نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أحمد رجب شلتوت - حين نبكي مصير روميو وجولييت سنفهم ما نعيشه

  1. عالم نفس وروائي كندي يذهب إلى أن ما تغيَّر في مراحل شكسبير هو تصوُّره الخيالي للقَصَص. فقد بدأ يؤمن، بأن ذلك القَص ينبغي أن يضمّ كلّا من الفعل الإنساني الظاهر.
    السبت 2018/10/27
    [​IMG]
    كلمة "حلم" هي الأكثر شيوعا في نصوص شكسبير
    القاهرة - “ما أشبه ما أرى وأسمع بالحلم” هكذا تحدث فالانتاين إلى نفسه في مسرحية “سيدان من فيرونا” لوليم شكسبير، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يستخدم فيها كلمة “حلم” كرؤية بديلة للواقع، وكلمة “حلم” هي الأكثر شيوعا في نصوص شكسبير، فوفقا “للفهرس الأبجدي المفتوح لأعمال شكسبير” تكررت المفردة ومشتقاتها نحو 221 مرة في مسرحياته وقصائده.

    ويرى كيث أوتلي، وهو عالم نفس وروائي كندي، أن معاني كلمة حلم عند شكسبير مرّت بثلاث مراحل، فقد استخدمها في مسرحياته الأولى بمعناها الدال على سلسلة من الأفعال والمشاهد البصرية التي نتخيَّلها في المنام، ثم استخدمها بمعنى أحلام اليقظة. وبعد سنوات أشار بها إلى رؤية بديلة للعالم.

    ويذهب أوتلي إلى أن ما تغيَّر في مراحل شكسبير هو تصوُّره الخيالي للقَصَص. فقد بدأ يؤمن، بأن ذلك القَص ينبغي أن يضمّ كلّا من الفعل الإنساني الظاهر، ورؤية ما يعتمل تحت السطح، فتخطَّت مسرحياته كتابة التاريخ مسرحيّا؛ كما في “هنري السادس”، وتخطَّت الترفيه؛ كما في “ترويض النمرة” وصارت تحتوي على البعض من عناصر الأحلام.

    وقد بدأ منذ “حلم ليلة صيف” في طرح فكرة مفادها أن القصص الخيالية ليست مجرد جزء من الحياة، ولا هي محض ترفيه، ولا مجرَّد هروب من الواقع اليومي، فهي تشمل كل ذلك، وهي في جوهرها حُلم موَجَّه، وهي أيضا نموذج يبنيه القراء والمشاهدون بمشاركة الكاتب، ليُمَكِّننا من رؤية الآخرين ورؤية أنفسنا رؤية أوضح.

    شكسبير في هذه الأعمال لم يبتكر فكرة أن المسرح نموذج للعالم، ولكن أدرك أهميتها، التي لم يدركها علم النفس إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، الذي شهد دراسات سيكولوجية تحاول استكشاف تأثير القصص الخيالية على العقل، وسبب استمتاع الناس بقراءة الروايات ومشاهدة الأفلام.

    وبالتزامن مع ذلك بدأت أبحاث تصوير الدماغ تُظهِر كيفية تعبير الدماغ عن المشاعر والأفعال، والتفكير في الآخرين الذين يقرأ المرء عنهم في تلك القصص.



    [​IMG]
    وظيفة القَصص الخيالية هي أن تمكننا من أن نحيا من جديد


    هذا ما أوضحه أوتلي في كتابه “كما في الأحلام.. علم النفس في القصص الخيالية”، وقد ترجمته آيات عفيفي وأصدرته مؤخرا مؤسسة هنداوي بالقاهرة.

    وينطلق كاتبه من الرؤية الشكسبيرية كما أوضحها، ثم يتجاوزها إلى دراسة جوانب أخرى مثل كيفية دخول القصص الخيالية إلى العقل، وكيفية إثارتها لمشاعرنا، وتبصّرنا بخبايا نفوسنا ونفوس الآخرين.

    يدور كتاب آي.أي. ريتشاردز “النقد التطبيقي” حول ما يفهمه الناسُ من الأدب، فردود فعل طلابه في جامعة كامبريدج إزاء القصائد التي تناولها كشفت له عن “تشكيلة مدهشة من ردود الأفعال الإنسانية”، فتوصل إلى أن الأعمال الإبداعية حمَّالة أوجُه لقرائها المختلفين، على عكس الكتابات العلمية التي تسعي للتوصُّل إلى معنى واحد متَّفق عليه، فالقصص الخيالية إيحائية بطبيعتها، لها دلالات تختلف لدى كل شخص يسمعها أو يقرأها، بل وتحمل معاني مختلفة للشخص الواحد عند قراءتها في مناسباتٍ مختلفة.

    أما أولى بشائر علم النفس المعرفي فصاحبها فريدريك بارتلِت، ففي كتابه “التذكر” المنشور عام 1932 قدم تجربة عن الاستغراق الإبداعي للفرد في قراءة القصص وتذكّرها، ولا تقتصر عملية البناء التي وصفها على الذاكرة، ولكنّها تشمل كذلك ما يحدث أثناء خبرة قراءة قصة ما، أو خبرة إدراك العالَم من حولنا. فنحن نستوعب ما نقرأه أو ما نراه من خلال ما يمكننا فهمه، ونحن نفهم من خلال ما نُضفيه على أي قصة أو مشهد.

    إن فهم الشعور هو عملية يحدث من خلالها ارتباط بين حدث أو شخص ما (في العالم الخارجي) واهتمام أو غرض ما (داخلي)؛ والشعور هو العملية التي تُضفي على الأحداث معانيها في الحياة، وغالبا ما تُدخِل الأحداث في دائرة الوعي.

    وهكذا تبدأ عملية الاستمتاع بالقصص الخيالية من إدراكنا لأنماط المشاعر التي سبق وأن عشناها في الواقع أو في الأدب، في سياق جديد، نسقط أنفسنا عليه ونعيش تلك المشاعر من جديد بشكل يتيح لنا فهمها بعمق، وربما نغير بفضل ذلك أشياء داخل أنفسنا.

    وقد بنى توماس شيف على هذه الفكرة، وافترض أننا في الحياة العادية لا نعيش مشاعرنا دائما؛ لأنها تحدث أحيانا على مسافة جمالية غير مناسبة، فتكون أحيانا بالِغة القرب مثل مشاعر الحزن لوفاة عزيز أو مشاعر الخزي التي نعجز عن الاعتراف بها لأنفسنا أو لغيرنا، أو ربما مشاعر الإحباط أو الكره المتعلِّقة بأشياء ليست بيدنا حيلة في أمرها.

    وتوصف هذه المشاعر بأنها “دون المسافة الملائمة”، ولذا، نتذكر بعض ملامح الأحداث التي أدَّت إليها، ولكن بطريقة لا تسمح باستيعاب المشاعر المرتبطة بها استيعابا كاملا في سيرة حياتنا أو في فهمنا لأنفسنا.

    من هنا تصبح وظيفة القَصص الخيالية هي أن تمكننا من أن نحيا من جديد، وأن نستوعب مشاعر من ماضينا، يمكنها أن تظل رغم خروجها من دائرة الوعي ذات أثر هائل على حيواتنا. إننا حين نبكي مصير روميو وجولييت إنما نعيش مجددا في الواقع حالةَ فقدٍ شخصية، لم نتمكن من تقَبُّلِها حتى تلك اللحظة. ولعلَّ استشعارنا الحزن في المسرحية يسمح لنا بأخذ خطوة واحدة صغيرة في طريق استيعاب خسارتنا.

    عن الكاتب

    كاتب من مصر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..