نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

إبراهيم سبتي - غابة الحروف الميتة.. قصة قصيرة

  1. امهلت نفسي ثلاث دقائق للوصول .. نظرت الى السماء الصاخبة ، المطر المروع غزير حد الرهبة .. كل المسافات تلاشت وانا اقترب من الوادي العميق .. هكذا حدثوني ، الوادي الذي تتقافز في بطنه الضفادع ويتعالى الصرير .. انا لم اسمع شيئا .. لم تتوقف السماء ولن اصل بعد .. الوادي تحف به التلول الترابية ، يخترقها طريق ضيق وعر .. خمنت ان الدقائق الثلاث ربما تكفي للوصول الى مشارفه وربما تكفي حتى للوصول الى بطنه .. انا مبلل وصرت انقل خطواتي بثقل وبصعوبة ، الارض صارت وحلا .
    النهار توارى خلف ستائر الغيوم السود ، النهار صار كالليل في اوله .
    لا ادري هل استدر والغي رحلتي التي اذابتها الامطار والوحول وأمني نفسي بالاعذار وكلمات اليقين غير المقنعة !! ام اواصل رحلتي التي صارت اكثر قربا كلما زخت السماء وارتعدت مفاصلي التي تسرب لها ماء المطر وصرت اقول يامن امطرت السماء وجعلتها تدر مدرارا ، اوصلني الى هدفي قبل ان تجتاح الارض وتغرق الوادي بما فيه!!
    الدقائق تنحدر مع انحدار السيول الى بطن الوادي السمين المنتفخ .. حدثت نفسي : مثلي لا يمكن ان يصارع الامواج الهادرة للبحث في تخوم الوادي عن اشياء هي خرافات تناقلتها الالسن دون ان يخترقها انسان من قبلي !!
    انتابني تردد لم اتوقع اني سوف امر به ، لم احسب حسابه ابدا .. تردد بلغ حد اجباري على اتخاذ قرار ما وحالا دون تأخير ..
    لكني تذكرت كل المنتظرين وكل القوالين والمراهنين على رحلتي .. بعضهم راهن بحفنة من مال واخر راهن بداره وغيره راهن بكل ما يملك !! ان انا عثرت على المخبوء في باطن الوادي والذي ظل الاجداد وكل الاسلاف يتكلمون عنه كحقيقة قائمة لامحالة .. سر مكنون مدفون مع الارواح التي تسكن الوادي المقفر المترب .. ما ذنبي ان لم اعثر على شيء مع اني حاولت ولم افلح ؟
    لا ، انها لعبة حيكت ببراعة والبسوني ثوب البطل الفاتح والمغامر الجسور رغم اني لم اتفوه بكلمات البطولة او ارغمهم على قبول التحدي !
    كانت كلمات اطلقتها بحشد من القوالين ، اني متاكد من وجود خبيئة في الوادي ، هذا الذي تفوهت به ولا غيره .. لكنهم ارادوا كبشا يلبسوه حلة الهصور الجسور وانتظار خبر ما ربما يثلج صدورهم المخسوفة الخاوية .. هذا ما جنيته على روحي ولم افكر بعاقبة او نهاية مطاف محزن .. الامطار المروعة توزع الرهبة في سكون الوادي البعيد عنهم والقريب مني ، انا الذي وصلت الى الاطراف الموحلة عبر الطريق الضيق الوعر .. وصلت الى مبتغاهم لا مبتغاي ابدا .. ارادوا ان اكون اول من يفند الخرافة بالعثور على الخبيئة التي لا احد يعرف حقيقتها او أي شيء اخر عنها .. الالسن تناقلتها منذ اجيال خلت ، والاحفاد ينتظرون عودتي وقد كسب المراهنون وارتاح المشككون واغتاظ الكارهون .. الامطار جعلت من الطريق الى بطن الوادي مستحيلا او اكثر !!
    حيلتي واهنة لا احد يصدقني ان عدت بسبب الوحول والسيول .. انهم ينتظرون وقد صدقوا اني بطل صنديد ومغوار جنديد وضبع غير هياب واسد يزأر في الملمات والاهوال .. هذا انا الذي صرت بركة ماء تتحرك بثقل الهزيمة التي بانت تلوح من اول الغيث وقبل ان تغرق الارض ويفيض الماء انهارا واستارا .. انا في حال يبكي الجوارح الجائعة ويدمع اعين الضواري النائحة على حظي العاثر ورحلتي 00
    انا اجوب بطن الوادي البعيد عنهم والقريب مني كقربه من لساني الممتد كلسان كلب الطرقات الراكض بخوف ..
    انا في سيل متلاطم اجوب ، وبين الوحول انقل خطواتي التي بت لا اشعر بها .. من يخبرهم بحالي ؟ من يقول لهم ان البطل الهمام والرجل الاوحد في ركوب الخيبة ، قد هزل وربما يموت غرقا او كمدا على رحلة اطاحت بكل عنفوانه امام رجال لا هم لهم غير سماع خبر الخبيئة الجاثمة في مكان ما من الوادي الفسيح او تكون كذبة ابتدعت من عقول الاولين وصدقها الاحفاد ؟ تمتمت في سري :
    حين يركلك الأخرون فلا تحزن,لأن ذلك يعني انك لازلت في المقدمة ..
    ضحكت .. أي مقدمة انا فيها الان .. لقد ركلوني والبسوني ثوب المغفل المندفع والبطل غير المتوج ! وانا اجوب الارض التي لم يطأها احد من قبلي سوى كلمات وخرافات واقوال تناقلها اهل البيوت المطلة على الوادي .. البيوت بدت بعيدة حد الاعياء .. لم اعد افكر بشي الان سوى الخلاص من تهمة الخذلان التي سيلعنوني بها ما دمت حيا .. افكر في معزة لا ذل فيها وانا اعتذر لهم عن مواصلة البحث في ظروف غيرت ارادتي .. افكر بقول احدثهم به لا يرموني بعده بتهم الجبن والهوان .. لكني الان اموت .. اموت من سيل الامطار التي صارت كمطارق مدببة تدق رأسي .. الوادي الذي ما عاد واديا وماعدت انا قاهره .. صار صفحة من مياه متلاطمة تدغدغ بطني !
    امنيتي بالخلاص لم تنته او تصل حد اليأس .. السماء خففت قليلا من دويها وخففت انا من عذاباتي وانا ارى الموت يقترب .. كم منهم الان ينتظر عودتي بسلامة الوصول ونجاتي من موت مؤكد ؟ وكم منهم الان يقف هازئا ضاحكا من خيبتي وانا اصارع الهدير المروع ؟
    لكني ابقيت خيطا من الامل تعلقت به . ربما استطيع البحث في وقت اخر .. سأخبرهم باني لم استطع المواصلة بسبب السيول والاوحال والظلمة التي ازاحت النهار مع انه في اوله . ساقول لهم انا لها وساتحدى مصيري في الوادي المنتفخ .. فكرت بالسير وسط الامواج الواصلة الى بطني ، السماء بدت تهدئ من دويها اكثر .
    رجعت خطوتين او ثلاث ..
    استدرت نحو الطريق الضيق الوعر .. وانا وسط الوادي اخطط لنجاتي من هذا الويل .. ولكني استدركت وقررت الموت هربا من فخاخ اللعنات المنصوبة لي في دواخل البيوت النابتة خلفي والهازئة بي لامحال .. الموت في الوادي غرقا انقذ نفسي من ملاحقة العيون والالسن اللاذعة والضحكات الصفر الموجعة .. اموت شجاعا مدوخا للوادي ومخترقا هيبته ، هكذا سيقولون عني .. سيقول الكبار انه مات بطلا لم يخف او يهن او يكون من الهاربين .. ويقول الكارهون مات لانه لايعرف العوم في ماء الوادي او انه مات وهو ينوي الخروج هاربا .. حتى في موتي سأكون تحت رحمة السنتهم الحادة والتي لايردعها غير العثور على الخبيئة .. السماء هدأت ..
    الامواج خف تلاطمها .. انا الواهن الواقف في المنتصف احاول ان انجو من الموت الذي يحوم علي .. الموت كذئب يحاول الانقضاض على فريسة ضعيفة ستسقط ميتة من الخوف ..
    الغيوم لم تعد تسد شغاف النهار .. الضوء تسلل الى الوادي فالتمعت الارض المحيطة الموحلة وبانت البيوت بعيدة كما هي .. لم ار أي واحد افلت من هنئته وجاء راكضا الي .. لم ار أية حركة من جهة البيوت التي تنتظر عودتي حاملا خبيئة الوادي المدفونة منذ الظهر السابع او اكثر وهو ما تناقله الاجداد ومن ثم الاحفاد .. يريدون رؤية الخرافة وقد صارت حقيقة واقعة .. لم افكر بشيء سوى بالنجاة والعودة سالما ولكن ليس غانما وهنا ستسكب علي اللعنات كما المطر الذي بللني وكاد يغرقني .. لا نقيق اسمع ولا صرير .. الصمت وانا لا غيرنا في منتصف الوادي .. وانا اجوب المكان الغارق لمحت شيئا طافيا على مبعدة متر .. عيناي رغم وهنهما التقطتا شيئا كأنه لف بخرقة بالية يقترب . فيما لمحت عن بعد عظاما تتراقص فوق صفحة المياه .. خمنت ان المطر المروع نبش الارض وطفرت العظام التي ربما كانت تنام وادعة في مقابر الوادي المهجورة منذ اول الدنيا ، تشابكت حتى بدت كغابة يابسة مهجورة .. رفعت الخرقة السوداء ، وكأني احمل كرة من الخرق البالية التي يتقاذفها الصغار في زقاق البيوت .. عصرتها فالتقت اصابعي على جانيها .. كانت اصابعي قد تحسست شيئا قابعا في جوفها .. حللت العقدة المتهرئة فبان طرف ورقة صفراء مزقها البلل .. حاولت سحبها من داخل الخرقة فذابت بين اصابعي وقد تناثر عليها لون ازرق صبغ كل كلماتها التي لم استطع قراءة أي حرف فيها .. رميتها فابتعدت عني واقتربت من العظام المتناثرة وتوارت ، فيما التصقت قصاصات صغيرة واهنة على اصابعي قبضت عليها بعنف وانا افكر في الخروج سالما نحو البيوت التي ابتعدت كثيرا ..



    عن الناقد العراقي
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..