذنب نابت في مؤخرته، فتعمل السلالة لمئة عام على ألا يحدث ذلك لكنها في لاوعيها تعمل خلال تلك المدة على تحقيق مضمون التحذير، فتتلاشى قرية ماكوندو في آخر صفحة من "مئة عالم من العزلة" كأنها آخر صفحة في كتاب الوجود. يقبع الواقع السردي في صفحة كتاب وليس في خارجها.


    د. عبدالله إبراهيم


    * عن:
    جريدة الرياض | الرواية والبحث السردي
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..