الطيب عبد السلام حاج علي - الخطيئة في جوف التبلدية

«وكان الداني صيف» وقد جفت حلوق الناس من ترقب الخريف على أ حر من الجفاف، ولقد تصدعت جوانب «التبلدية أم بطنين» من طول حملها بجنين الفراغ، الذي أنجبته سفاحاً من ضل القمرة وهو يغشاها في أشد ساعات الليل غموضاً..
ففي تلك «الحتة» الواقعة على خط نسى رقمه المكاني في إحدى نوبات التلاشي نحو القاع، وعلى دائرة عرض تبلغ ذروتها في وضح النهاره، كانت «أم بطنين» هي الأم الرؤم لظلال أولئك الناس الساكنين حولها، فهي أول من هاجر إلى هذه البقعة النائية من كل الأماكن ما عدا السماء، وهي أول من امتلك «ضلاً» في هذه الأرض التي جاؤها بلا ميعاد وعاشوا بها بلا غاية وتكاثروا عليها كما يفعل البشر.. ففي دواخل كل منهم صدى لذلك النداء الصامت الذي انبعث من الأرض ليتغلغل في حاسة الرحيل الواقعة أسفل الجهاز المفاهيمي للروح.. كانوا يعلقون عليها رتاينهم عند الليل لتضئ ما حولها من الطرقات المارة بها في قدومها وفي رواحها، فهي تشكل مركزاً لكل البيوت «الدايرة حولها».. وعندما ينفذ الجاز لدى صاحب «الكنتين»: الأغبش ود حامد وتقطع «بلواري» المدينة الطريق كان الناس يقسمون أنهم يرونها تضئ لوحدها إلى موعد الغسق، حينما تبدأ ديكة الحلة في التسابق والتصارع للآذان «جمبها».. وعند الخريف كانوا يحلبون ضرعها الذي امتلأ «بالماء المبارك» الذي كان يقرأ عليه الشيخ «النور ود النجمة» أوراده. وطالما كان «ضلها» بمثابة ميس للهاربين والغارمين وبعض الصغار الذين عصوا أوامر آبائهم.. فكانت تنتهي المطارة على حدودها.
وفي داخل الزاوية اللولبية من العالم والتي تبلغ أوجها وانفراجها عند ملامستها لنظرة «إدريس ود آدم» - سيد اللبن- حين ينظر إلى وجه «الرضية بت عبد النبي». وهي تمد قدحها ليهيل عليه من «دمه الأبيض» كما قال لصديقه البخيت أنه «بحس بي أنو بيكوب ليها من دمو ما من اللبن» وطالما تجاهل بقية القطاطي ليستمر على ظهر حمارته منتظراً شروقها.. أما الآن وقد «غرزت» السحب، وأصيبت القرية بدوار السراب، وصار صبيتها يرددون غناء «القعونجات» العذراوات في دارة البركة.. وقد نفقت الماشية وماتت بقراته الثلاث بما فيها «أم بطنين» التي أسماهما تيمناً باسم التبلدية لفقد ما يبرر له رؤيتها بعد ان .. فقد كل شئ.. ولطالما تخيلها في منامه وهي تقوم من «حفرة الدخان» لترتمي بين احضانه الشوكية.. ولطالما تمنى ان يبعث الله بقرته «أم بطنين» ليسقى عينيه من رؤيتها..

كان الأهالي يؤدون في ظل التبلدية صلاة الاستسقاء عقب كل صلاة خلف «ود النجمة» الذي بدأ لحوحاً في سؤاله.. ولطالما زاغ «إدريس» ليذهب إلى مشارف بيتها «عله يلم فيها».. وبسهو متعمد من كليهما التقيا.. وقد جفف.. الظمأ.. الشبق.. حلقيهما.. وقرروا دون مشاورة ان يرتويا من بعضيهما.. في جوف التبلدية التي بدت أكثر أمناً من باطن الأرض.
وفي تلك الليالي قاسية البرودة كان الشيخ «ود النجمة» يناجي ربه في تبروقته الجلدية التي امتلأت بأقدام الملايكة المتحلقين حوله وهو يمعن في ذوبانه الروحي في محلول الرياح الإلهي، في تلك الليلة بالذ ات.. دخلا إلى جوف «أم بطنين» وفي يد «إدريس» أحد الرتاين التي اقتلعها من جيد الشجرة.. نظر في وجهها، رآها «مدبرسة» السبب حاول إزالته بقوله «ما تخافي مافي زول شافنا.. وبعدين أنا معاك.. وبريدك وما في حاجة تقدر تمنعك عني» لم يدرك إدريس انهما داخل أقدس مكان على هذه البقعة من الأرض.. احتضنها بتهيج أملته ضرورات السن.. شرب من شفتيها بصيص الأمل بالماء.. ومن صدرها عصارة الصبر.. ومن عينيها دمعة النشوة التي خامرتها وهي ترتوي منه إكسير الحياة، كان العطش الذي في دواخلهما وهو الذي يدير طاحونة الزمن من حولهما.. وفي تلك الليلة بالذات كان ود النجمة أكثر حضوراً وخشوعاً وإلحاحاً.. وكانت الحضرة توغل في قلب الرياح التي بدأت تلملم في السحب لتجتمع فوق المنطقة القاحلة.. وحينما كانت تسبيحاته تعلو كان يجاوبها الرعد بتسبيحات داوية لكنها خاضعة لهمس الشيخ.
فاجأهما المطر بغزارته العارمة.. وهما في أوج الارتواء.. حاولا الخروج بعزم.. بإصرار.. بقشة البرق الذي ظل يطلوهما بالأحمرار.

بدأ «ود آدم» يفييق جسده ويسير رويداً رويداً نحو المجهول وهو يتأمل ظله منبثقاً عن شهقة الضوء حين يتعبه طول ال سفر نحو الأماكن.. كانت قبقراته يهربن منه كلما دنا نحو ثغر «الرضية» ليمنحها قبلة بطعم الأكسجين الذي بدأ يتحول إلى حامض «كلوريد الموت».
مات الأوكسجين على شفتيهما.. وماتا.. حباً.. عطشاً.. غرقاً..
تلاشى حينها جسد ود النجمة في صميم الغيب، وقد غطت المياه كل مسام الأرض العطشى. أدرك الجميع في الصباح وبصدق بمن فيهم البخيت الذي كان يشرب في ظلها «برمته» الساكرة من نفسها، ان هذه الشجرة هي حمى الله في هذه البقعة..
حينها علت من صدره ضحكة غامضة وهو يقتل إحدى البواعيض التي انتهزت فترة تشاغله بالإستماع إلى «القعونجات» العذراوات وهن يُعددن العدة لحياة جديدة.
أقسم الناس أنهم بدأوا يرون عند اكتمال القمر ظلين يركضان حول تبلدية.. إلا أن ود النجمة كان يبتسم قائلاً: «والله بيجوني يوماتي في بطنها التاني



* من القصص الفائزة بجائزة الطيب صالح..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى